إيهاب مادبو….يكتب

 

كتب الصديق المشاغب حاتم الياس مقالا حاول فيه تفسير موقفي من مصر باعتباره انعكاسا ظرفيا لنتيجة مباراة كرة قدم، أو امتدادا لما سماه الإرث المهدوي. غير أن هذا التفسير، في تقديري، يختزل قضية معقدة في صورة مبسطة لا تصمد أمام الوقائع.

 

موقفي ياحاتم من مصر لم يتشكل في تسعين دقيقة داخل ملعب، ولن يتغير بفوز منتخب أو خسارته. فهو نتاج تراكمات تاريخية وسياسية وثقافية امتدت لعقود، تشكلت من خلالها قناعتي بطبيعة العلاقة بين البلدين، لا من خلال نتائج مباريات كرة القدم.

 

أما عن تشجيعي للأرجنتين، فهذه قصة أخرى، أنا أشجع الأرجنتين منذ سنوات طويلة، ولو لعبت الأرجنتين أمام فريق حي “كليمو” العريق في مدينة كادوقلي، ذلك الحي الذي أنجب عمالقة أثروا الملاعب السودانية وارتدى أبناؤه قمصان الهلال والمريخ، فسأظل أشجع الأرجنتين، لذلك فإن محاولة ربط موقفي السياسي بتشجيع منتخب كرة قدم ليست سوى قراءة متعجلة لاتلامس جوهر الموضوع.

 

جوهر القضية يكمن في طبيعة العلاقة بين السودان ومصر، وفي ملفات لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة السودانية، من اتفاقيات مياه النيل “الظالمة”، إلى تهجير وإغراق وادي حلفا بسبب السد العالي، مرورا بإحتلال (شلاتين وحلايب وابورماد) ، وهذه ليست تفاصيل هامشية، بل قضايا سيادة وهوية وحقوق وطنية لا يمكن تجاوزها بالشعارات.

 

“جيب أضانك قريب”،هناك ياحاتم صورة نمطية ترسخت عبر سنوات في قطاعات من الإعلام والثقافة المصرية تجاه “الزول” السوداني، صورة كثيرا ما اتسمت بالاستخفاف أو التعالي أو السخرية، والحديث عن هذه الظاهرة ليس ادعاء ولا عقدة نفسية، وإنما توصيف لتجارب عاشها آلاف السودانيين، وأصبحت جزءا من نقاش عام يصعب إنكاره.

 

وفي المقابل، فإن انتقادي لسياسات مصر لا يعني عداء للشعب المصري، هذه مسألة أحرص دائما على التمييز بينها فالشعوب لا تختزل في حكوماتها، واحترام الشعب المصري لا يمنع من انتقاد سياسات الحكومة حين تمس المصالح السودانية أو تتعارض مع مبادئ السيادة والندية.

 

أما إرجاع كل موقف سوداني ناقد لمصر إلى المهدية، فهو تبسيط مخل للتاريخ. فالعلاقات بين الدول لاتبنى على تصفية الحسابات التاريخية، وإنما على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والاعتراف الكامل بسيادة كل دولة على أرضها وقرارها.

 

وعندما يشعر السوداني بأن سيادة بلاده تحترم، وأن قضاياه الوطنية تعامل بالجدية نفسها التي يطالب بها الآخرون لقضاياهم، فإن كثيرا من مشاعر الاحتقان ستتراجع تلقائيا أما مطالبة السوداني بتجاهل هذه الملفات، أو إثبات حسن نواياه عبر تشجيع منتخب كرة قدم، فهي محاولة للهروب من أصل المشكلة، لا لمعالجتها.

 

لهذا فإن الخلاف الحقيقي ليس حول كرة القدم، ولا حول تشجيع مصر أو الأرجنتين، وإنما حول شكل العلاقة التي ينبغي أن تجمع السودان ومصر: علاقة ندية بين دولتين مستقلتين، تقوم على الاحترام المتبادل، لا على مطالبة أحد الطرفين بنسيان تاريخه، أو التنازل عن حقه في قراءة ذلك التاريخ من منظوره الوطني.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *