متابعات- نبض نيوز

 

كشف التقرير الذي نشرته وكالة رويترز حول رد الفريق أول البرهان قائد القوات المسلحة السودانية، على المقترح الأمريكي للهدنة الإنسانية، حيث أوضحت أن الجيش قد وافق على معظم بنود المقترح في خطاب وجهه للجانب الأمريكي بتاريخ 25 يونيو الماضي، لكنه اعترض على مسألة الانسحاب المحدود وطالب بانسحاب قوات الدعم السريع من جميع المناطق التي سيطرت عليها منذ 11 مايو 2023.

 

كشف هذا الرد عن حقائق أساسية أهمها: هو أن ما ظل يردده البرهان ومواليه برفضهم الكلي للتفاوض غير صحيح، فهم منخرطون في تفاوض عبر وساطة أمريكية، وسط سرية مطلقة وعبر دائرة صغيرة للغاية. كما أثبت نقطة مهمة وهي عدم جدية البرهان في وقف الحرب، ورغبته في إطالة أمد النزاع خدمة لأجندة ذاتية لا تضع اعتباراً لمصير البلاد ومعاناة أهلها.

 

الثابت الوحيد لدى البرهان هو رغبته في حكم السودان قسراً وبأي شكل من الأشكال. فمعيار الاتفاق المرضي لديه هو الذي ينصبه رئيساً مطلقاً للبلاد، وهو ما ظل يسعى له طوال السبعة أعوام الماضية منذ سقوط البشير، وفي سبيل تحقيق هذه الغاية شارك في فض اعتصام القيادة العامة، ثم انحنى لعاصفة الشارع الثائر ووقع الاتفاق الذي قاد للوثيقة الدستورية، ومن ثم قاد انقلاب 25 أكتوبر 2021 بمجرد اقتراب انتهاء أجل دورته في رئاسة المجلس السيادي، وتراجع مرة ثانية أمام رفض الشعب السوداني للانقلاب، وأبرم اتفاق 21 نوفمبر ثم نقض غزله من الداخل، ووقع على الإتفاق الإطاري ومن ثم فتح الطريق لحلفائه في الحركة الإسلامية الإرهابية للإنقلاب عليه بإشعال حرب 15 أبريل 2023، ومنذ ذلك الوقت ظل يراوغ ويرفض مبادرات السلام المختلفة، ويعمل من أجل هدف واحد فقط هو التشبث بكرسي السلطة، سلماً او حرباً.

 

مثلت خارطة طريق الرباعية التي صدرت في سبتمبر 2025 متغيراً مهماً في مسار عملية السلام، حيث حوت جدولاً زمنياً واضحاً، ومبادئ عبرت عن آمال وطموحات غالب أهل السودان، في السلام واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي وعدم مكافأة الحركة الإسلامية الإرهابية على جرائمها في حق الشعب السوداني. كما رافق هذه الخارطة ضغوط حقيقية من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لذا فقد انتبه البرهان لخطورة هذه الضغوطات، وانخرط في لعبة إضاعة الزمن وشراء الوقت، أملاً في حدوث متغيرات تهب رياحها في اتجاه تحقيق غاياته السلطوية.

 

خطورة منهج البرهان هو أنه لا يعبأ بالتعقيدات التي ينتجها جراء رغبته في التشبث بالسلطة، فهو يكرر تجربة البشير بصورة أسوأ وأكثر استهتاراً بمصير البلاد. فالبشير خلق وضعية تعدد الجيوش بإنشاء الدعم السريع كقوة تتبع له مباشرة، ليخيف كل من يسعى للإنقلاب عليه من داخل القوات المسلحة، والنتيجة هي ما نعيشه الآن من تفكك في بنية الدولة نفسها. سعى البرهان للبقاء بذات معادلة البشير، وحين اختلف مع الدعم السريع، أنشأ وسلّح العشرات من الجماعات المسلحة خارج نطاق الدولة لتتبع بالولاء المباشر له، ووسع من التناقضات داخل معسكر حلفائه أنفسهم ليستفيد من تبايناتهم، وتعاطى مع الأوضاع الإقليمية والدولية المعقدة حول السودان بطريقة عرض فيها سيادة الدولة نقسها في السوق لمن يشتري بثمن واحد هو تثبيته في كرسي السلطة، وهو ما كشف ظهر البلاد ووضعها في فوهة مدفع تناقضات خارجية عاصفة، لا تقوى على تحملها مع الوهن الذي أصابها جراء الحرب الطاحنة التي تدور فيها.

 

ساعد البرهان على إطالة أمد الأزمة مواقف إقليمية ودولية -بقصد أو دون قصد- وذلك باتباع منهج مختل يكافئ الرجل على ما يقوم به، ويقصر عن فهم طبيعة الصراع في السودان بشكل عميق وشامل. هذه المواقف الإقليمية والدولية -على محدوديتها- ساهمت بشكل مباشر في تعقيد الأوضاع في البلاد.

 

ختاماً فقد نفذ صبر غالب أهل السودان على تحمل تبعات هذه الحرب، وقد كشفت دراسة حديثة قامت بها مبادرة نداء سلام السودان عن أن 93.2 % يدعمون وقف الحرب وإحلال السلام في البلاد. هذا الأمر غير مستغرب، فالغالبية العظمى من أهل السودان الآن سواء كان داخل البلاد أو في منافي اللجوء والنزوح، يدفعون كل يوم ثمناً باهظاً جراء هذه الحرب الإجرامية موتاً وتشريداً وفقراً ومرضاً وضياعاً لأي أمل في مستقبل أفضل. ما يحول بين الناس وتحقيق أملهم في السلام هو طموحات البرهان في سلطة قسرية بأي ثمن، ومشروع حركته الإسلامية الإرهابية الذي لا يبالي بعبور بحور من الدماء لاستمرار تسلطهم على رقاب البلاد وأهلها. هذه هي الحقيقة كما هي دون تجميل، ولا يمكن بلوغ مرافي السلام دون كشف من يعوق عملية تحقيقه وفضح مشروعه الإجرامي، وتوجيه الضغوط مباشرة صوب الفيل، عوضاً عن الغرق في متاهة تعقب الظلال.

 

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *