م. عبدالملك زكريا علي …يكتب تراجع الإدارة الأهلية وتغييب الدور التقليدي في معالجات الأزمة الوطنية: يمر السودان بأسوأ كارثة إنسانية وعسكرية في تاريخه الحديث إثر الصراع المسلح الذي اندلع في الخامس عشر من أبريل 2023م بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع ولم يقتصر تأثير هذا النزاع على انهيار الخدمات وتوقف المؤسسات الحكومية بل امتد ليعصف بالبنى الاجتماعية التقليدية التي شكلت صمام أمان تاريخي للمجتمع السوداني وفي قلب هذه البنى المتآكلة تبرز مؤسسة الإدارة الأهلية التي تجد نفسها اليوم عاجزة ومغيبة عن ممارسة دورها المعهود في فض النزاعات ورتق النسيج الاجتماعي والوساطة الإنسانية .. إن قراءة المشهد الراهن تتطلب تفكيكاً عميقاً لمسارات هذه المؤسسة عبر الحقب التاريخية والتشريعية واستقصاء أسباب تجريف فاعليتها وبحث مآلاتها بين دعوات الإصلاح الهيكلي وفرضيات الأفول المدني . #- ثنائية الموروث التاريخي وهندسة الاستعمار: مسارات تطور الإدارة الأهلية .. لم تكن الإدارة الأهلية في السودان صنيعة استعمارية طارئة نشأت من عدم بل تضرب جذورها في عمق التاريخ الاجتماعي والسياسي للمنطقة قبل قيام الدولة الحديثة فقد مارست القبائل والعشائر في عهود الممالك والسلطنات السودانية القديمة – مثل سلطنة الفونج (السلطنة الزرقاء) وسلطنة دارفور ومشيخات تقلي والمسبعات – أنماطاً من الحكم الذاتي وضبط الأمن عبر الأعراف التقليدية وحل الخصومات بنظام الجودية وقد مرت هذه المؤسسة بخمس مراحل أساسية شكلت بنيتها الراهنة: المرحلة الأولى ما قبل عام 1922م والمرحلة الثانية بين عامي 1922 و1937م والمرحلة الثالثة من عام 1937 إلى 1969م ثم المرحلة الرابعة بين عامي 1969 و1989م وصولاً إلى المرحلة الخامسة والراهنة . خلال حقبة الحكم التركي (1821-1885م) حظيت الزعامات التقليدية برعاية رسمية بهدف الاستعانة بها في حفظ الأمن بالأقاليم الشاسعة والنائية وتحصيل الضرائب والجبايات لصالح الخزينة المركزية. ثم جاءت حقبة الحكم (الثنائي) الإنجليزي المصري (1899-1956) لتعيد صياغة الإدارة الأهلية في البادية والمناطق النائية وفق فلسفة الحكم غير المباشر واكتشف المستعمر البريطاني أن اتساع السودان يفرض عليه الاستعانة بالقادة المحليين الذين تتوفر لهم الطاعة والقبول الاجتماعي فأشركهم في الهيكل الإداري بموجب قوانين متتالية من بينها قانون عام 1922م واستغلت الإدارة الاستعمارية هذا النظام لتقليل تكلفة إدارة الدولة وزيادة الإيرادات عبر تكليف النظار والعمد والمشايخ بجمع الجبايات وفض النزاعات وتوفير العمالة الرخيصة كما طبقت الإدارة البريطانية قانون المناطق المقفولة لعزل جنوب البلاد ووظفت النظام الأهلي كأداة لإذكاء القبلية كحائط صد ثقافي وسياسي يعيق نمو الحركة الوطنية وتطلع النخب المتعلمة نحو الاستقلال ومع اقتراب فجر الاستقلال برز دور وطني لزعماء الإدارة الأهلية تجاوز النطاق القبلي إذ يسجل التاريخ الاجتماعي للسودان أن ابن ناظارة عموم قبيلة البني هلبة ونائب دائرة البقارة غرب بدارفور عبد الرحمن دبكة هو من تقدم بالاقتراح التاريخي لإعلان الاستقلال من داخل البرلمان وكانت تثنية الاقتراح بواسطة الشيخ مشاور جمعة سهل نائب دائرة دارحامد بكردفان مما عكس اندماج هذه القيادات في تشكيل هوية الدولة الجديدة غير أن مرحلة ما بعد الاستقلال شهدت تراجعاً تدريجياً لزعماء القبائل التقليديين ورغم احتفاظ الحكومات الوطنية بامتيازاتهم الاقتصادية والاجتماعية إلا أنها عمدت إلى استبعادهم سياسياً خشية إعاقتهم للوعي القومي والاندماج الوطني وتوزعت ولاءات المكونات الأهلية بين الحزبين التقليديين التاريخيين طائفة الأنصار التي شكلت الحاضنة لحزب الأمة وطائفة الختمية التي أسست الحزب الوطني الاتحادي والاتحادي الديمقراطي فيما بعد . وشهدت الإدارة الأهلية تطور تاريخي ومراحل تشريعية هامة تمثلت في: ١-ما قبل 1922م (العهود القديمة والتركي والمهدي) الأعراف السائدة ونظام الحواكير والمراسيم السلطانية التركية وحفظ الأمن الإقليمي وجباية الضرائب السنوية وتعبئة المقاتلين للدفاع أو الجهاد .. حيث ترسيخ البنية العشائرية والولاء المباشر للحاكم المركزي أو السلطان . ٢- الحكم الثنائي (1922 – 1937م) قانون الإدارة الأهلية لعام 1922م وقانون المناطق المقفولة حيث السيطرة الإدارية منخفضة التكلفة وفض النزاعات وتوفير العمالة الاستعمارية ومأسسة القبلية كأداة لضرب الحركات القومية والوطنية الصاعدة . ٣- الحكم الوطني وبداية التفكيك (1937 – 1969م) تشريعات الإدارة الأهلية لعام 1937م وقانون 1942م ولجنة أبو رنات لعام 1959م إدارة المحاكم الأهلية الإقليمية وتقليص جزئي للصلاحيات الإدارية والقضائية والنفوذ الإداري والسياسي للزعامات التقليدية مع استمرار تغلغلها الطائفي . ٤- حقبة مايو والتعطيل الكلي (1969 – 1989م) قانون الأراضي غير المسجلة لعام 1970م وقانون الحكم الشعبي المحلي لعام 1971م وإلغاء المحاكم الأهلية وسحب سلطات الأرض من النظار وتجميد النظام العرفي وحدوث فراغ إداري وقضائي ريفي واسع النطاق وتفجر صراعات الموارد . ٥- عهد التمكين والتسييس (ما بعد 1989م) المراسيم الولائية والقوانين المعدلة للإدارة الأهلية ودعم المجهود الحربي والتعبئة السياسية للمؤتمر الوطني وإدارة المعسكرات وتفتيت القبائل وتعميق الانقسام المجتمعي بفعل تعيين إدارات موازية . #-سياسات التقويض والتفكيك: الحكومات الوطنية ومواجهة السلطة التقليدية.. عاش نظام الإدارة الأهلية حالة مستمرة من التضعضع وتناقص النفوذ تدريجياً عقب نيل السودان استقلاله عام 1956م حيث نظرت الصفوة المثقفة في المدن والبيئات الحضرية إلى هذا النظام بوصفه إرثاً استعمارياً متخلفاً تجاوزته حركة الزمن . #- لجنة أبو رنات لعام 1959م وتقليص الصلاحيات .. شهدت فترة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة الفريق إبراهيم عبود (1958-1964م) أولى المحاولات الرسمية والممنهجة لتقليص نفوذ الإدارة الأهلية وتفتيت قيادتها الإدارية ففي عام 1959 تم تشكيل لجنة متخصصة برئاسة رئيس القضاء آنذاك القاضي محمد أحمد أبو رنات بهدف تنظيم العلاقة الهيكلية بين المركز والأطراف وأصدرت لجنة أبو رنات قانوناً جديداً سحب العديد من الصلاحيات التاريخية للإدارة الأهلية ووزع سلطاتها على مؤسسات المركز حيث أخضعت مهمة القضاء والإشراف على المحاكم الأهلية لقضاة مهنيين قادمين من الحضر وأُسندت مسؤولية الأمن الداخلي للشرطة الوطنية وحُولت جباية الضرائب والزكاة إلى موظفي الخدمة المدنية التابعين للمركز ورغم الإطاحة بنظام عبود عقب ثورة أكتوبر 1964م واصلت النخب السياسية الحضرية ضغوطها لتصفية الإدارة الأهلية وهو ما حظي بقبول جزئي في بعض أقاليم السودان كمديرية الخرطوم والجزيرة والشمالية ونهر النيل والنيل الأبيض . #- حقبة نظام مايو وتدمير البنية المادية حيث اتخذ نظام مايو (1969-1985م) بقيادة جعفر نميري موقفاً أيديولوجياً راديكالياً معادياً للإدارة الأهلية ووصفها الرائد أبو القاسم محمد إبراهيم أحد أركان النظام بأنها امتداد طبيعي للتربية الاستعمارية وطريقة متخلفة في الحكم فات أوانها وتوج النظام هذا التوجه بإصدار قانون الحكم الشعبي المحلي لعام 1971م الذي ألغى رسمياً الإدارات الأهلية وقضى على سيطرة النظار والعمد والمقاديم على الشؤون المحلية وترافق هذا القانون مع إصدار قانون الأراضي غير المسجلة لسنة 1970م الذي نقل ملكية كافة الأراضي غير المسجلة في السودان إلى الدولة وصادر نظام الحواكير التاريخي الذي كان يمثل الركيزة المادية والمالية والاجتماعية التي يستند إليها رجالات الإدارة الأهلية لضبط حركة السكان وإدارة النزاعات حول الموارد الطبيعية في أقاليم مثل دارفور وكردفان … أدى هذا الإلغاء العنيف والمفاجئ إلى تداعيات كارثية حيث نشأ فراغ قضائي وإداري وأمني واسع في المناطق الريفية عجزت المؤسسات الحديثة البديلة عن ملئه لعدم توفر الموارد والقبول الشعبي ودفع هذا الفراغ المتعاظم وتزايد وتيرة الصراعات المحلية بالنميري في سنوات حكمه الأخيرة إلى محاولة استعادة الإدارة الأهلية تدريجياً وعقب سقوط نظام مايو قدمت حكومة الديمقراطية الثالثة برئاسة الصادق المهدي مشروعاً متكاملاً لإعادة الإدارة الأهلية لضمان الاستقرار الإقليمي والولاء الانتخابي والسياسي إلا أن الانقلاب العسكري للجبهة الإسلامية القومية عام 1989 حال دون استكمال مأسسة هذا المشروع . #- هندسة التمكين والتسييس الممنهج في عهد نظام الإنقاذ: شهد عهد نظام الإنقاذ (1989-2019م) تحولاً نوعياً في طبيعة التعامل مع الإدارة الأهلية حيث تخلت الدولة عن فكرة إلغاء النظام التقليدي وبدأت في تبني استراتيجية إعادة تنشيطه واستخدامه كآلية لتثبيت أركان حكم حزب المؤتمر الوطني وتوسيع قاعدته الشعبية وتأثيره السياسي في الريف وصناعة الإدارات الموازية وتفكيك الولاء التاريخي لتحقيق السيطرة الكاملة على القبائل وانتهج النظام سياسة فرق تسد عبر تفتيت الكيانات القبلية التاريخية الكبرى واستحداث سلطنات وإمارات وشرتايات ومكوكيات ونظارات موازية وغير تاريخية وتعيين موالين للنظام الحاكم على رأسها .. وتسبب هذا الاستحداث المصطنع للمناصب القبلية في خلق منافسات حادة داخل القبائل وفيما بينها وغذّى نيران الاقتتال الأهلي في عدة مدن مثل كسلا والجنينة والدمازين . وتحولت الوظيفة التقليدية للإدارة الأهلية من صيانة السلم الاجتماعي إلى وظائف حكومية يمنحها النظام للموالين ويحجبها عن المعارضين . #- التجييش العقائدي والسيطرة على معسكرات النازحين حيث سعى النظام إلى إدماج رجالات الإدارة الأهلية في مشروعه العقائدي حيث تم تدريب العديد من مسؤولي الإدارات الأهلية في معسكرات خاصة لتوجيههم للعمل كمبشرين لنشر الأيديولوجية الإسلامية السياسية للنظام ودعم المجهود الحربي وتعبئة الشباب للقتال في الحروب الأهلية وعقب تفجر الصراع في دارفور عام 2003 ونشوء معسكرات النزوح الضخمة عمدت السلطات الحكومية إلى استحداث تسلسل هرمي جديد للإدارة الأهلية داخل مخيمات الفارين من الحرب وكان الهدف من تعيين هؤلاء الشيوخ الجدد هو بسط سيطرة الدولة الأمنية على المجموعات النازحة المناهضة لها ومراقبة تدفقات العون الإنساني وحشد قاطني المعسكرات للمشاركة في الفعاليات والتجمعات المؤيدة للحكومة … ونتيجة لعجز القيادات الأهلية عن مقاومة هذا التسييس العنيف والضغوط السلطوية فقدت هذه المؤسسة مصداقيتها وحيادها التاريخي لدى قطاعات واسعة من السودانيين وانعكس هذا الاحتقان بوضوح عقب ثورة ديسمبر (2018-2019م) إذ شهدت فترات الحراك الثوري توتراً متصاعداً بين قيادات الإدارة الأهلية ولجان المقاومة والمجموعات الشبابية والنسوية وقام قاطنوا بعض مخيمات النزوح بمحاسبة وعزل الشيوخ المحليين الذين اعتبروهم أدوات فاسدة للنظام السابق وفرضوا آليات ومستويات جديدة للمساءلة والشفافية تبتعد عن التراتبية التقليدية الموروثة . #-حرب أبريل 2023م وتعميق الشروخ الاجتماعية والقبلية: مع اندلاع القتال المسلح بين الجيش وقوات الدعم السريع انزلق السودان نحو أكبر أزمة نزوح داخلي ولجؤ وازمة إنسانية في العالم ولم تكن تداعيات هذه الحرب عسكرية واقتصادية فحسب بل مثلت صدمة وجودية للنظام الأهلي والقبلي برمته . #- الجغرافيا العسكرية والاستقطاب المجتمعي تسببت الحرب في انهيار حاد للاقتصاد السوداني حيث تشير تقارير البنك الدولي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 29.4% وتراجع إضافي بنحو 13.5% للعام 2024م مع استمرار الانكماش بوتيرة عالية وترافق هذا الانهيار المالي مع استقطاب عسكري قبلي حاد فرضته الجغرافيا الميدانية للصراع … حيث نجحت قوات الدعم السريع في بناء غلبة عددية كبيرة من خلال استراتيجية التعبئة والتجنيد الواسع وسط الحواضن الاجتماعية والجهوية في غرب السودان مستفيدة من استهدافها وتواصلها مع قيادات الإدارات الأهلية ما قبل الحرب وفي المقابل احتفظ الجيش بسيطرته على ولايات شرق السودان الثلاث (القضارف ، كسلا ، البحر الأحمر) وولايتي نهر النيل والشمالية وفيما يلي نوضح التوزيع الجغرافي للاستقطاب والتحالفات القبلية الراهنة وتأثيرها على المجتمعات المحلية: ولايات شرق السودان سيطرة وانقسام أهلي بين مؤيد ومعارض للجيش والشمالية ونهر النيل سيطرت الجيش ودعم معلن له ولأجهزة الدولة واستقرار نسبي للمدنيين نزوح متواصل اليها من المواطنين واستمرار السيطرة العسكرية والامنية .. إقليم دارفور (شرق ، وسط ، جنوب ، غرب وشمال) سيطرة كاملة لقوات تحالف تاسيس ودعم اغلب القيادات القبلية لها ويجري العمل علي ترميم النظام العرفي الاهلي اما إقليم كردفان ولاياته الثلاث حيث سيطرة كاملة لغرب كردفان ومنطقة سيطرة مشتركة ومناطق اشتباك ساخنة لشمال جنوب الإقليم وسيطرة جوية لقوات تحالف تأسيس كذلك ودعم مباشر من اغلب الإدارات الأهلية بالاقليم اما الاقليم الاوسط والنيل الأزرق فهناك سيطرة ميدانية لقوات تحالف تأسيس وخاصة النيل الأزرق مع انقسام وتوزع ولاءات الإدارة الأهلية بين قوات تحالف تأسيس والجيش . #-تفكيك أسباب تغييب الدور المشهود للإدارة الأهلية في معالجة الأزمة: يطرح الفاعلون الدوليون والوطنيون سؤالاً محورياً حول سبب غياب وغياب الدور المعهود والمشهود للإدارة الأهلية في التوسط لوقف إطلاق النار أو فتح الممرات الإنسانية على غرار دورها التاريخي في حلحلة النزاعات الإقليمية إن تفكيك هذا الغياب يكشف عن شلل بنيوي أحدثته صدمة الحرب وتراكمات التسييس عبر ثلاثة مستويات أساسية: أولاً: تآكل استقلالية الإدارة الأهلية وفقدان الحياد حيث يعتمد نجاح أي وساطة أهلية في العرف السوداني المرتبط بنظام الجودية والمحاكم العرفية على تمتع الوسيط بالحياد الأخلاقي والاستقلال الكامل عن أطراف الصراع غير أن استراتيجيات التحشيد القبلي والاصطفاف العسكري التي صاحبت حرب أبريل 2023م جرّدت الإدارة الأهلية من هذا السلاح المعنوي فمع لجوء الجيش وقوات الدعم السريع إلى استقطاب شيوخ ونظار القبائل انقسم زعماء القبائل إلى معسكرين متحاربين هذا الانقسام الرأسي أفقد الإدارة الأهلية صفتها كوسيط محايد وحوّلها في نظر المجتمع والفرقاء إلى طرف فاعل في النزاع السياسي والعسكري . ثانياً: استهداف حماة السلام وتصفية الرموز الحكيمة: تدرك الأطراف المتحاربة والكيانات المسلحة المنخرطة في الصراع أن نفوذ الإدارة الأهلية يمثل صمام الأمان الحقيقي لتماسك المجتمعات الريفية ومنع تمدد العصبية القبلية والثأر ولذلك تعرض زعماء الإدارة الأهلية لعمليات استهداف واغتيال معنوي ممنهج فاستهداف هؤلاء الأمناء لحفظ السلم لم يكن عشوائياً بل جاء لكسر إرادة المجتمعات المحلية وإسقاط الحكمة التي تطفئ نيران الفتن وضمان غياب أي بديل أهلي محلي قادر على صياغة مواقف مستقلة تعيق الرغبة في الحسم العسكري الكامل . ثالثاً: تعقد النزاع وتداخل أبعاده الإقليمية والجيوسياسية .. والمعروف تأسست أدوات الإدارة الأهلية من المحاكم الشعبية والعرف لحل النزاعات الريفية التقليدية حول الموارد الطبيعية كالأرض وحقوق الرعي والزراعة وغيرها من الجرائم البينية غير أن الحرب الحالية في السودان تعد نزاعاً سياسياً وعسكرياً معقداً ومرتبطاً بانهيار شامل لمؤسسات الدولة وتداخل النزاع مع صراعات دول الجوار وتدفق السلاح والتمويل الخارجي عابراً للحدود الوطنية وتجاوز هذه القضايا المعاصرة مثل النزوح المليوني والعدالة الانتقالية وإعادة الإعمار والتحول المدني تجاوزت كل هذه قدرات وحدود الأعراف والتقاليد المحلية وبات حلها يتطلب وجود مؤسسات قانونية وإدارية ودبلوماسية حديثة لا تمتلكها القيادات التقليدية علي الرقم من صعود قيادات شابة وبمؤهلات علمية عالية لمستويات الإدارة الأهلية المختلفة . #-مبادرات التسوية وقراءة وثائق وقف إطلاق النار .. رغم التراجع الهيكلي لدور الإدارة الأهلية إلا أن رجالاتها بادروا للمشاركة في جهود صياغة وثائق ومقترحات التسوية السياسية لوقف الحرب مستعينين بوزنهم الاجتماعي لحث الأطراف على التوقيع والالتزام بالاتفاقيات الإنسانية وتجنيب مواقع ومدن ( الابيض والدلنج في بدايات الحرب) ويلات الحرب فتجد دائما الاستجابة من طرف قوات الدعم والمراوغة والتمنع من طرف الجيش .. (مبادرات الإدارة الاهلية للحوازمة بقيادة الناظر الهادي محمد حماد اسوسة) . #- موقع الإدارة الأهلية في مسودات وقف إطلاق النار: شهدت الأوساط السياسية في 2024م تداول وثيقة مقترحة لاتفاق هدنة شاملة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع لمدة 60 يوماً بتسهيل ورعاية من مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وجمهورية مصر العربية والولايات المتحدة الأمريكية تضمنت هذه الوثيقة ديباجة وأحكاماً تفصيلية تؤسس لمرحلة انتقالية جديدة وبناء قطاع أمني وعسكري موحد حيث يُظهر تحليل بنود هذه الوثيقة وجود دور محوري مرتقب للكيانات التقليدية والدينية حيث نصت المادة الخاصة بتأسيس الهياكل الانتقالية للعملية السياسية على إشراك الإدارات الأهلية وقادة المكونات المجتمعية التقليدية والطرق الصوفية ورجال الدين كفاعلين رئيسيين لتأمين السلم المجتمعي وجاء هذا الإدراج انطلاقاً من إدراك الوسطاء الدوليين أن غياب المدنيين والمجتمع الأهلي عن مراقبة وتنفيذ اتفاقيات وقف إطلاق النار يسهم مباشرة في خرقها وتبخر مضامنيها ونصت مسودة الاتفاق كذلك على التزام الطرفين بالعدالة الانتقالية الشاملة والمحاسبة وجبر الضرر وتوجيه اعتذار رسمي من قيادة الجيش والدعم السريع للشعب السوداني عن كافة الانتهاكات المرتكبة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل . #- مآلات الإدارة الأهلية: جدلية البقاء والإصلاح أم الأفول المدني .. يقف السودان اليوم أمام جدل فكري ومصيري عميق حول طبيعة وشكل النظام الأهلي القادم وموقعه في هندسة الدولة الجديدة عقب توقف البنادق وتتصارع في هذا الصدد مقاربتان متناقضتان تعبر كل منهما عن رؤية مختلفة للواقع والحل: #- مقاربة إعادة المأسسة والتعزيز الهيكلي .. يرى أنصار هذه المقاربة بمن فيهم الباحثون الاجتماعيون وبعض النخب الريفية والزعماء التقليديون أن الإدارة الأهلية تظل ضرورة قصوى للحفاظ على تماسك المجتمعات المحلية والحد من النزاعات العرقية ويجادل هؤلاء بأن غياب سلطة الدولة والشرطة في أصقاع البلاد الشاسعة يفرض الاعتماد على مؤسسة تمتلك رصيداً تاريخياً من الاحترام والقبول المجتمعي وقدرة مجربة على حل الخصومات بطرق محلية ملائمة .. وتوصي هذه الرؤية بضرورة إجراء إصلاحات هيكلية تعيد صياغة القوانين المنظمة لتعيين رجالات الإدارة الأهلية وتطهير المؤسسة من القيادات المسيسة أو الصنيعة التي فرضتها النظم الاستبدادية السابقة وتفعيل حيادها المطلق لتمكين الجميع من العيش الكريم مع تفعيل برامج التدريب والتأهيل لقادة الإدارة الأهلية لحمل الأمانة بوعي قانوني وإداري حديث ينسجم مع معايير حقوق الإنسان والمواطنة . #- مقاربة الأفول وبناء الشرعية المدنية الجديدة في المقابل تدعو أصوات شبابية ونسوية ومنظمات قاعدية وحركات مسلحة إلى ضرورة إنهاء زمن السلاطين والإدارات الأهلية بوصفها مرجعية عليا للحكم وإدارة المجتمع ويرى أصحاب هذه الرؤية أن القبلية والمقاربات التقليدية في السياسة تسبب الانقسام بطبيعتها وتزيد من حدة المنافسة القبلية على الموارد والسلطة وتعوق بناء الوحدة الوطنية الشاملة.. وتتأسس الرؤية البديلة لديهم على صياغة عقد اجتماعي جديد يربط الفرد بالدولة مباشرة بوصفه مواطناً متساوياً لا تابعاً لكيان قبلي أو حاكورة أو سلالة موروثة وتطرح هذه المقاربة ملامح للشرعية المدنية الجديدة ترتكز على مبادئ الكفاءة والتمثيل الديمقراطي عبر مجالس محلية منتخبة والمساءلة وإخضاع جميع الفاعلين بمن فيهم الرموز القبلية لمنظومة قانونية ودستورية موحدة وقضاء رسمي مهني ولا تعادي هذه الرؤية التقاليد والموروث الاجتماعي للقبائل بل تضعها في مكانها الطبيعي كمصدر للدعم الاجتماعي والثقافي المتبادل وليس كبديل عن الدولة ومؤسساتها الحديثة . إن العبور بالسودان نحو الاستقرار وبناء دولة ما بعد الحرب يتطلب شجاعة فكرية وسياسية وإرادة لها القدرة علي هندسة واقع حديث متجدد للإدارة الأهلية له القدرة علي إدارة مجتمع وطني معقد ومتطلع للعدالة الشاملة لتثبيت السلم الإقليمي والتنمية المتوازنة وسيادة حكم القانون . اوقفو الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . اوقفوا الحرب وعودوا للثكنات .. لا للحرب . شارك تصفّح المقالات أما حكاية ! حاتم الياس.. “جيب أضانك قريب” كرة القدم وظلال السياسة .. مباراة مصر والارجنتين