عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب

 

ليست المأساة الكبرى في السودان أن الحرب ما زالت مستمرة وإنما أن استمرارها لم يعد مفاجئا فكل يوم جديد يحمل الدليل ذاته بأن هذه الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية وإنما أصبحت نظاما قائما بذاته له اقتصاده وله مستفيدوه وله دعايته وله من يخشى نهايته أكثر مما يخشى اتساع رقعة الموت

 

كل جولة تفاوض جديدة تبدأ بوعود كبيرة وتنتهي بخيبة أكبر ثم يعود الجميع إلى مواقعهم السابقة بينما يعود السودانيون إلى المقابر ومعسكرات النزوح وصفوف الجوع وانتظار المجهول وكأن المفاوضات لم تعد وسيلة لإنهاء الحرب وإنما أصبحت جزءا من إدارتها وإطالة عمرها

 

هذه الحقيقة القاسية تفرض سؤالا لا يمكن الهروب منه من الذي يخاف من السلام ولماذا تبدو كل مبادرة وكأنها تولد ميتة قبل أن تصل إلى لحظة التنفيذ

 

الإجابة لا يمكن اختزالها في طرف واحد لأن الحرب مع مرور الزمن لم تعد ملكا للمتحاربين وحدهم بل أصبحت شبكة واسعة من المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية والإقليمية تتغذى جميعها على استمرار الفوضى في السودان

 

كل يوم إضافي للحرب يعني مزيدا من الأموال التي تتدفق عبر اقتصاد السلاح وتهريب الذهب ونهب الموارد والأسواق الموازية والجبايات غير القانونية والمساعدات الإنسانية التي تحولت في بعض المناطق إلى تجارة رابحة وأصبحت الدولة الغائبة فرصة استثمارية لمن لا يريد عودتها

 

ولهذا فإن السلام بالنسبة إلى هؤلاء ليس حلا بل تهديد مباشر لأن نهاية الحرب تعني نهاية الامتيازات وعودة القانون وفتح ملفات المحاسبة وكشف مصادر الثروة والنفوذ التي نشأت تحت غطاء الفوضى

 

أما على المستوى السياسي فإن الأزمة أكثر تعقيدا لأن الحرب تحولت من صراع على السلطة إلى صراع على المصير وكل طرف يخشى أن تكون التسوية السياسية بداية لنهايته وأن يكون الاعتراف بالآخر اعترافا بخسارته ولذلك ترتفع الشروط قبل كل جولة تفاوض حتى تصبح المفاوضات نفسها ساحة جديدة للحرب ولكن بوسائل مختلفة

 

ولم يكن هذا المشهد جديدا على السودان فقد شهدت البلاد خلال تاريخها سلسلة طويلة من الاتفاقات التي حملت آمالا كبيرة ثم انتهت إلى نتائج محدودة من اتفاقية أديس أبابا إلى اتفاقية السلام الشامل ثم وثيقة الدوحة واتفاق جوبا وصولا إلى منبر جدة ومبادرات الاتحاد الإفريقي ومنظمة إيغاد وغيرها

 

القاسم المشترك بين معظم هذه المبادرات أنها سعت إلى إيقاف إطلاق النار أكثر من سعيها إلى بناء السلام فكانت تعالج النتائج وتتجاهل الأسباب ولهذا كانت البنادق تصمت لبعض الوقت ثم تعود لتتكلم من جديد لأن جذور الأزمة بقيت كما هي دون معالجة

 

وليس السودان وحده من عرف هذا المصير ففي ليبيا تحولت كثرة المبادرات إلى جزء من الأزمة بسبب تضارب المصالح الدولية وفي اليمن تعثرت التسويات لأن مراكز القرار لم تكن محصورة في أطراف التفاوض وحدها بينما قدمت كولومبيا نموذجا مختلفا عندما أدركت القوى المتحاربة أن كلفة الحرب أصبحت أكبر من كلفة السلام كما أثبتت تجربة إيرلندا الشمالية أن السلام لا يولد من حسن النيات وحدها وإنما من وجود مشروع سياسي يعترف بالجميع ويمنع احتكار الدولة

 

وفي السودان تبدو المشكلة أكثر تعقيدا لأن القرار العسكري لم يعد قرارا واحدا كما أن القرار السياسي نفسه أصبح موزعا بين حسابات الداخل وضغوط الخارج ولم تعد طاولة التفاوض تجمع أصحاب القرار الحقيقيين بقدر ما تجمع ممثليهم بينما تبقى خيوط كثيرة خارج القاعة

 

كما أن سنوات الحرب صنعت جدارا هائلا من الكراهية والخوف وأصبح الضحايا ينظرون إلى أي حديث عن التسوية من زاوية العدالة المفقودة بينما يرى المتحاربون في العدالة تهديدا لمستقبلهم السياسي وهنا تدخل العملية السياسية في أكثر حلقاتها خطورة لأن العدالة لا يجوز أن تتحول إلى أداة انتقام كما لا يجوز أن تصبح أول ضحايا التسوية

 

إن الدول التي خرجت من الحروب لم تفعل ذلك لأنها نسيت الماضي وإنما لأنها واجهته بالحقيقة والمحاسبة والإصلاح المؤسسي ولم تسمح بأن يتحول السلام إلى غطاء للإفلات من العقاب ولا إلى وسيلة لإعادة إنتاج أسباب الصراع

يقف السودان أمام لحظة تاريخية لا تتعلق بمن ينتصر في المعركة وإنما بمن ينقذ الدولة نفسها لأن الدول لا تنهار حين تخسر معركة بل تنهار حين يصبح استمرار الحرب مصلحة دائمة لقادتها

 

لقد دفع السودانيون ثمنا يفوق قدرة أي شعب على الاحتمال ملايين النازحين ومدن مدمرة واقتصاد منهار وأطفال بلا تعليم ومستشفيات بلا دواء وأجيال كاملة لا تعرف من الوطن سوى أصوات المدافع

 

ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد متى تتوقف الحرب بل متى يدرك الذين يملكون قرارها أن استمرارها لن يمنحهم وطنا يحكمونه وإنما أرضا مدمرة لا تصلح لحكم أحد

 

إن السلام لا يحتاج إلى مزيد من المؤتمرات بقدر ما يحتاج إلى شجاعة سياسية تعترف بأن لا أحد يستطيع أن يبني دولة وحده وأن النصر العسكري مهما بدا ممكنا لن يصنع سلاما دائما وأن العدالة ليست عقبة أمام السلام بل هي الضمان الوحيد لاستمراره

 

سيكتب التاريخ أن السودان لم يسقط بسبب نقص المبادرات ولا بسبب غياب الوسطاء وإنما لأن كثيرا ممن امتلكوا قرار الحرب كانوا يخشون السلام أكثر مما كانوا يخشون الخراب ولأنهم فضلوا تأجيل المستقبل حتى كاد الوطن كله أن يتحول إلى ذكرى من الماضي

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

14/ يوليو /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *