عبدالملك زكريا علي..يكتب

تراجع الهوية الوطنية السودانية وتمدد الولاءات الإثنية والقبلية وتفكك الدولة الوطنية وصعود العصبيات الفرعية .. جدلية القبيلة والقبلية في الفضاء السوداني

يقتضي التأسيس الاجتماعي لظاهرة تراجع الهوية الوطنية في السودان ويقتضي تفكيك المفاهيم وتجريدها علمياً للتمييز الدقيق بين القبيلة بوصفها معطياً أنثروبولوجياً طبيعياً وبين القبلية بوصفها عصبية وأيديولوجية سياسية مصطنعة .. تشير القبيلة في جوهرها إلى كيان اجتماعي تقليدي وحامل للقيم الإنسانية المشتركة يوفر لأفراده شبكة أمان حيوية وتضامناً متبادلاً لتوزيع الموارد المادية والرمزية في بيئات الإنتاج التقليدية وفي المقابل تتبدى القبلية كنزعة سياسية وعصبية إقصائية تنشأ عندما تُعاد تعبئة الانتماء الفرعي وتوظيفه كأداة للمنافسة على السلطة والثروة والاعتراف الرمزي داخل أجهزة الدولة .. هذا التحول من الحيز الاجتماعي المحايد إلى الفضاء السياسي الصراعي يعكس بصورة أساسية أزمة المواطنة الناتجة عن عجز الدولة ونظامها السياسي عن تلبية المطالب المادية والفكرية للأفراد مما يدفعهم قسراً للارتداد نحو الولاءات الأولية لالتماس الأمن المادي والمعنوي في ظل غياب سلطة القانون .. إن تضخم النزعة القبلية في الفضاء الوطني المعاصر لم تكن نتاج ارتداد فجائي نحو البدائية بل هو نتيجة موضوعية لإخفاق مشروع التحديث والدولة الوطنية في بناء هوية مجتمعية وطنية جامعة وقادرة على استيعاب التعدد البنيوي العميق وحين تتآكل ثقة الأفراد في قدرة مؤسسات الدولة الدستورية والقانونية على تحقيق العدالة وحماية البقاء تبرز القبيلة كدولة مصغرة بديلة تمارس وظائف الحماية والتجنيد والتفاوض وحتى القتال . والفوارق البنيوية والوظيفية بين كيان القبيلة الطبيعي ونزعة القبلية المسيسة في سياقنا الوطني تتمثل في: – أبعاد المقارنة البنيوية: كيان القبيلة الاجتماعي كمعطى طبيعي ونزعة القبلية السياسية كعصبية مصطنعة . – التعريف والماهية: القبيلة وحدة اجتماعية أنثروبولوجية تقوم على صلة الدم والقرابة والجوار الجغرافي .. والقبلية أيديولوجية سياسية تعبئ الانتماء العشائري كأداة للمنافسة والإقصاء . – الوظيفة الأساسية: القبيلة لتوفير التضامن الاجتماعي والتكافل المادي وتوزيع الموارد التقليدية والقبلية هي احتكار النفوذ الإقليمي والضغط على السلطة المركزية وعسكرة الفضاء العام . – العلاقة مع الآخر: القبيلة قائمة على التعايش التاريخي المشترك والتبادل العرفي والمصاهرة والقبلية قائمة على الفرز الإثني الحاد والاستعلاء الثقافي والتعامل بمنطق نحن وهم . – الأداة التشغيلية للقبيلة هي: الأعراف التقليدية المستقرة ومجالس الصلح الأهلي (الأجاويد) واداة القبلية هي الحشد العسكري والمليشيات المسلحة والخطاب التحريضي في الفضاء الرقمي . – الارتباط بالدولة: القبيلة كيان وسيط يمكن دمجه في مؤسسات التحديث وبناء المواطنة والقبلية كيان موازٍ يقتات على ضعف الدولة وتلاشي مظاهر القانون . وتأسيساً على هذا التمايز تظهر أزمة المواطنة كنتيجة حتمية لضعف الدولة في دمج الهويات الفرعية داخل مؤسساتها وتوليد حس الانتماء المشترك .. حيث يؤدي العزل الإداري والسياسي الممارس من طرف الأنظمة الحاكمة إلى اختلالات جذرية تدفع الأفراد للاستقواء بالقبيلة على حساب الكيان الوطني . #- التراكم التاريخي والتشكل الاستعماري: مأسسة التجزئة الجغرافية والهوياتية

تضرب أزمة الهوية السودانية بجذورها في السيرورة التاريخية الطويلة التي شكلت جغرافية البلاد وبنيتها السياسية الحديثة منذ عهد السلطنات الإسلامية التقليدية مروراً بالفتوحات التركية وصولاً إلى الحكم البريطاني لم تكن الدولة القطرية الحالية نتاج تطور اجتماعي داخلي متسق بل نشأت من خلال الضم القسري لمجتمعات وشعوب متباينة إثنياً وثقافياً ولغوياً تحت مظلة إدارية وعسكرية واحدة .. حيث أسست الفتوحات والاستعمار لنموذج الحكم العسكري المركزي الصارم الذي ركز السلطة الإدارية في يد العسكريين بالعاصمة وجعل مهمة الدولة الأساسية تنحصر في جباية الضرائب واستتباب الأمن بقوة السلاح واعاد البريطانيون إنتاج هذا التشوه البنيوي عبر تقنين التجزئة الاجتماعية ومأسستها من خلال سياسات الإدارة الأهلية ورسم الحواكير وقد قيد هذا النظام حركة الأفراد وربط المواطنة بالحقوق الجغرافية والإثنية التقليدية مما قسم المجتمع الريفي إلى طائفتين سادة الدار الذين يمتلكون الأرض والنفوذ الإداري والآخرين الرحل وعلاوة على ذلك كرس الاستعمار سياسة العزل الثقافي والجغرافي من خلال قانون المناطق المقفولة لعام 1922م الذي منع التواصل الطبيعي والتبادل الثقافي بين الشمال والجنوب مما أسفر عن نشوء كيانين مغتربين داخل دولة واحدة وعطل صيرورة الانصهار الوطني وقد امتدت آثار هذا التشكل الاستعماري لتشمل البنية المعرفية والسياسية للحركة الوطنية .. حيث الصفوة والقومية الشمالية التي قادت الحركة الوطنية والتي نجحت في إنجاز التحرر السياسي من المستعمر لكنها فشلت تماماً في تحقيق الإلفة الوطنية وصياغة وجدان جمعي مشترك لبناء الأمة السودانية والدولة .. لقد تجاهل العقل السياسي في المركز وجود لغات أخرى وعقائد بديلة وعلاقات أزلية عابرة للحدود تربط أطراف السودان بجوارها الإقليمي مثل ارتباط الغرب بتشاد والشرق بأرتريا مثلا .. وتتبدى هذه التصدعات التاريخية بوضوح عند إعادة قراءة ثورة 1924م وحركة اللواء الأبيض بقيادة علي عبد اللطيف حيث وظفت النخب النيلية المحافظة خطابات عرقية منتقصة طعنت في أصل الزعيم الوطني لتقويض شرعيته السياسية مما يؤكد أن الاستقطاب الإثني والطبقي ظل حاضراً في الوعي الداخلي للنخبة الحاكمة منذ فجر تكوين الدولة الحديثة . #- أزمة الهوية لمتخيلة: الثنائيات الهيكلية والصراع الفكري والرمزي .. حيث تعكس أزمة الهوية السودانية توتراً بنيوياً قديماً بين تصورين متنافسين تصور أدبي ثقافي يرى الهوية فضاءً مفتوحاً للتعدد والتداخل والتلاقح الرمزي وتصور سياسي دولتي يسعى لتحويل الهوية إلى تعريف قانوني وإداري مغلق لتثبيت سلطة فئات اجتماعية حظية في المركز وبرزت أولى المحاولات التوفيقية للتعبير عن الهوية المركبة خارج الدوائر السياسية الرسمية من خلال اطروحة الغابة والصحراء كتيار شعري ونقدي في جامعة الخرطوم خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين وطرح رواد هذه المدرسة استعارة رمزية تعبر عن التمازج التاريخي بين الامتداد العربي الإسلامي (الصحراء) والجذور الأفريقية النيلية (الغابة) متخذين من السلطنة الزرقاء في سنار مصهراً ومرجعاً لصياغة هوية سودانية توحيدية فريدة

وعلى الرغم من العمق الفلسفي لتيار الغابة والصحراء إلا أنه واجه حدوداً بنيوية حادة إذ اعتبره النقاد تبسيطاً نخبوياً يفشل في استيعاب التعقيد الإثني واللغوي الفعلي لأقاليم السودان كدارفور وجبال النوبة والشرق . وبالمقارنة بين المدارس الفكرية السودانية التي تصارعت حول تعريف الهوية الوطنية وإدارة التنوع نخلص الي : المدرسة الفكرية وركائز التعريف ومحددات الانتماء وموقفها من التعدد والإرث التاريخي وآليات إنتاج الهوية وإخفاقاتها البنيوية ونأتي الي: ١/ مدرسة الغابة والصحراء كمدرسة توحيدية .. تمازج تراكمي مركب يدمج العروبة بالأفريقانية في مصهر سناري فريد ترى التعدد مصدر قوة وتكامل وتلاقح طبيعي عابر للثنائيات القطبية .. حيث ظلت هذه المدرسة تياراً أدبياً ونخبوياً عجز عن التحول إلى سياسات ومؤسسات تشريعية فاعلة . ٢/ المدرسة القومية العربية المركزية .. لغة الضاد والافتراض الحضاري العربي الإسلامي كمحددين حاسمين للمواطنة وتعتبر عمليات التعريب والأسلمة اندماجاً طبيعياً وتهمش الهويات الأفريقية الطرفية حيث استخدمت أجهزة الدولة والقانون والتعليم لإنتاج ثقافة أحادية وإقصاء الهوامش . ٣/ النزعة الأفريقانية والمركزية الأفريقية .. حيث الانتماء والنسب العرقي الإفريقي النيلي الخالص كأداة للمقاومة الثقافية والسياسية .. وهذه تدعو لنفي الثقافة العربية الإسلامية وتعتبرها أداة للاستعلاء والاستبعاد الاجتماعي واعتمدت على التعبئة الإثنية الحادة في مناطق الهامش، وعززت التوجهات الانفصالية . #- وفي سياق التشخيص النقدي لهذه الأزمة يطرح الأكاديمي الباقر عفيف أطروحته التفكيكية الموسومة بمأزق الهوية في شمال السودان متاهة قوم سود ذوي ثقافة بيضاء مجادلاً بأن النخب الحاكمة في الشمال النيلي تعاني من انفصام واغتراب بنيوي ناتج عن تبني ثقافة عربية متخيلة ومستعلية تنفي جذورها الزنجية والأفريقية الفعلية مما أنتج عقدة نقص تاريخية غذت ممارسات العنصرية والإقصاء ضد الجماعات الأخرى وفي المقابل يكشف الواقع التاريخي أن مشروعات الهامش البديلة كشعار السودان الجديد الذي طرحته الحركة الشعبية واجه شروخاً مماثلة حيث تحول التنوع الاجتماعي داخل الحركات المسلحة نفسها إلى بنية صراع قبلي وإثني مرير وتجلت فيها هيمنة قبائل الدينكا واستعلاؤهم العددي على قبائل النوير وبقية المكونات الطرفية الأخرى مما يؤكد أن آليات توظيف الهوية سياسياً وإقصاء الآخر تكررت في المركز والهامش على حد سواء . #- الاقتصاد السياسي للتهميش البنيوي: الريع وسوق السياسة .. حيث يرتبط تضخم الهويات الفرعية وتراجع الكيان الوطني في السودان ارتباط وثيق بالبنية الاقتصادية والاجتماعية المشوهة التي خلفها الاستعمار وأعادت النخب الحاكمة إنتاجها وتتجلى هذه الأزمة فيما يُعرف بالتهميش متعدد الأبعاد السياسي .. الاقتصادي .. الثقافي .. والرمزي فالتهميش لا يقتصر على كونه ظاهرة طبقية بسيطة بل يستمر كعملية حيازة وتداول تاريخي للاحتكار الاقتصادي والسلطوي من قبل مجموعات مميزة جغرافياً وإثنياً في المركز النيلي واعتمد الاقتصاد السوداني بشكل أساسي على الريع المالي المستخلص من الزراعة النيلية الحديثة والصادرات الأولية ولاحقاً النفط مما عزز من هيمنة الدولة المركزية وسمح للنخب الحاكمة باستخدام الموارد العامة كأدوات لشراء الولاءات السياسية وبناء التحالفات العشائرية وتأمين الامتيازات الهيكلية وفي ظل تآكل قدرة الدولة التنموية نشأ ما يسمي بالسوق السياسي وهو فضاء تتحكم فيه نخب عسكرية ومدنية منفصلة عن مجتمعاتها تتاجر بالولاءات القبلية وتستثمر في إدارة الخراب وتفتيت المجال الوطني إلى كنتونات متصارعة لحماية مصالحها الفردية . #- عسكرة القبائل وتسييس الإدارات الاهلية: شهدت العقود الماضية وحتي تاريخ اليوم تسييساً حاداً وعسكرة ممنهجة للبنى الاجتماعية القبلية في السودان حيث اعتمدت الانظمة المتعاقبة على القبلية كركيزة أساسية لإدارة شؤون البلاد والتغلغل في النسيج الاجتماعي ووصل تغلغل السلطة في القبيلة حداً فرض فيه إدراج اسم القبيلة في الأوراق الثبوتية الرسمية للمواطنين مما كرس الهوية الفرعية كمعطى قانوني حاسم للحصول على الخدمات والاعتبار العام ولضمان بقائها السياسي مما أفقد الإدارة الأهلية سيرتها الأولى كآلية لنشر السلم الاجتماعي وإطار تكافلي والية صلح مجتمعي بل حولها كجهاز تابع للسيطرة المركزية يأتمر بأمرها . #- لم تكن الحركات المسلحة المناهضة والمطالبة بالحقوق في دارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق بمنأى عن هذه الديناميكية التفتيتية إذ نشأت هذه التنظيمات على أسس قبلية محضة وانحصرت قياداتها الفعلية في قبائل أو بيوتات عشائرية محددة (مثل الفور والزغاوة والمساليت في دارفور والنوبة في كردفان وقبائل شرق السودان) مما حول الكفاح المسلح إلى صراع مركب تتقاطع فيه المطالب الوطنية العادلة مع المصالح القبلية الضيقة وفي عام 2003م اتخذ الصراع المطلبي الحقوقي في دارفور بعداً عرقياً كارثياً عندما حوله نظام البشير من حركات مطلبية الي صراع عرقي بين عرب وزرقة واعتبره كذلك مؤامرة جنوبية لفتح جبهة استنزاف غربية فلجأ إلى تسليح قبائل الرعاة الرحل (العرب والفلاتة) لمواجهة القبائل المستقرة (الزرقة) التي تمارس الزراعة . وتأسيساً على هذا الفرز العسكري الإثني شهدت المنطقة سلسلة من التحولات الكارثية كاتفاقية أبوجا للسلام 2006م حيث شكلت الاتفاقية محطة فارقة في تسييس السلم الأهلي حيث انخرطت الحكومة المركزية في تسوية منفردة مع الفصائل المسلحة وتجاهلت القبائل العربيةوالفلاتة والتي قاتلت في صفوفها ورفضت إشراكها بوفود التفاوض وعينت قائد المتمردين ميني ميناوي كبيراً لمستشاري البشير وشعرت القبائل العربية بالخيانة والغدر وأدركت أن الحكومة مستعدة للتضحية بوجودهم لتحقيق مصالحها الضيقة مما دفعهم للبحث عن مسارات مسلحة خاصة وتأسيس نفوذ مستقل يضمن بقاءهم الجيواستراتيجي . #- أزمة النظارات في عهد الثورة والفترة الانتقالية: بعد سقوط نظام الانقاذ والحركة الاسلامية 2019م لم تتراجع القبيلة والقبلية بل اندفعت بكامل قوتها لتعبئة الفضاء السياسي الهش وتجلى ذلك بوضوح في شرق السودان حيث قاد الزعيم القبلي محمد الأمين ترك (ناظر عموم قبائل الهدندوة ورئيس مجلس نظارات البجا) حراكاً قبلياً واسعاً وقام بإغلاق ميناء بورتسودان والطريق القومي الرابط بالعاصمة للضغط على حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك المدنية في تنسيق مكشوف مع المكون العسكري وخلف الستار قوي سياسية .. (قبلي عسكري تيار سياسي) للإطاحة بالانتقال الديمقراطي . #- حرب 15 أبريل ولحظة الانكشاف الوجودي: عسكرة الهوامش وتفكيك الدولة

حيث تعتبر حرب 15 أبريل 2023م بمثابة الزلزال البنيوي الشامل الذي أحدث لحظة الانكشاف الكبرى للدولة والمجتمع اذ لم تكن هذه المواجهة في حقيقتها حدثاً طارئاً أو محض صراع شخصي على مراكز النفوذ بل مثلت التعبير التاريخي والأخير عن عجز نموذج الدولة الاستعمارية التي عجزت عن التماسك مع شروط الوجود في لم لحمة الوطن والحياة التشاركية ومساواة ابناء الوطن اجمعين والاندماج في الاقتصاد الاقليمي والعالمي وقد جاء الاتفاق الإطاري الموقع قبيل الحرب ليمثل لحظة الحقيقة .. حيث أدركت النخب النيلية بمختلف مكوناتها السياسية والمدنية وحلفاؤها بالقوات المسلحة أن التوقيع يعني عملياً نهاية عهد الهيمنة والتسلط والاقصاء الي الابد فكان الصدام الحتمي لحماية ما تبقى حتي ولو ادي ذلك الي التقسيم الثاني للسودان الهش مهددة بنثر شظايا الانهيار الشامل . #- الاستنتاجات والمسارات البديلة .. نحو عقد اجتماعي جديد وسودنة السلام :- يفضي التحليل التاريخي والبنيوي والواقعي لواقع الدولة والمجتمع في السودان إلى أن انتصار القبلية والإثنية على الهوية الوطنية الجامعة ليس قضاءً قدرياً لا فكاك منه بل هو النتيجة المنطقية الحتمية لقرن من التراكم الاستعماري والتهميش من بعض بني الوطن المتعدد الأبعاد وفشل النخب الحاكمة في صياغة عقد اجتماعي متوافق عليه يضمن الكرامة والمواطنة المتساوية لجميع المكونات .. لقد تحولت الدولة عبر تاريخها من أداة حامية وجامعة إلى بنية خبيثة تشعل الحروب وتسلح المكونات وتدعي الحياد وتفتت المجال الوطني لضمان بقائها الشمولي … ولبناء سودان ما بعد الحرب وتجاوز إخفاقات الماضي لابد من خارطة طريق شاملة ترتكز على المسارات البنيوية التالية:- – صياغة سردية وطنية جامعة وسودنة السلام: اذ لا يمكن تحقيق السلام من خلال صفقات المحاصصة السياسية الفوقية بين أمراء الحرب بل عبر عملية تأسيسية حقيقية تنتج سردية وطنية لسودنة السلام وتعزز الوحدة الوطنية وتعيد اللحمة السودانية على أساس المواطنة المتساوية والاعتراف الدستوري الصارم بالتباين التعدد الثقافي واللغوي . – فدرلة الهامش وإعادة هيكلة الإدارة والتنمية: يجب فدرلة الهامش وتوسيع نطاق اللامركزية عبر مراجعة التقسيم الإداري للأقاليم والولايات لاستيعاب المكونات الكبرى والصغرى ويتعين ربط هذا التقسيم بالعدالة التوزيعية للموارد وتحويل التنمية الشاملة إلى أداة مصالحة صامتة عبر إدخال الخدمات الأساسية والمدارس والطرق والكهرباء إلى الريف كبديل فاعل لاقتصاد الحرب والنهب العشائري . – إعادة البناء والإصلاح الهيكلي للقطاع العسكري والأمني ومكافحة المليشيات: تقتضي الضرورة الوطنية إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش ومكافحة هضم الحقوق حتي لا يلجأ الناس لعصبية القبيلة والقبلية وحمل السلاح عبر مأسسة وحصر السلاح في يد جيش وطني واحد وعقيدة منضبطة تخضع للقانون والرقابة المدنية ويجب التخلي تماماً عن سياسات تسليح القبائل أو الاستعانة بالمليشيات الموازية كمعادلات أمنية لحماية الأمن القومي من مخاطر العسكرة الإثنية . – مكافحة خطابات الكراهية وتعزيز العدالة الانتقالية: يفرض الواقع المعاصر مكافحة خطابات الكراهية والاستقطاب الإثني في الفضاء الرقمي وعبر وسائل الإعلام ويتحقق ذلك بتأسيس آليات صارمة للمحاسبة الجنائية والعدالة الانتقالية الفورية لتقديم مرتكبي الانتهاكات ومذابح التطهير العرقي للمحاكم العادلة وبناء نظام قضائي نزيه محايد حر يعيد الحقوق والممتلكات لأصحابها الأصليين ويفكك الروابط السامة بين الجريمة المنظمة والعصبية القبلية . #- إن البديل الحقيقي لإنهيار السودان وتحوله إلى شظايا تهدد الامن القومي وامن المواطن والسلم الإقليمي يكمن في تحول القبيلة من خندق للحرب والاقتتال إلى ذاكرة اجتماعية وثقافية غنية والعودة بالوطن إلى معناه البسيط والعميق وأن يكون أعدل من السلاح وأكبر من صلة الدم وأقرب للمواطن من خوفه الوجودي .

اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب .

 

 

 

 

 

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *