عمار نجم الدين…يكتب

 

“حين يسقط السقف، لا تبحث عن الإعصار الذي مرّ البارحة، بل سل الطين الذي جفّ في الجدران منذ مواسم التأسيس الأولى.” تعلّمنا الرواية الأفريقية أن البيوت الشاهقة لا تنهار لمجرد هبوب ريح عابرة، بل لأن أساساتها حُفرت في أرض رخوة وأُهملت شقوقها طويلاً. هذه المجازية تختزل مصائر الأوطان؛ فالكوارث السياسية الكبرى وانهيار الدول لا يولدان من أحداث معزولة، بل هما تجليات حتمية لخلل بنيوي ممتد في هيكل الدولة الوطنية التي شُيدت عقب الاستقلال، وحين تعجز النخب عن قراءة هذا التآكل الهيكلي، تستعيض عن بناء المؤسسات الجامعة بصراعات صفرية حول السلطة والهوية.

من هنا، تكتسب مساهمة الأستاذ يوسف محمد علي، رئيس لجنة الاثني عشر في مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965 — وهي اللجنة التي كانت تمثل أطياف السودان السياسية والدينية والجهوية في محاولة لتأسيس توافق وطني — أهمية تفكيكية تتجاوز حدود التوثيق التاريخي العابر. إن كتابه «السودان والوحدة الوطنية الغائبة» لا يقف عند حدود رصد المداولات الدستورية، بل يمثل في جوهره وثيقة معرفية وأركيولوجيا سياسية تكشف اللحظة المبكرة التي تبلورت فيها أزمة البنية الفوقية للدولة السودانية الحديثة؛ حيث يفصّل مأزق الهيكل التأسيسي بقوله:

> “إن أزمتنا الحقيقية لم تكن يوماً في شُح الموارد أو غياب الرغبة في التعايش، بل في العجز عن صياغة عقد اجتماعي دستوري تتساوى فيه الحقوق والواجبات، وتذوب فيه امتيازات المركز لصالح دولة المواطنة.”

>

لقد كان يوسف محمد علي شاهدًا مركزيًا صاغ بوعيه النقدي تساؤلات حاسمة حول ماهية العقد الاجتماعي، مستشرفًا مبكرًا أن الدولة التي تعجز عن إنتاج عقل دستوري جامع، إنما تزلزل أساساتها وتزرع في أحشائها جينات تآكلها الذاتي. إن التفكك الإبستمولوجي لمسار الدولة السودانية يظهر كيف انشغلت النخب السياسية المتعاقبة بصناعة “سردية الهوية” وإعادة إنتاجها الإقصائي، على حساب صياغة مفهوم “بنية الدولة”. وتحول التفكير الدستوري من هندسة مؤسسية قادرة على استيعاب وإدارة التعددية المجتمعية الحيوية، إلى صراع صفري حول احتكار أدوات الشرعية والتعريف الفوقي للهوية الوطنية. ولم تكن المعضلة في المكونات الحضارية أو الثقافية بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى أدوات هيمنة سياسية تقسم المواطنين وترسخ الاغتراب البنيوي بين المركز والأطراف. وهنا يكمن الفارق؛ فبينما كان يوسف يبحث عن عقد مدني، كانت المؤسسة العسكرية تعيد إنتاج نفسها كدولة داخل الدولة منذ عام 1958، مما جعل كل محاولات التوافق الهشة عرضة للانقلاب والتقويض المستمر.

إن تفكيك محاضر وسجلات لجان الدستور، لا سيما لعام 1967، يوضح أن التحذيرات من بناء دولة على أسس غير متكافئة لم تكن ترفًا فكريًا، بل كانت إدراكًا مبكرًا بأن غياب العقد الاجتماعي الشامل يهدد الوجود الفيزيائي للدولة. وبالتالي، فإن قراءة الأزمات كحلقات منفصلة هو خطأ معرفي؛ فانفصال جنوب السودان عام 2011 لم يكن حدثًا فجائيًا مقطوع الجذور، بل كان النتيجة البنيوية الحتمية لعقود من الفشل في إرساء مواطنة متساوية واختلالات تنموية وسياسية عميقة.

كذلك، فإن الحرب التي اندلعت في عام 2023 ليست انحرافًا عابرًا، بل هي المآل الأحدث والأكثر راديكالية لغياب بنية مؤسسية تحتكر العنف المشروع بنحو قانوني ودستوري. عندما تنهار المؤسسات الحاضنة للتعدد والتوافق، تصبح القوة العارية هي الأداة الوحيدة لتدبير الاختلاف. وهذا التآكل الشامل هو ما حذر منه يوسف محمد علي بوضوح في كتاباته حين قال:

> “إن تأجيل الإجابة على الأسئلة التأسيسية المتعلقة بطبيعة الحكم، وتوزيع الثروة، واحتكار العنف المشروع، لا يلغي هذه الأسئلة؛ بل يمنحها وقتاً لتتحول إلى ألغام موقوتة تهدد الوجود الفيزيائي للوطن.”

>

إن العودة إلى أطروحات يوسف محمد علي اليوم في المحافل الفكرية والسياسية العالمية ليست نكوصًا نحو النوستالجيا أو محاكمة أخلاقية لجيل سياسي رحل؛ بل هي مراجعة إبستمولوجية للمسلمات الهيكلية التي قادت إلى هذا التحلل الشامل. لقد مثّل يوسف محمد علي الصوت الذي أدرك أن استقرار الدول لا يتحقق بالشعارات الأيديولوجية الفوقية، بل بالمؤسسات المحايدة والقوانين الجامعة التي تحمي التنوع وتضمن المساواة. وفي هذه المرحلة المأساوية، تبدو قراءة هذا الإرث ضرورة لتفكيك جذور الأزمة، والتذكير بأن تأجيل الأسئلة التأسيسية حول طبيعة السلطة والدستور لا يلغيها، بل يضاعف شحنتها الانفجارية في المستقبل.

.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *