عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب

هناك أوطان تموت مرة واحدة حين تحتل وهناك أوطان تموت كل يوم حين يتعود أهلها على الموت والسودان لا يموت برصاصة واحدة ولا بقذيفة واحدة وإنما يموت ببطء شديد حتى صار الموت خبرا عاديا وصارت المأساة عادة يومية وصار البكاء جزءا من تفاصيل الحياة

لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين أطراف تحمل السلاح بل أصبحت آلة هائلة تطحن الإنسان السوداني أينما كان في بيته وفي طريقه وفي مزرعته وفي مدرسته وفي مستشفاه وفي منفاه حتى أصبح السؤال الذي يخشاه كل سوداني ليس متى تنتهي الحرب وإنما هل سيبقى السودان حتى تنتهي الحرب

تخيلوا بعد سنوات طويلة يدخل طفل إلى متحف في بلد بعيد فيقف أمام صورة قديمة لرجل يبتسم بملامح سودانية خالصة ويسأل المرشد هل كان هناك شعب اسمه السودانيون فيجيبه المرشد نعم كانوا شعبا يعرف الكرم ويغني للحياة ويزرع الأرض ويصنع الفرح رغم الفقر لكنهم دخلوا حربا طويلة أكلت أبناءهم وشتتت أهلهم وهدمت مدنهم حتى صار وجودهم ذكرى في كتاب

قد يبدو هذا المشهد خيالا لكنه يصبح أقرب إلى الحقيقة مع كل يوم تستمر فيه هذه الحرب

في السودان اليوم لا يموت الناس وحدهم بل تموت المدن وتموت القرى وتموت الذكريات وتموت البيوت التي كانت تحفظ ضحكات الأطفال وتموت الأشجار التي شهدت أفراح الناس وتموت الأسواق التي كانت تجمع الجميع دون سؤال عن قبيلة أو جهة أو انتماء

يموت الطبيب وهو يحاول إنقاذ مريض ويموت المزارع قبل أن يحصد زرعه ويموت الطالب قبل أن يكمل حلمه وتموت الأم وهي تنتظر عودة ابن خرج ولم يعد ويموت الأب كل يوم وهو يعجز عن إطعام أسرته

ثم يأتي موت آخر أكثر قسوة وهو أن يعتاد الإنسان على كل ذلك فلا يهتز قلبه حين يسمع بخبر مجزرة جديدة ولا يبكي حين يرى طفلا يبحث بين الأنقاض عن بقايا منزله لأن كثرة الألم قد تقتل حتى القدرة على البكاء

أي وطن هذا الذي أصبحت فيه النجاة حلما وأصبح الخبز أمنية وأصبح الدواء رفاهية وأصبح التعليم ترفا وأصبح الأمان قصة يرويها الكبار للصغار

أي ذنب ارتكبه هذا الشعب حتى يدفع هذا الثمن الباهظ؟

وهل كان السودانيون يحتاجون إلى هذه الحرب أصلا؟

وهل خرج طفل واحد يطلبها؟

وهل حلمت بها أم كانت تريد فقط أن ترى أبناءها يكبرون أمام عينيها؟

وهل كان المزارع يريد أكثر من أن يزرع أرضه؟

وهل كان العامل يريد أكثر من راتب يكفي أسرته؟

وهل كان الطالب يريد أكثر من مدرسة آمنة وكتاب وقلم؟

إذا كان الشعب لم يطلب هذه الحرب فمن الذي يصر على استمرارها؟

ومن الذي يستفيد من امتدادها؟

ومن الذي يرى في كل يوم إضافي لها مكسبا يستحق أن يدفع الشعب ثمنه من دمه ومستقبله؟

هذه أسئلة مشروعة يفرضها حجم الكارثة ولا يجوز أن تظل بلا إجابة

فالذي يخسر معروف

 

إنه المواطن البسيط

 

الأم التي فقدت أبناءها

 

الطفل الذي فقد طفولته

 

المزارع الذي فقد أرضه

 

التاجر الذي فقد رزقه

 

المعلم الذي فقد مدرسته

 

الطبيب الذي فقد مستشفاه

 

والوطن الذي فقد أبناءه

 

أما المستفيد الحقيقي من الحروب فهو دائما من لا يدفع ثمنها بنفسه ومن لا ينام تحت القصف ومن لا يقف في صفوف الخبز والماء ومن لا يحمل أطفاله هربا من الرصاص ومن لا يعرف معنى النزوح والجوع والخوف ولهذا فإن السؤال عن المستفيد من الحرب ليس ترفا سياسيا بل سؤال أخلاقي وإنساني وقانوني لأن كل حرب تطول تخلق حولها مصالح تجعل إنهاءها أكثر صعوبة بينما يظل الشعب وحده هو الذي يدفع الفاتورة كاملة

 

لقد صار ملايين السودانيين بين نازح ولاجئ وغريب داخل وطنه وخارجه وصارت مدن كاملة بلا حياة وقرى بلا سكان وبيوت بلا أصحاب وأصبح الوطن كله كأنه يقف أمام مرآة مكسورة لا يرى فيها إلا وجها مثخنا بالجراح

 

حتى الجنيه السوداني لم يعد مجرد عملة فقد أصبح شاهدا على انهيار الاقتصاد وعلى عجز الدولة وعلى اتساع دائرة الفقر واليأس وكلما فقد الجنيه قيمته فقد المواطن جزءا جديدا من كرامة العيش

 

وليس أخطر ما في هذه الحرب عدد القتلى ولا حجم الدمار وإنما أن جيلا كاملا يكبر وهو لا يعرف معنى الوطن إلا بوصفه مكانا للحرب والنزوح والخوف

 

وأي مستقبل ينتظر طفلا لم يعرف المدرسة

 

وأي وطن سيبنيه شاب لم يعرف إلا اللجوء

 

وأي سلام سيصنعه مجتمع فقد ثقته في الغد

 

وليست المأساة أن الحرب قتلت الآلاف فحسب بل إن استمرارها يقتل فكرة السودان نفسها فالأوطان لا تسقط فقط عندما تنهزم جيوشها وإنما عندما تتآكل ثقة الناس في المستقبل وعندما يكبر الأطفال وهم يظنون أن النزوح هو الوطن وأن الخوف هو القانون وأن الموت هو القدر الطبيعي للحياة عندها لا تكون الخسارة في عدد الضحايا وإنما في ضياع أمة كاملة كانت قادرة على الحياة ثم تركت تموت بالتقسيط أمام أعين العالم

 

إن الأمم لا تنقرض فقط حين يفنى سكانها وإنما تنقرض حين تفقد إيمانها بالحياة وحين يصبح الرحيل هو الحلم الوحيد وحين تتحول البلاد إلى مكان يهرب منه الجميع ولا يعود إليه أحد

 

ومع ذلك فإن السودان لم يمت بعد لأن في كل خيمة نازح أما ما زالت تطهو لأطفالها بما تيسر وفي كل مستشفى طبيبا يقاوم بما بقي لديه من أدوات وفي كل قرية مزارعا يحاول أن يزرع رغم الخوف وفي كل قلب سوداني أملا صغيرا يرفض أن ينطفئ

 

لكن هذا الأمل لن يعيش إلى الأبد إذا بقيت الحرب هي اللغة الوحيدة

 

لقد آن الأوان أن يسأل الجميع أنفسهم سؤالا واحدا

 

كم سودانيا يجب أن يموت بعد حتى يقتنع المتحاربون أن هذه الحرب لا رابح فيها

 

وكم مدينة يجب أن تدمر بعد

 

وكم طفل يجب أن يولد في مخيم للنزوح

 

وكم أم يجب أن ترتدي السواد

 

وكم حلم يجب أن يدفن

 

حتى يدرك الجميع أن الوطن لا يعوض وأن الإنسان أغلى من أي مكسب سياسي أو عسكري

 

إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من البنادق وإنما يحتاج إلى حياة

 

يحتاج إلى مدرسة تفتح أبوابها أكثر مما يحتاج إلى مخزن ذخيرة

 

ويحتاج إلى مستشفى أكثر مما يحتاج إلى ساحة قتال

 

ويحتاج إلى حقول خضراء أكثر مما يحتاج إلى متاريس جديدة

 

ويحتاج إلى مصالحة تنقذ الإنسان قبل أن تنقذ السياسة

 

فإذا لم يتوقف هذا النزيف فقد يأتي يوم لا يبقى فيه من يروي للأجيال القادمة كيف كان السودان جميلا وكيف كان شعبه واحدا رغم اختلافاته وكيف ضاع كل ذلك أمام أعين العالم بينما كان الجميع يشاهدون المأساة في صمت

 

حتى لا يأتي يوم يقف فيه السوداني الأخير أمام أنقاض وطنه لا ليبحث عن بيت أو مدرسة أو شجرة بل ليقرأ الفاتحة على وطن مات وهو ما يزال يحمل اسم السودان

 

ولا تجعلوا السوداني الأخير يكتب شهادة وفاة وطن بأكمله ثم يوقعها العالم بالصمت

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

٧/يوليو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *