الأحد آدم الحاج أديب..يكتب بين ضرورات الحرب وأحلام التأسيس: الترهل الإداري ومخاطر إعادة إنتاج الدولة القديمة تمر المشاريع السياسية الكبرى دائماً بلحظة اختبار حقيقية، لا تكون في مستوى الشعارات التي ترفعها، وإنما في طبيعة المؤسسات التي تنشئها والخيارات التي تتخذها عند إدارة الدولة. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من تغيير الأسماء والمواقع، وإنما من تغيير فلسفة الحكم، ومن القدرة على بناء مؤسسات مختلفة عن تلك التي كانت سبباً في أزمات الماضي. وفي الحالة السودانية، حيث تعيش البلاد حرباً قاسية وتواجه تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية عميقة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تستطيع مشاريع التأسيس أن تقدم نموذجاً جديداً في إدارة الدولة؟ أم أن ضغوط الواقع ستدفعها إلى إعادة إنتاج ذات الأنماط التي ظلت تعاني منها الدولة السودانية لعقود؟ إن حكومة الوحدة والسلام (تأسيس)، التي رفعت شعارات التغيير وإعادة بناء الدولة، تواجه اليوم امتحاناً مؤسسياً لا يقل أهمية عن التحديات السياسية والعسكرية، وهو امتحان بناء جهاز إداري يعكس فلسفة جديدة، لا مجرد إعادة تدوير القوالب القديمة تحت مسميات مختلفة. الفيدرالية ليست تضخماً إدارياً من القضايا التي تحتاج إلى نقاش موضوعي مسألة العلاقة بين الفيدرالية وبناء الهياكل الإدارية. فالفيدرالية ليست مجرد زيادة عدد الوزارات أو توسيع الجهاز التنفيذي، وإنما هي نظام يقوم على توزيع واضح للصلاحيات بين مستويات الحكم المختلفة، مع تحديد دقيق للاختصاصات والمسؤوليات. إن الدولة الفيدرالية الناجحة لا تقاس بعدد مؤسساتها، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين قرب الإدارة من المواطن وبين كفاءة استخدام الموارد. أما تحويل الفيدرالية إلى مبرر لتضخم الجهاز الحكومي فإنه يؤدي إلى نتيجة عكسية، حيث تتحول الهياكل إلى عبء مالي وإداري بدلاً من أن تكون وسيلة لتحقيق التنمية والاستقرار. وفي ظل ظروف الحرب، حيث تقل الموارد وتتزايد الاحتياجات الإنسانية، تصبح الحاجة أكبر إلى دولة رشيقة، قادرة على اتخاذ القرار بسرعة، لا إلى جهاز إداري واسع يستهلك الموارد قبل أن يقدم الخدمات. التأسيس واختبار القطيعة مع الدولة القديمة لم تكن أزمة الدولة السودانية القديمة أزمة هياكل فقط، وإنما كانت أزمة في طريقة إدارة الدولة نفسها. فقد عانت المؤسسات العامة طويلاً من ظواهر أضعفت مهنيتها، وفي مقدمتها سياسة التراضي والمحاصصة والمحسوبية والجهوية على حساب المهنية والكفاءة. فالتراضي السياسي، عندما يتحول من أداة لمعالجة الخلافات الوطنية إلى منهج دائم لإدارة الدولة، يفقد المؤسسات استقلاليتها ويجعل الوظيفة العامة جزءاً من عملية توزيع النفوذ بدلاً من كونها مسؤولية قائمة على الخبرة والقدرة. كما أن معالجة التهميش التاريخي لا ينبغي أن تُختزل في زيادة عدد المناصب أو توزيع المواقع التنفيذية على أساس جغرافي أو سياسي، لأن العدالة الحقيقية لا تتحقق بمجرد تغيير الوجوه، وإنما ببناء مؤسسات تضمن تكافؤ الفرص، وتفتح المجال أمام الكفاءات من كل أقاليم السودان، وتربط المسؤولية بالقدرة على الإنجاز. إن التحدي أمام مشروع التأسيس ليس فقط أن يختلف عن الدولة القديمة في شعاراته، وإنما أن يختلف عنها في معايير اختيار القيادات، وفلسفة إدارة الموارد البشرية، وطريقة بناء المؤسسات. فالدولة الجديدة لا يمكن أن تقوم على قاعدة: من يمثل من؟ فقط، بل على سؤال أكثر أهمية: من يستطيع أن يدير المؤسسة بكفاءة ونزاهة؟ الترهل الإداري في زمن الحرب: عبء إضافي على الدولة إن إنشاء مؤسسات حكومية في مرحلة الحرب يحتاج إلى حسابات دقيقة، لأن كل وزارة جديدة لا تعني فقط اسماً جديداً، بل تعني موازنة، وهيكلاً وظيفياً، وقيادات إدارية، ومقار، ونفقات تشغيلية. والخطر هنا أن يتحول التوسع الإداري إلى استنزاف للموارد المحدودة، وأن تتعدد المؤسسات بينما تتداخل اختصاصاتها، فتضعف القدرة على الإنجاز بدلاً من أن تقوى. إن الدول التي مرت بظروف مشابهة أدركت أن مرحلة الحرب وإعادة البناء تحتاج إلى تقليل التعقيد الإداري، وتركيز الجهود على المؤسسات الأساسية التي تحفظ الأمن، وتقدم الخدمات، وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. بين التمثيل السياسي والكفاءة المؤسسية من الطبيعي أن تسعى القوى السياسية والاجتماعية المشاركة في مشاريع التغيير إلى ضمان حضورها في مؤسسات الحكم، خصوصاً بعد عقود من الإقصاء والتهميش. لكن بناء الدولة لا ينجح إذا أصبح التمثيل بديلاً عن الكفاءة. فالدولة تحتاج إلى خبرات إدارية وقانونية واقتصادية قادرة على تشغيل المؤسسات، وليس فقط إلى توزيع المواقع لإرضاء المكونات المختلفة. وهذا التحدي يصبح أكثر حساسية في حالة القوى القادمة من مناطق عانت تاريخياً من ضعف المشاركة في إدارة الدولة المركزية. فالحل ليس إبعاد هذه القوى، بل تمكينها عبر بناء القدرات، والتدريب، وإتاحة الفرص، حتى تتحول المشاركة السياسية إلى قدرة مؤسسية حقيقية. ما النموذج الإداري المطلوب في مرحلة التأسيس؟ إن الظروف الحالية تحتاج إلى نموذج إداري مختلف يقوم على عدة مبادئ: أولاً: بناء حكومة رشيقة تتناسب مع واقع الحرب، بحيث تكون الأولوية للوظائف الأساسية وليس لكثرة الهياكل. ثانياً: مراجعة الوزارات والهيئات، ودمج القطاعات المتقاربة التي يمكن إدارتها عبر إدارات عامة أو مفوضيات بدلاً من تحويل كل قطاع إلى وزارة مستقلة. ثالثاً: اعتماد معايير واضحة للكفاءة والخبرة في اختيار القيادات التنفيذية. رابعاً: إنشاء آلية دائمة للإصلاح الإداري تراجع أداء المؤسسات وتعيد ضبطها وفق احتياجات الدولة وقدراتها المالية. خامساً: الاستثمار في بناء الكادر الإداري الوطني، لأن الدولة لا تُبنى فقط بالدساتير والهياكل، وإنما بالبشر القادرين على تشغيلها. دروس من تجارب الدول الخارجة من النزاعات توضح تجارب العديد من الدول أن نجاح مرحلة ما بعد الصراع لا يرتبط بكثرة المؤسسات، وإنما بقدرة الدولة على بناء جهاز إداري فعال. فقد ركزت بعض التجارب الناجحة على تقوية مؤسسات الدولة، ومحاربة الفساد الإداري، وبناء جهاز مهني قادر على تنفيذ السياسات العامة. بينما فشلت تجارب أخرى عندما تحولت مؤسسات الدولة إلى ساحات لتوزيع النفوذ بدلاً من كونها أدوات لخدمة المواطنين. والسودان، بحكم تعقيداته الاجتماعية والجغرافية، يحتاج إلى نموذج خاص يجمع بين العدالة في المشاركة والكفاءة في الإدارة. خصوصية التأسيس وتحديات الهامش إن معالجة المظالم التاريخية للمناطق المهمشة تمثل ضرورة وطنية، لكن بناء الدولة لا يتحقق فقط عبر توسيع دائرة المشاركة السياسية، وإنما عبر بناء مؤسسات عادلة وقادرة. فالتحدي الحقيقي أمام قوى الهامش ليس فقط الوصول إلى مواقع السلطة، بل امتلاك أدوات الإدارة الحديثة، وتطوير الخبرات، والانتقال من مرحلة المطالبة بالتمثيل إلى مرحلة صناعة المؤسسات. فالدولة العادلة ليست التي تمنح المناصب فقط، وإنما التي تبني نظاماً يضمن المشاركة والكفاءة في آن واحد. الخاتمة: التأسيس الحقيقي يبدأ من الإدارة إن أكبر خطر يواجه أي مشروع تغيير ليس فقط أن يفشل في تحقيق أهدافه، وإنما أن يعيد إنتاج الأدوات التي قامت المشاريع الإصلاحية لتجاوزها. فإذا كان مشروع التأسيس يريد أن يقدم دولة مختلفة، فإن البداية الحقيقية يجب أن تكون من بناء مؤسسة مختلفة: مؤسسة تقوم على المهنية لا الولاء، وعلى الكفاءة لا المحاصصة، وعلى التخطيط لا ردود الأفعال. فالتاريخ لا يحكم على الحكومات بعدد الوزارات التي أنشأتها، ولا بعدد المناصب التي وزعتها، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات تستمر بعد رحيل الأشخاص. إن التأسيس الحقيقي ليس أن نبني دولة جديدة بأدوات الدولة القديمة، وإنما أن نمتلك الشجاعة لتغيير طريقة بناء الدولة نفسها. مركز شركاء التغيير والمستقبل للدراسات الاستراتيجية شارك تصفّح المقالات الرصاصة تقتل فرد والكراهية تقتل وطن أبيي بين السيادة ووظيفة الدولة جنوبيون عند الترحيل، سودانيون عند النزاع .