الجميل الفاضل ….يكتب

 

ليس أخطر ما يصيب الأمم أن تخطئ في الحساب، وإنما أن تبلغ من تكرار الخطأ حدًا تفقد عنده ثقتها في أدواتها كلها.

حينها لا تسقط الحكومات وحدها، ولا تتهاوى النخب وحدها، وإنما ينهار السقف الرمزي الذي كانت الشعوب تستظل به، لتصبح الروح عاريةً أمام السؤال الأكبر: من يدلنا على الطريق إذا ضلّ الدليل؟

لعل الراحل منصور خالد، وهو يصك عبارته المدوية «النخبة وإدمان الفشل»، كان يرصد عطباً سياسياً مزمناً، لكنه ربما لم يتوقع أن يبلغ ذلك العطب طوراً آخر؛ طوراً يصبح فيه الفشل نفسه عاجزاً عن تفسير ما يجري حوله، لأن الأزمة لم تعد أزمة إدارة دولة، بل أزمة انقطاع بين الأرض ومن تصدّروا للحديث باسمها.

وهو حديث متطاول لم ينقطع منذ أن رصد الأستاذ محمود محمد طه مفارقة أن في هذه البلاد شعب عملاق يقوده أقزام.

لكن المفارقة اليوم ليس في أن هذه النخب قد تعثرت أو تقزمت؛ إنما المفارقة أنه كلما ازداد العقل السياسي انسداداً، اتسعت في المقابل نوافذ الروح.

وكأن الأرض، في لحظة العجز الكبرى، قد سحبت وكالتها من السياسة، وأعادت أمرها إلى ذاكرتها الأولى.

ذلك هو ما أسميه «جهاز المناعة الحضاري».

ففي الأجساد الحية، لا يستنفر جهاز المناعة كل طاقته إلا حين تعجز الوسائل المعتادة عن صد الخطر.

في ذلك الوقت، تستيقظ الخلايا النائمة في عمق النخاع، لا لأنها تحب المجابهة، وإنما لأنها آخر ما تبقى للحياة.

وكذلك الحضارات، فلها أيضاً نخاعها الخفي، ولها خلاياها المستترة، ولها ذاكرة لا تظهر إلا عندما يصبح الفناء احتمالاً قائماً.

فما نشهده في السودان اليوم ليس مجرد حنين إلى كوش البعيدة، ولا افتتاناً عابراً بتهارقا والكنداكات، ولا انشغالاً رومانسياً بجبل مرة أو البركل أو التاكا أو المقرن أو سواكن؛ لكن هو استنفار لذلك النخاع الحضاري العميق، بعد أن استنفدت السياسة كل ما في جعبتها من الوعود والخيبات.

إن الوجدان، حين يعجز الواقع عن حمله، يعود إلى الجذر.

لا هروباً من التاريخ.. بل بحثاً عن تاريخه الأول.

ولذلك ربما لم يكن شعار: «جدي تهارقا… وحبوبتي كنداكة» مجرد استعارة لفظية جرت على لسان فتاة في اعتصام القيادة العامة قبل نحو سبع سنوات.

لقد كان ذلك إعلاناً غريزياً بأن الشرعية الحقيقية لا تُستمد دائماً من الوثائق، وإنما قد تُسترد أحياناً من الذاكرة.

وهي ذاكرة عامرة بكثير من الأمجاد.

أنظر ماذا قال الصحفي الاستقصائي الكندي هنري أوبين:

«كسر تهارقا، الذي كان يقود جيشاً يوصف آنذاك بالجيش الذي لا يُقهر، حصار الآشوريين للقدس، فقد كان جيش كوش يمثل في ذلك الوقت القوة العظمى الوحيدة في العالم القادرة على صد الآشوريين. وقد أجبر تهارقا بالفعل الآشوريين على الانسحاب من أسوار القدس وأبقى حزقيال على عرش يهوذا».

على أية حال، فأرقامنا القياسية كثيرة، وهي إلى الآن لم تُكسر: فنحن أول من بنى الأهرامات، وأول من شيد أعلى المباني في الدنيا «الدفوفة»، وأول من صنع الحديد في مروي، وأول من خط وكتب بالحروف.

وحتى في تاريخنا القريب نسبياً، فالإمام محمد أحمد المهدي هو أول من مرَّق أنف الإمبراطورية البريطانية التي كانت لا تغيب عنها الشمس على مستوى العالم، وقائده العسكري الفذ عثمان دقنة أول من كسر المربع الإنجليزي في ميادين القتال.

كما نحن بالطبع أول من استخدم أدوات اللاعنف في إحداث تغيير سلمي ناجح، عبر ثلاث ثورات شعبية، هي الأولى في المنطقة.

فالإنسان، عندما يضيق به الحاضر، يقفز فوقه.

وعندما يخونه المستقبل القريب، يفتش عن مستقبل أبعد، يبدأ من مثل هذا الماضي السحيق.

هكذا تتصرف الأرواح، وهكذا تتصرف الأمم أيضاً.

ولعل أولى علامات مثل هذا التحول قد ظهرت حتى قبل اندلاع الحرب، عندما بدأ شباب ديسمبر يرددون مطلباً غريباً: «ديمقراطية بلا أحزاب»، ويضيقون ذرعاً بوجود قادة الكيانات السياسية بينهم في الشارع.

لم يكن ذلك رفضاً للأحزاب بحد ذاتها، بقدر ما كان إعلاناً بانتهاء صلاحية مثل هذه الكيانات التي شاخت.

فحين يعجز أي كيان عن وصل الشعب بمصيره، يبدأ الشعب في البحث عن طريق مباشر إلى قدره.

وفي ظني أن تلك اللحظة كانت هي لحظة سحب الثقة الوجدانية من النادي السياسي القديم يمينه ويساره.

ومنذ تلك اللحظة، أخذت الهوة تتسع بين شعب يتقدم نحو غده بثقة غامضة، ونخب لا تزال تدور حول خرائط قديمة لم تعد تقود إلى أي مكان.

وليس غريباً، بعد ذلك، أن تتسع دوائر الاهتمام بالعرفان، وبالرموز، وبالأساطير، وبالتاريخ، وبالقراءات التي تربط السودان ببدايات الزمان وآخره، وبأسرار المكان فيه.

فالتاريخ يعلمنا أن الأمم، كلما بلغت لحظة تحول كبرى، لم تبدأ رحلتها باللوائح والقوانين، وإنما تبدأ بحلم.

يصبح الحلم أولاً.. ثم تأتي الخرائط.

والرؤيا أولاً.. ثم تُكتب الدساتير.

فالأسطورة، في معناها الحضاري، ليست نقيض الحقيقة، وإنما هي اللغة التي تتحدث بها الحقيقة قبل أن تجد مفرداتها السياسية.

ولهذا تخطئ الصالونات السياسية والثقافية حين تسخر من هذه الموجة، أو تصفها باللاعقلانية.

لأنها تنظر إليها بعين السياسة، بينما هي في حقيقتها فعل بيولوجي تمارسه الحضارات دفاعاً عن بقائها.

إنها باختصار ليست هروباً من الواقع، إنما هي محاولة لإنقاذ الواقع من نفسه.

فالروح، عندما تعجز عن الاحتمال، تستدعي أعمق ما فيها.

والأرض، عندما يشتد عليها الحصار، تستنطق أقدم ذاكرتها.

ولعل السودان، في هذه اللحظة، لا يبحث عن أسطورة جديدة، لكنه يبحث عن نفسه، وعن حقيقته الغائبة أو المغيَّبة عن عمد. عن تلك الطبقة العميقة التي ظلت كامنة تحت ركام هذه الهزائم، تنتظر اللحظة التي تصبح فيها العودة إلى الجذر ضرورة حياة، لا ترفاً ثقافياً.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

فكلما ظن خصوم هذه البلاد أن أبوابها قد أغلقت، انفتح فيها باب لا تراه الخرائط.

وكلما حسب الساسة أن النهر قد وصل إلى نهايته، اكتشفوا أنه كان، طوال الوقت، يحفر مجراه في باطن الأرض بعمق أكبر.

ذلك لأن الأنهار الكبرى لا تموت.

إنها قد تغيب.. ثم تعود.

وكذلك الأمم التي تحفظ في أعماقها جهازاً للمناعة الحضارية.

إذا انسد أمامها الأفق، وأظلمت الجهات، واستنفدت السياسة آخر أعذارها، أيقظت الأرض غيبها، واستدعت أساطيرها الأولى، لا لتسكن الماضي، إنما لتلد من رحمه مستقبلا أفضل.

وحينئذٍ.. لا يكون البعث قراراً سياسياً.

بل يصبح قانوناً من قوانين الحياة.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *