عمار نجم الدين..يكتب

الأرضُ تعرفُ أهلَها لا من يُنازعُها،

بل من يُقيمُ بها دولةً، ويزرعُ فيها هويةً و وطنً

في أبيي لا تُقاس الدولة بالخرائط أو نصوص القانون، بل بالتفاصيل اليومية. الدولة هناك هي الشرطي الذي يحميك، القاضي الذي ينصفك، والطبيب الذي يعالجك. عندما تغيب هذه الوظائف عن الواقع المعاش، تصبح السيادة مجرد شعارٍ باهت لا قيمة له، مهما تكرر في الخطابات الرسمية.

من هنا، لا تبدو أزمة أبيي مجرد نزاع حدودي بين دولتين، بل تكشف سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة الدولة في السودان، وبالعلاقة بين الادعاء القانوني للسيادة والقدرة الفعلية على ممارستها. فالسيادة ليست مجرد وصف قانوني للأرض، وإنما مسؤولية تُقاس بمدى حضور الدولة في حياة سكانها.

لهذا يصعب النظر إلى بيان وزارة الخارجية في بورتسودان، الرافض لإدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية لجمهورية جنوب السودان في الانتخابات المقررة في 22 ديسمبر 2026، باعتباره خلافاً قانونياً محضاً حول تفسير الاتفاقيات. فالبيان يفتح الباب أمام مفارقة أكبر: دولة تتمسك بأرض تقول إنها جزء من إقليمها، بينما يظل حضورها في حياة سكان تلك الأرض محل تساؤل دائم.

هذه المفارقة ليست وليدة اللحظة، ولا ترتبط بالحرب الحالية وحدها، بل تعكس نمطاً تاريخياً في إدارة العلاقة بين المركز والأطراف. فقد درجت الحكومات السودانية المتعاقبة، باختلاف توجهاتها، على التعامل مع مناطق الهامش باعتبارها قضايا سيادة عندما يتعلق الأمر بالحدود أو الموارد، بينما بقيت أقل حضوراً عندما تعلق الأمر بالخدمات والتنمية وبناء المؤسسات.

ولا يعني ذلك إنكار التعقيدات القانونية التي تحكم قضية أبيي، ولا تجاهل الالتزامات التي تفرضها الاتفاقيات على الطرفين. كما لا يعني منح أي من الخرطوم أو جوبا حق التصرف الأحادي في مستقبل المنطقة. إنما يهدف إلى طرح سؤال مختلف، كثيراً ما غاب عن السجال السياسي:

هل تستطيع الدولة أن تطالب بسيادة كاملة على إقليم تعجز عن أداء وظائفها الأساسية فيه؟

هذا السؤال لا يبحث عن إجابة قانونية فحسب، وإنما عن معنى الدولة نفسه.

حين تصبح السيادة موسماً سياسياً

من المفيد النظر إلى تعامل الدولة السودانية مع أبيي من زاوية مختلفة، يمكن وصفها بما أسميه “السيادة الموسمية”. والمقصود بهذا المفهوم أن حضور الدولة يشتد كلما تحولت أبيي إلى ملف تفاوضي أو نزاع حدودي أو قضية نفطية، ثم يخفت عندما يتعلق الأمر بحياة الناس اليومية.

تظهر السيادة بقوة في بيانات الاحتجاج، وفي جلسات التفاوض، وفي الخرائط الرسمية، لكنها تصبح أقل وضوحاً حين يحتاج المواطن إلى خدمات صحية، أو تعليم، أو إدارة محلية فاعلة، أو قضاء، أو وثائق مدنية، أو بنية تحتية تحفظ الحد الأدنى من الحياة الكريمة.

قد يعترض البعض بأن الوضع الخاص لأبيي، ووجود بعثة الأمم المتحدة، وتعقيدات النزاع، كلها عوامل حدّت من قدرة أي من الحكومتين على ممارسة إدارة كاملة داخل المنطقة. وهذا اعتراض مشروع يستحق النقاش. غير أن وجود هذه التعقيدات لا يعفي أي طرف من مسؤوليته السياسية تجاه السكان، ولا يفسر استمرار الفراغ المؤسسي الذي استمر سنوات طويلة دون تسوية نهائية.

وإذا كانت السيادة، في معناها الحديث، تقوم على احتكار السلطة الشرعية والقدرة على إدارة الإقليم وخدمة السكان، فإن حضورها لا يُقاس بعدد البيانات الصادرة، وإنما بمدى قدرة المواطنين على الشعور بأن لهم دولة تؤدي وظائفها.

ومن هنا تبرز المفارقة الأساسية: فكلما ارتفع الخطاب الرسمي دفاعاً عن سيادة السودان على أبيي، ازداد السؤال إلحاحاً حول طبيعة الحضور الفعلي للدولة داخلها. فالسيادة ليست مجرد علاقة بين حكومة وأرض، بل علاقة مستمرة بين الدولة والإنسان.

وتاريخياً، عانت مناطق واسعة من الهامش السوداني من هذه المفارقة. فقد جرى التعامل معها بوصفها فضاءات استراتيجية أو مخازن للموارد أو خطوط تماس أمنية، أكثر من كونها مجتمعات تستحق استثماراً مستداماً في الإنسان والمؤسسات. وحين يصبح الاهتمام بالأرض أكبر من الاهتمام بسكانها، تنشأ فجوة تتآكل فيها شرعية الدولة تدريجياً، حتى وإن بقيت مطالباتها القانونية قائمة.

وهنا يصبح السؤال أكثر تحديداً

هل تتمسك الدولة بأبيي لأنها نجحت في بناء علاقة مواطنة راسخة مع أهلها، أم لأنها ترى في الأرض قيمة استراتيجية تتجاوز قيمة الإنسان الذي يعيش عليها؟

هذا السؤال لا يحسم النزاع، لكنه يحدد الإطار الذي ينبغي أن يُناقش داخله.

في هذا الجزء ستلاحظ أنني لم أغيّر موقفك، لكنني غيّرت إيقاع الكتابة بالكامل: أصبح أقل تكرارًا، وأكثر حوارًا مع القارئ، وأقرب إلى أسلوب المقالات الفكرية المنشورة، مع تقليل السمات النمطية التي ناقشناها سابقًا. في الجزء التالي سأعيد بناء محور “التاريخ الذي لا يمكن محوه بقرار إداري” و بروتوكول أبيي بالأسلوب نفسه.

 

التاريخ لا يبدأ بقرار إداري

 

من أكثر الأخطاء شيوعاً في النقاش الدائر حول أبيي اختزال تاريخ المنطقة في وضعها الإداري الحالي، وكأن ارتباطها بكردفان حقيقة ثابتة منذ نشأتها. غير أن العودة إلى الوثائق التاريخية تكشف صورة أكثر تعقيداً.

فبروتوكول أبيي، الموقع ضمن اتفاق السلام الشامل لعام 2005، لم يبتدع سردية جديدة، وإنما استند إلى واقعة تاريخية معروفة، مفادها أن مشيخات دينكا نقوك التسع كانت تُدار ضمن بحر الغزال قبل أن تُنقل إدارياً إلى كردفان عام 1905 بقرار اتخذته الإدارة الاستعمارية البريطانية.

تكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تميز بين أمرين كثيراً ما يجري الخلط بينهما: التبعية الإدارية والانتماء التاريخي والاجتماعي.

فالقرار الإداري يستطيع أن يغيّر حدود الوحدات الحكومية، لكنه لا يبدل بالضرورة شبكات القرابة، ولا اللغة، ولا أنماط الحركة الموسمية، ولا الذاكرة الجمعية التي تشكل هوية المجتمعات المحلية.

ولا يعني ذلك أن نقل المنطقة إلى كردفان كان عديم الأثر، أو أنه لم يرتب نتائج قانونية وإدارية استمرت لعقود. لكنه، في الوقت نفسه، لا يسمح بالقول إن تاريخ أبيي يبدأ من تلك اللحظة، أو أن أي صلة سابقة لها ببحر الغزال أصبحت بلا قيمة تاريخية.

ومن هنا، فإن تصوير العلاقة بين أبيي والجنوب باعتبارها اختراعاً سياسياً أعقب استقلال جنوب السودان يتجاهل جانباً مهماً من الوقائع التاريخية. فالعلاقات الاجتماعية والثقافية بين دينكا نقوك والمجتمعات الجنوبية لم تنشأ مع الحركة الشعبية، ولم تبدأ بعد عام 2011، بل سبقت ذلك بوقت طويل، واستمرت رغم تغير الحدود الإدارية.

هذا لا يحسم النزاع القانوني حول السيادة، لكنه يفسر لماذا ظل جزء معتبر من سكان المنطقة ينظر إلى الجنوب باعتباره امتداداً طبيعياً لتاريخه الاجتماعي والثقافي.

وبعبارة أخرى، فإن التاريخ لا يقدم جواباً نهائياً عن سؤال السيادة، لكنه يفسر كثيراً من أسباب تشكل الولاءات السياسية.

ماذا يقول بروتوكول أبيي؟

 

كثيراً ما يُستشهد ببروتوكول أبيي لتأكيد مواقف متعارضة، وكأن النص يمنح كل طرف ما يريد. غير أن القراءة المتأنية للبروتوكول تكشف أنه لم يكن وثيقة لحسم النزاع، بقدر ما كان إطاراً لإدارته مؤقتاً إلى حين التوصل إلى تسوية نهائية.

فالاتفاق لم يمنح السودان سيادة نهائية غير قابلة للمراجعة، كما لم يقرر انضمام أبيي تلقائياً إلى جنوب السودان. بل أنشأ وضعاً انتقالياً يقوم على إدارة خاصة، ومؤسسات مشتركة، وترتيبات أمنية وإدارية، وصولاً إلى استفتاء يحدد من خلاله سكان المنطقة مستقبلها السياسي.

وهنا يبرز تمييز قانوني بالغ الأهمية بين سؤالين مختلفين:

أين تقع حدود منطقة أبيي؟

و

إلى أي دولة ينبغي أن تنتمي أبيي؟

 

قد يبدو السؤالان متلازمين، لكنهما في الواقع منفصلان قانونياً.

 

فعندما لجأ الطرفان إلى هيئة التحكيم التابعة لمحكمة التحكيم الدائمة في لاهاي، كان النزاع المطروح يتعلق بترسيم حدود منطقة أبيي وفق بروتوكول 2005، لا بحسم تبعيتها النهائية لأي من الدولتين. ولهذا جاء قرار الهيئة عام 2009 محدداً لنطاق المنطقة محل النزاع، من دون أن يمنح السيادة النهائية لأي طرف.

 

أما السؤال الثاني، فقد تركه البروتوكول للاستفتاء الذي كان يفترض أن يعبر فيه السكان عن إرادتهم السياسية.

لكن هذا الاستحقاق لم يُنفذ.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فبدلاً من أن يُنظر إلى عدم إجراء الاستفتاء باعتباره دليلاً على إخفاق العملية السياسية، تحول مع مرور الوقت إلى واقع دائم، استند إليه كل طرف لتبرير موقفه. أصبحت جوبا ترى أن استمرار الفراغ يمنحها مبرراً لتوسيع حضورها الإداري والسياسي، بينما اعتبرت الخرطوم أن غياب الاستفتاء يعني بقاء السيادة القانونية على حالها.

غير أن هذين الاستنتاجين ليسا النتيجة الوحيدة التي يمكن استخلاصها من البروتوكول.

فمن زاوية أخرى، يكشف استمرار الوضع الانتقالي طوال هذه السنوات عن عجز الطرفين، بدرجات متفاوتة، عن تنفيذ الالتزامات التي قبلاها عند توقيع الاتفاق. ولذلك فإن الأزمة لا تكمن فقط في الخلاف حول النصوص، وإنما أيضاً في غياب الإرادة السياسية اللازمة لتحويل تلك النصوص إلى مؤسسات تعمل على الأرض.

ولهذا يصعب الدفاع عن قراءة انتقائية للبروتوكول ، قراءة تتمسك بما يدعم موقفاً سياسياً معيناً، وتتجاهل بقية الالتزامات الواردة فيه. فمن غير المنطقي الاحتجاج بالنص عندما يمنع الطرف الآخر من اتخاذ إجراء أحادي، ثم التغاضي عنه عندما يفرض إنشاء مؤسسات مشتركة أو يوجب استكمال العملية السياسية المؤجلة.

إن احترام الاتفاقيات الدولية لا يعني التمسك ببعض نصوصها وإهمال بعضها الآخر، بل التعامل معها كوحدة قانونية متكاملة.

ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراض على أي خطوة أحادية تتخذها جوبا قد يجد أساساً قانونياً يمكن مناقشته، لكن ذلك لا يعفي الخرطوم من مسؤوليتها عن استمرار الوضع المؤقت، ولا يحول هذا الوضع، مهما طال أمده، إلى تسوية نهائية بحكم الأمر الواقع.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *