آدم الحاج أديب..يكتب

 

​شهدت المنطقة الحدودية الممتدة بين السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى تحولاً كبيراً في موازين القوة. لم تعد الحدود مجرد خطوط على الخارطة، بل تحولت إلى ساحة حقيقية لإثبات من يسيطر فعلياً على الأرض في مقابل من يملك فقط الأختام الدبلوماسية. وبينما تتمسك حكومة بورتسودان بوجودها الرسمي في العواصم، تؤكد الحقائق أن من يدير البوابات الحدودية ويؤمنها هو من يملك المفتاح الحقيقي لصياغة مستقبل المنطقة.

​أولاً: خريطة الواقع والتقاطعات الحرجة

​تتميز جمهورية أفريقيا الوسطى، بنظامها السياسي الحالي بقيادة الرئيس فوستان أركانج تواديرا، بحساسية أمنية مفرطة تجاه أي اضطراب يحدث على حدودها الشمالية والشرقية. ولهذا السبب، تعتمد الحكومة في العاصمة “بانغي” بشكل أساسي على شراكات عسكرية قوية مع أطراف دولية وإقليمية (مثل مجموعة فاغنر الروسية والقوات الرواندية) لضمان استقرار أطرافها ومنع تسلل أي حركات متمردة.

​وفي قلب هذا المشهد، تبرز المنطقة الحدودية المشتركة المعروفة بـ “أم دافوق السودانية” و**”أم دافوق في أفريقيا الوسطى”**. هذه المنطقة تمثل تاريخياً شريان الحياة الاقتصادي والتجاري لإقليم “فاكاغا” الشمالي في أفريقيا الوسطى. واليوم، تفرض سلطة “تأسيس” سيطرتها العسكرية والإدارية الكاملة كحكومة أمر واقع على الجانب السوداني من الحدود.

​في المقابل، يظهر تناقض غريب في المشهد الدبلوماسي؛ فرغم أن قوات الجيش السوداني كانت قد انسحبت من حامية أم دافوق ودخلت إلى أراضي أفريقيا الوسطى، إلا أن التمثيل الرسمي والملحقية العسكرية ما زالا تابعين لحكومة بورتسودان عبر القنصلية السودانية في مدينة “بيراو” (عاصمة إقليم فاكاغا). يخلق هذا الوضع فجوة واضحة بين شرعية دبلوماسية معزولة داخل المكاتب، وقوة فعلية على الأرض تدير حركة الحياة اليومية.

​ثانياً: التحالفات الإقليمية ومخاطر الجبهة البديلة

​يتزامن هذا الوضع مع حراك دبلوماسي سعودي مكثف نحو أفريقيا الوسطى، يأتي تحت غطاء الدعم التنموي والاقتصادي، لكنه يحمل في طياته أبعاداً سياسية واستراتيجية واضحة. فالمملكة العربية السعودية، كحليف داعم لحكومة بورتسودان، قد تتقاطع تحركاتها مع مساعي بورتسودان لخنق “تأسيس” دبلوماسياً، أو حتى التمهيد لفتح جبهة استنزاف عسكرية مستقبلاً عبر هذه الحدود الرخوة بالاستفادة من النفوذ المالي والتنسيق مع حكومة بانغي.

​يأتي هذا التحرك الإقليمي بالتزامن مع انفجار أمني خطير على الحدود؛ حيث تجددت تحركات المعارضة المسلحة في أفريقيا الوسطى المعروفة بـ “قوات سيليكا” ضد نظام بانغي. وتتوجس حكومة الرئيس تواديرا من هذه التحركات، خاصة مع اتهاماتها المستمرة لـ “سيليكا” بضم عناصر من أصول سودانية تقاتل في صفوفها. هذا التداخل الأمني المعقد يمنح بورتسودان وحلفاءها فرصة لتصوير سلطة “تأسيس” كمهدد لاستقرار وسط أفريقيا، وبالتالي تحريض بانغي على تبني مواقف عدائية وفتح جبهة عسكرية في المستقبل القريب.

​ثالثاً: خطة العمل العاجلة لفرض الشرعية وتفويت الفرصة

​لكي تفوت سلطة “تأسيس” هذه الفرصة على حلفاء بورتسودان، وتجبر حكومة بانغي على الخروج من حالة التحفظ والاعتراف بها كشريك أساسي، يجب عليها الانتقال فوراً إلى مربع المبادرة عبر خطوات عملية عاجلة:

​تنظيم المعابر والجمارك: تحويل معبر “أم دافوق” من مجرد نقطة تفتيش عسكرية إلى منفذ رسمي منظم. من خلال بناء إدارة مدنية كفوءة تشرف على حركة البضائع والأفراد وتصدر وثائق عبور آمنة، سيجد المسؤولون في أفريقيا الوسطى أنهم مضطرون للتعامل اليومي والمباشر مع هذه المؤسسات الناشئة.

​بناء حزام أمني مشترك لضرب “سيليكا”: قطع الطريق على اتهامات بانغي من خلال إبداء الجدية الصارمة في محاصرة ومنع أي عناصر من “قوات سيليكا” من استغلال الأراضي السودانية، وتأمين “المثلث الحدودي المشترك”. تقديم هذا “الصك الأمني” يثبت لبانغي عملياً أن أمنها القومي يمر عبر التنسيق مع “تأسيس” المسيطرة على الأرض، وليس عبر وعود بورتسودان البعيدة، مما يبطل مفعول أي تحريض إقليمي.

​إدارة الملف الإنساني بمسؤولية: إنشاء معسكرات ومراكز إيواء نموذجية ومستقرة للاجئين السودانيين داخل الحدود السودانية الواقعة تحت سيطرة تأسيس، وتسهيل عمل المنظمات الدولية فيها. هذا الإجراء سيرفع عبء اللجوء الثقيل عن كاهل اقتصاد أفريقيا الوسطى الضعيف، ويمنح “تأسيس” شهادة أهليّة أمام المجتمع الدولي كحكومة مسؤولة تلبي احتياجات مواطنيها.

​رابعاً: تجاوز أزمة الشك وصناعة المصالح المشتركة

​تتخوف حكومة أفريقيا الوسطى تاريخياً من عدم استقرار التحالفات على حدودها. ولتجاوز أزمة الثقة الحالية، يتعين على سلطة “تأسيس” اتخاذ مسارين ذكيين:

​التنسيق مع الشركاء الميدانيين (رواندا وفاغنر): بما أن الأمن الميداني في أفريقيا الوسطى تحميه القوات الروسية والرواندية، فإن فتح قنوات تواصل وتفاهمات أمنية صامتة ومباشرة مع هذه القوات على خط الحدود هو أقصر طريق لإرسال رسائل طمأنة إلى الرئاسة في بانغي بأن “تأسيس” هي شريك يدعم الاستقرار ولا يشكل أي تهديد، وهي الأقدر على ضبط منفذ أم دافوق.

​تنشيط حركة التجارة والأمن الغذائي: إن ضمان انسياب السلع الأساسية والمواد التموينية والمحروقات بأسعار مناسبة من العمق السوداني إلى الولايات الشمالية في أفريقيا الوسطى يمثل كاسراً حقيقياً للجمود الدبلوماسي؛ فالمصالح الاقتصادية للمواطنين هي دائماً المحرك الأول للقرارات السياسية، وبها يسقط خيار الحروب بالوكالة.

​خلاصة القول:

إن التربع الدبلوماسي لحكومة بورتسودان في عاصمة أفريقيا الوسطى هو وجود شكلي تفككه حقائق الجغرافيا يوماً بعد يوم. ومن خلال تقديم نموذج إداري ومؤسسي منضبط على الحدود، وقطع الطريق أمام استغلال ملف “سيليكا”، وتحويل نفوذ الأمر الواقع إلى مظلة أمنية واقتصادية تحمي الجوار، ستجد حكومة بانغي نفسها مدفوعة، بلغة المصالح المشتركة، لتجاوز البروتوكولات القديمة ومقاومة الضغوط الإقليمية، وبدء التعامل الرسمي مع سلطة “التأسيس” باعتبارها الضامن الحقيقي والوحيد للأمن والاستقرار على أرض الواقع.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *