آدم الحاج أدي…يكتب لم يكن المجتمع الدولي يوماً جمعية خيرية تبحث عن الحقوق المجرّدة أو العدالة التاريخية، بل هو نادٍ واقعي بامتياز، لا يعترف إلا بمن يفرض سيطرته المادية والكاملة على الأرض، ولا يمنح صكوك الشرعية إلا للأقوياء. إن ذاكرة التاريخ القريب لا تزال حية وشاهدة على هذه القاعدة الحديدية؛ فانظروا كيف انتزع الرئيس عبد الفتاح السيسي شرعية نظام الحكم في مصر رغم العواصف الدولية والرفض الخارجي الأولي، وكيف استطاع أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) في سوريا أن يجبر العالم والإقليم على التعامل معه والاعتراف بسلطته كأمر واقع لا يمكن تعمده أو تجاوزه بمجرد إعادة تموضعه براغماتياً وبسط نفوذه العسكري المطلق على الأرض. بين واقعية القاهرة وبراغماتية إدلب، تتجلى حقيقة واحدة: العالم نادٍ للأقوياء، والسيادة تصنعها فوهات البنادق لا طاولات المساومات. واليوم، يقف “التحالف التأسيسي” أمام نفس المحك التاريخي، لكنه يواجه مفارقة عجيبة؛ فبينما تحرز قواته انتصارات متواصلة على جبهات القتال، يعود زمام المبادرة العسكرية للتراجع فجأة أمام سياط الضغوط الدولية والأجندات السياسية التي تُهندس خلف الكواليس. إن الخطي المتسارعة لمسار الدبلوماسية التي تقودها حكومة بورتسودان إقليمياً ودولياً، مستندة إلى حراك عسكري ودبلوماسي نشط من قوى إقليمية وازنة لاسيما السعودية ومصر، تضع قوات تأسيس في موقف الحصار السياسي. والمأساة الأكبر هنا، هي غياب أي تحرك سياسي أو دبلوماسي موازٍ من قِبل حكومة تأسيس يقابل هذا التمدد، متناسين القاعدة الأزلية في علم السياسة: أي فراغ عسكري أو سياسي أو دبلوماسي تتركه، ستستغله حكومة بورتسودان على الفور لشرعنة وجودها وخنق مشروعكم في مهده. الميدان المُربك: تساؤلات مشروعة أم تراجع مدفوع الثمن؟ إن هذا الغياب الدبلوماسي والتراجع الميداني المفاجئ يثير في الشارع السياسي والعسكري تساؤلات حارقة ومشروعة لا يمكن القفز فوقها: لماذا لا يتم تحرير الأبيض حتى الآن؟ على الرغم من أن السيطرة عليها تُعد مفتاحاً إستراتيجياً لقلب موازين القوى بالكامل. ولماذا تراجعت العمليات في محور النيل الأزرق؟ لاسيما بعد الصدمة العسكرية المتمثلة في سقوط مدينة “الكرمك” الإستراتيجية. إن هذه التراجعات وعلامات الاستفهام الكبرى في مسار المعارك لا يمكن تفسيرها بـ “العجز العسكري”، بل إن المؤشرات والقرائن تؤكد أن لها علاقة وثيقة بهندسة نقاط التفاوض، ومحاولة إرضاء المحاور الإقليمية والدولية. إنها نتاج اللقاءات السياسية السرية التي تتم هندستها عبر الغرف المغلقة والمحاور الإقليمية، سواء تلك التي تجري في مصر بين (مسعد بولس والكباشي) أو في اللقاءات غير المعلنة في السعودية. يبدو أن قيادة تأسيس قد وقعت في فخ الخضوع للضغوط الدولية، وظنت واهمةً أن تهدئة الجبهات قد تمنحها صك قبول دولي، متناسية أن هذا الخضوع هو أول مسمار في نعش انتصاراتها. حقيقة الحروب: لا تلتفتوا لباكيات “حقوق الإنسان” يا قادة تأسيس، لا تكترسوا لحملات حقوق الإنسان والتباكي الدولي حول انتهاك حماية المدنيين؛ فالحقيقة التاريخية الناطقة تخبرنا بأن أي حرب اندلعت في هذه الدنيا قد خلّفت وراءها فظائع وانتهاكات، منذ الحرب العالمية الأولى وإلى يومنا هذا. إن طريق الانعتاق والتحرير لم يكن يوماً مفروشاً بالورود، والاعتراف بحقوق الشعوب لم يكن يُنال برفع الرايات البيضاء أو استجداء العواطف الدولية. نحن أمام معركة وجودية ومواقف صفرية في مواجهة أصحاب الامتيازات التاريخية ومحاورها الإقليمية (مصر والسعودية)؛ تلك المحاور المنتفعة تاريخياً من الاضطرابات الدائمة في السودان، والتي تسعى جاهدة لعدم ترسيخ قواعد الحكم المدني في هذه المنطقة ككل. التحذير الأخير: اضربوا بيد من حديد إن التراجع العسكري لـ “تأسيس” أو تجميد الجبهات نزولاً عند رغبة القوى الدولية أو الإقليمية ليس مناورة سياسية، بل هو انتحار سياسي معجل. المجتمع الدولي لا يحترم المتراجعين، وصفقات الغرف المغلقة تحت الطاولة لن تمنحكم شرعية سحقتها التنازلات. إذا فرطت قوات التحالف التأسيسي في انتصاراتها المتواصلة على الأرض، فلن تنفعها كل فنون الدبلوماسية في ظل معطيات ومتغيرات الواقع الدولي والإقليمي الجديد. إن دماء التضحيات ليست ورقة تفاوض تُباع وتُشترى في سوق المساومات الدولية. وحتى لا تعَضّ حكومة الوحدة والسلام (تأسيس) بنان الندم، فإن الواجب اللحظي والتاريخي يفرض عليها الضرب بيد من حديد دون خوف أو رهبة من المجتمع الدولي وأزلامه. إن شرعية حكومة بورتسودان تتغذى اليوم على سلبياتكم وفراغكم وتراجعكم الميداني غير المبرر. إما الحسم العسكري وفرض الأمر الواقع كما فعل السيسي والشرع، وإما التلاشي خلف طاولات المفاوضات الخادعة التي لن تترك لكم أرضاً تقفون عليها. الأرض لمن يحسمها عسكرياً، لا لمن يساوم عليها سياسياً. شارك تصفّح المقالات لولا جبن الكيزان لإنتهت الحرب منذ الإسبوع الأول !! السودان: تقاطع مِرآتين على جسد؟!