عبدالعزيز بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب منذ عام 1955 وحتى اليوم يكاد تاريخ السودان يقرأ من خلال الحروب أكثر مما يقرأ من خلال البناء والتنمية فكل جيل وجد نفسه أمام حرب جديدة وكل إقليم حمل نصيبه من الدم والدموع وكل اتفاق سلام تحول في كثير من الأحيان إلى محطة انتظار لحرب أخرى وكأن الدولة لم تتعلم من خسائرها وكأن السياسة لم تكتف بعدد الأرواح التي أزهقت ولا بعدد المدن التي دمرت ولا بعدد الأطفال الذين ولدوا داخل معسكرات النزوح ولم يعرفوا معنى الوطن المستقر يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هل كتب على السودان أن ينتقل من حرب إلى أخرى بلا نهاية وهل أصبح السلام استثناء والحرب هي القاعدة وهل عجزت النخب السياسية والعسكرية طوال أكثر من سبعين عاما عن إنتاج مشروع وطني يمنع تكرار الكارثة أم أن استمرار النزاعات أصبح وسيلة لإدارة الدولة بدلا من بناء الدولة عندما اندلعت الحرب الأولى في جنوب السودان عام 1955 دفعت البلاد ثمنا باهظا من الدم والموارد حتى انتهت باتفاقية نيفاشا ثم بانفصال جنوب السودان عام 2011 فهل توقف مسلسل المآسي بعد ذلك وهل كان الانفصال نهاية للأزمة أم بداية لأزمات جديدة ثم جاءت حرب دارفور فامتلأت الأرض بالقرى المحروقة والمعسكرات وملايين النازحين واللاجئين فهل كانت تلك المأساة غير كافية ليتوقف الجميع أمام حجم الكارثة وهل أصبحت معسكرات النزوح جزءا من المشهد الطبيعي حتى فقد العالم دهشته وفقد السودانيون حقهم في الحياة الكريمة ثم امتدت النيران إلى جنوب كردفان وجبال النوبة والنيل الأزرق سنوات طويلة من القتال والتهجير والخوف وتعطلت المدارس والمستشفيات وتوقفت عجلة التنمية فهل كانت تلك السنوات الطويلة مجرد درس لم يتعلم منه أحد وهل كان المطلوب أن تظل الأجيال الجديدة ترث الحرب كما ترث أسماء العائلات ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتفتح أبواب كارثة جديدة ولكن على نطاق غير مسبوق فاحترقت العاصمة وامتد القتال إلى معظم ولايات السودان وانهارت مؤسسات الدولة ونزح الملايين وفر مئات الآلاف إلى دول الجوار وأصبحت معاناة المواطن السوداني عنوانا رئيسيا في نشرات الأخبار الدولية وهنا يبرز السؤال الأكبر لماذا تستمر هذه الحرب حتى اليوم ولمصلحة من يستمر هذا النزيف ومن المستفيد الحقيقي من استمرار القتال وهل توجد قضية تستحق أن يدفع ملايين المدنيين ثمنها وهل توجد سلطة أو مكسب سياسي يساوي حياة طفل فقد أسرته أو أم فقدت أبناءها أو شابا فقد مستقبله أليس من حق المواطن السوداني أن يسأل كم حربا يجب أن يخوضها قبل أن يعيش في وطن آمن ولماذا يتحول كل خلاف سياسي إلى مواجهة عسكرية ولماذا يصبح السلاح أسرع من الحوار ولماذا يسبق صوت المدفع صوت العقل أليس غريبا أن كل حرب تبدأ بشعارات كبيرة ثم تنتهي بمقابر أكبر وبمدن مدمرة وباقتصاد منهار وبملايين المحتاجين إلى الغذاء والدواء والمأوى ثم يخرج الجميع بعد سنوات ليقولوا إن الحل هو التفاوض فإذا كانت النهاية دائما هي التفاوض فلماذا يبدأ الطريق دائما بالحرب أليس من المشروع أن يتساءل السودانيون هل أصبحت الحرب صناعة سياسية متكررة وهل صار الشعب مجرد ممول دائم لفاتورة الصراع بينما يجلس صناع القرار بعيدا عن ميادين القتال وهل كتب على المواطن وحده أن يدفع الثمن مرة بالنزوح ومرة بالجوع ومرة بفقدان الأبناء ومرة بانهيار الخدمات ومرة بانعدام المستقبل الفاتورة اليوم لم تعد تدفعها الحكومات ولا الجيوش وحدها وإنما يدفعها الشعب السوداني بأكمله يدفعها الطفل الذي حرم من التعليم ويدفعها المزارع الذي فقد أرضه ويدفعها التاجر الذي خسر رزقه ويدفعها الطبيب الذي هاجر ويدفعها الأم التي تنتظر عودة ابن لن يعود ويدفعها اللاجئ الذي يحمل وطنه في حقيبة صغيرة ويبحث عن مكان آمن ينام فيه ثم يأتي السؤال الأكثر مرارة هل يحتاج السودان فعلا إلى حرب جديدة بعد كل هذه الحروب وهل كان الشعب السوداني يطالب بحرب الخامس عشر من أبريل أم كان يطالب بالأمن والاستقرار والخبز والتعليم والعلاج وهل خرج المواطن مطالبا بالرصاص أم خرج باحثا عن حياة كريمة وإذا كانت كل الحروب السابقة لم تحقق الاستقرار فلماذا الإصرار على تكرار التجربة نفسها ولماذا هذا العناد في استمرار حرب يدفع الشعب وحده ثمنها ولماذا لا يعترف الجميع بأن المنتصر الحقيقي في كل حرب هو الخراب وأن المهزوم الحقيقي هو السودان إن التاريخ لا يحاسب فقط من أشعل الحروب بل يحاسب أيضا من امتلك فرصة إيقافها ثم اختار استمرارها وسيأتي يوم يسأل فيه السودانيون من الذي ربح من كل هذه الدماء ومن الذي خسر وسيكون الجواب واضحا لم يربح أحد بينما خسر الشعب السوداني وطنه وأمنه واقتصاده ومستقبل أجياله لقد آن الأوان لأن يتحول السؤال من كيف ننتصر في الحرب إلى كيف نمنع الحرب ومن كيف نوسع ميادين القتال إلى كيف نعيد بناء المدارس والمستشفيات ومن كيف نهزم الخصم إلى كيف ننقذ الوطن فالسودان لا يحتاج إلى نسخة جديدة من الحروب ولا إلى إعادة إنتاج المأساة ولا إلى مزيد من المقابر الجماعية ولا إلى ملايين إضافية من النازحين واللاجئين وإنما يحتاج إلى شجاعة سياسية توقف النزيف وإلى إرادة وطنية تجعل حياة الإنسان السوداني أغلى من أي مشروع للسلطة وأغلى من أي مكسب عسكري لأن الأوطان لا تبنى بالبنادق وإنما تبنى بالعدالة وسيادة القانون واحترام كرامة الإنسان نواصل بمشيئة الله بتاريخ 19 /يوليو /2026 شارك تصفّح المقالات البلاء في السودان ليس لعنة؟!