إيهاب مادبو….يكتب

 

لا يحضر السودان في الوعي المصري بوصفه ذاتا سياسية، لها تاريخها الخاص وتعقيدها الاجتماعي ومساراتها المستقلة، بل يحضر بوصفه صورة أُنتجت داخل خيال سياسي وثقافي طويل فالسودان، في المتخيّل المصري، ليس واقعا يكتشف، بل تمثلًا يُعاد إنتاجه باستمرار، حتى غدت الصورة أكثر حضورا من الحقيقة، وأصبح الخيال أكثر تأثيرا من التاريخ.

 

هذا المتخيّل لم يتكون عفوا، بل تشكّل داخل بنية سلطوية بدأت مع القرن التاسع عشر، حين أُدمج السودان في مشروع الدولة الخديوية ضمن سياق استعماري، فترسّخ في المخيال السياسي المصري باعتباره الامتداد الجنوبي للمركز، لا كيانًا يمتلك حق تعريف نفسه بنفسه.

 

ومنذ ذلك الحين، ظل السودان يُقرأ من داخل السردية المصرية، لا من داخل تجربته الخاصة، وكأن وجوده لا يكتمل إلا بوظيفته في الجغرافيا السياسية لمصر.

 

إن أخطر ما يفعله المتخيل الاستعماري المصري أنه لايمارس الهيمنة بالقوة وحدها، بل بإنتاج المعرفة. فهو لايحتل الأرض فقط(حلايب وشلاتين)، وإنما يحتل اللغة التي تُقال بها الأرض، ويعيد تعريف الآخر وفق حاجته هو، لا وفق حقيقة الآخر. ومن هنا، لم يُنظر إلى السودان باعتباره شريكا في التاريخ، بل باعتباره موضوعا للتفسير والإدارة والاحتواء.

 

وفي الوعي الشعبي، يظهر السوداني باعتباره “الآخر المألوف”؛ قريبا بما يكفي لإلغاء اختلافه، ومختلفا بما يكفي لحرمانه من الندية. لذلك جرى اختزاله في صور نمطية متناقضة: الطيب البسيط، أو الهامشي المتأخر او”البواب”، وهي صور تبدو إيجابية أحيانًا، لكنها تشترك جميعًا في نزع الفاعلية التاريخية عنه. فالإنسان لا يُختزل فقط حين يُهان، بل أيضًا حين يُمدح بطريقة تلغي عقله، وتحوله إلى صفة أخلاقية بدل أن يُعترف به كفاعل سياسي وثقافي.

 

أما الإعلام المصري، فلم يكن مجرد ناقل لهذه الصورة، بل أحد أهم مصانعها. فالسودان لا يظهر غالبا إلا حين يتحول إلى أزمة: حرب، نزوح، انهيار، أو ملف يتعلق بالأمن القومي المصري. وحتى حين صنع السودانيون لحظاتهم التاريخية الكبرى، كما في ثورة ديسمبر أو في مقاومة الاستبداد، بقيت إرادتهم السياسية غائبة عن السردية الإعلامية، لتحل محلها رواية الفوضى أو الفراغ أو الحاجة إلى الوصاية.

 

وهكذا يصبح السؤال المركزي دائمًا: ماذا يعني السودان بالنسبة لمصر؟ وليس: ماذا يعني السودان للسودانيين؟ وفي هذا الانزياح يكمن جوهر العلاقة غير المتكافئة؛ إذ يُختزل شعب كامل إلى متغير داخل معادلة تخص الآخر، ويجرّد من حقه في أن يكون مركزا لسرديته الخاصة.

 

وتحت هذا البناء الرمزي، تعمل عنصرية بنيوية ناعمة، لا تحتاج إلى خطاب كراهية صريح كي تؤدي وظيفتها. إنها تتسرب عبر النكات، والدراما، والمناهج، واللغة اليومية، فتجعل لون البشرة علامة ثقافية قبل أن يكون سمة جسدية، وتجعل الجسد السوداني مرئيا أكثر من صوته، حتى يصبح الاعتراف بإنسانيته الكاملة فعلا استثنائيا لا بديهيا.

 

أما على مستوى الدولة، فإن السودان لا يُستحضر إلا بوصفه ملفًا: مياه النيل، الحدود، الأمن، والهجرة. وحين يُختزل وطن كامل إلى مجموعة ملفات، فإن السياسة تتحول إلى إدارة للمصالح لا إلى اعتراف بالآخر. وهنا لا يعود المتخيّل مجرد تصور ثقافي، بل يصبح تقنية من تقنيات السلطة، تُنتج شرعيةً دائمة للتدخل باسم الاستقرار، وللوصاية باسم المصير المشترك.

 

غير أن المتخيّل، مهما بدا صلبًا، ليس قدرا تاريخيا. فقد بدأت شقوقه تظهر مع احتكاك أوسع بالمجتمع السوداني، ومع صعود أجيال أكثر قدرة على مساءلة المركزية المصرية، وظهور أصوات فكرية وثقافية تعيد النظر في العلاقة بين البلدين خارج ثنائية الأب والتابع. لكنها ما تزال محاولات محدودة أمام سردية تراكمت عبر قرن ونصف من إنتاج المعرفة والسلطة.

 

إن تفكيك صورة السودان في المتخيّل المصري ليس مطلبًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة إبستمولوجية وسياسية. فكل علاقة تقوم على صورة زائفة محكوم عليها بإعادة إنتاج سوء الفهم. ولا يمكن بناء مستقبل مشترك ما لم يُعترف أولًا بأن الهيمنة تبدأ من اللغة قبل أن تبدأ من الجغرافيا، وأن المركزية ليست مجرد موقف سياسي، بل طريقة في رؤية العالم.

 

فالندية لا تتحقق بإعلان الأخوّة، وإنما بالاعتراف المتبادل بالاستقلال الرمزي والسياسي. ولا يكفي أن يُسمَع صوت السودانيين، بل يجب أن يُعترف بحقهم في إنتاج المعنى، وفي كتابة تاريخهم خارج القواميس التي صاغها الآخرون لهم.

 

إن تحرير السودان من صورته داخل المتخيّل المصري لا يحرر السودان وحده، بل يحرر الوعي المصري نفسه من إرث المركزية والاستعلاء الرمزي. فالأمم التي تعجز عن رؤية جيرانها كما هم، تنتهي إلى العجز عن رؤية ذاتها كما هي. وما لم يتحرر الخيال من أوهامه، سيظل التاريخ يعيد إنتاج اختلالاته بأسماء جديدة، بينما يبقى العدل مؤجلًا، والحقيقة أسيرة الصورة.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *