عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب في الليلة التي سهر فيها العالم كله ينتظر صافرة نهاية كأس العالم 2026 كان هناك شعب كامل يسهر أمام مباراة أخرى لا تنقلها الشاشات ولا تتنافس القنوات على حقوق بثها ولا يجلس في مدرجاتها جمهور يهتف ولا ترفع في نهايتها كأس ولا تعلق على أعناق الفائزين ميداليات في السودان ما زال الناس ينتظرون صافرة نهاية حرب بدأت في الخامس عشر من أبريل 2023 وما زالت حتى اليوم تلتهم العمر قبل الأرض وتسرق المستقبل قبل الحاضر وتستهلك ما تبقى من الأمل في نفوس الملايين العالم كان يسأل من سيفوز بالكأس أما السوداني فكان يسأل هل سيستيقظ أطفاله على صوت العصافير أم على صوت المدافع هل ستفتح مدرسة أم سيفتح معسكر جديد هل سيصل الدواء قبل الرصاصة وهل سيأتي السلام قبل أن يبتلع النزوح ما تبقى من المدن والقرى من المفارقات المؤلمة أن مباراة كرة القدم لها وقت محدد يعرف الجميع متى تبدأ ومتى تنتهي أما الحرب في السودان فقد تحولت إلى مشروع مفتوح لا يبدو أن القائمين عليه يرغبون في كتابة نهايته لأن نهايتها تعني نهاية تجارتهم ونهاية أسواقهم ونهاية الشعارات التي يقتاتون عليها باسم الدين والوطن والسيادة بينما يدفع المواطن وحده الثمن كل يوم هناك من اكتشف أن السلام لا يحقق له نفوذا وأن الاستقرار لا يصنع له بطولة وأن الأطفال في المدارس أخطر على مشروعه من الأطفال في الخنادق ولذلك أصبح استمرار الحرب بالنسبة إليه استثمارا سياسيا واقتصاديا وإعلاميا وكلما طال النزاع ارتفعت أرباح تجار الدم وانخفضت قيمة الإنسان المؤلم أن الشعب السوداني لم يعد يطالب بالمستحيل ولم يعد يحلم بالرفاهية ولا يبحث عن الوعود الكبيرة بل أصبح يحلم بحقوق كانت في يوم من الأيام من أبسط المسلمات مدرسة تفتح أبوابها مستشفى يجد فيه المريض علاجه شارع آمن يعود عبره الأب إلى أسرته وطفل ينام ليلة كاملة دون أن يعد عدد الانفجارات كل هذه الحقوق ليست منحة من أحد وإنما حقوق كفلتها قواعد القانون الدولي الإنساني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واتفاقية حقوق الطفل ومع ذلك ما زالت هذه الحقوق في السودان تؤجل كل يوم وكأن حياة السودانيين أقل قيمة من غيرهم والتاريخ السوداني يحمل درسا لا ينبغي تجاهله فقد سبق أن دفعت سياسات الحرب والإقصاء والحرمان ملايين المواطنين في جنوب السودان إلى فقدان الثقة في إمكانية العيش داخل وطن واحد حتى انتهى الأمر بالانفصال بعد سنوات طويلة من النزاع وكان الثمن باهظا على الجميع واليوم يعيد البعض إنتاج الأسباب نفسها وكأن التاريخ كتب ليقرأ ثم يلقى في سلة المهملات والأكثر سخرية أن الذين يملأون المنابر بخطب الوطنية هم أول من يفر من ساحات المعاناة والذين يتحدثون عن التضحية غالبا لا يقدمون إلا دماء الآخرين أما أبناء البسطاء فهم الذين يدفنون ويشردون ويجوعون ويكبرون قبل أوانهم بينما يستمر تجار الدين والدم في تسويق الحرب باعتبارها قدرا مقدسا لا يجوز الاقتراب منه لقد تحولت الحرب عند هؤلاء إلى شركة مساهمة يتوزعون فيها الأرباح بينما يتقاسم الشعب الخسائر وتحولت معاناة النازحين إلى أرقام وتحولت دموع الأمهات إلى خبر عابر وتحولت المدن المدمرة إلى مادة للمزايدات السياسية وتحول الإنسان السوداني إلى آخر بند في جدول الاهتمامات وفي الوقت الذي كان العالم يحتفل بهدف جميل كان السودان يبحث عن رغيف جميل وعن خبر جميل وعن صباح لا يحمل قائمة جديدة من الضحايا ولا موجة نزوح جديدة ولا مقبرة جديدة ليس المطلوب من العالم أن يتوقف عن الفرح ولا أن يغلق الملاعب ولا أن يعتذر عن متابعة الرياضة فالحياة يجب أن تستمر ولكن المطلوب ألا تصبح المآسي الإنسانية مجرد هامش في نشرات الأخبار وألا يصبح موت السودانيين حدثا عاديا لا يستحق إلا دقائق قليلة ثم يعود الجميع إلى مبارياتهم وبرامجهم أما رسالتنا إلى الذين يصرون على استمرار هذه الحرب فهي أن الأوطان لا تبنى بالبنادق وحدها ولا تحفظ بالشعارات ولا تحمى بخطابات الكراهية وأن التاريخ لا يمنح المجد لمن أطال الحروب وإنما لمن امتلك الشجاعة لإنهائها وأن كل يوم تستمر فيه هذه المأساة يضيف صفحة جديدة من الألم لن يستطيع أحد تمزيقها مهما حاول سيأتي اليوم الذي تنطلق فيه صافرة النهاية شاء تجار الدم أم أبوا لأن إرادة الشعوب أقوى من مشاريع الخراب ولأن السلام ليس هزيمة لأحد بل هو انتصار للحياة ولأن السودان يستحق أن يعود وطنا يتسع لجميع أبنائه لا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات ولا سوقا لتجار الحروب ولا منصة لمن يتاجرون بالدين والدم العالم احتفل بتتويج بطل جديد في كرة القدم أما نحن فما زلنا ننتظر اليوم الذي نحتفل فيه بتتويج السودان بالسلام لأنه الكأس الوحيد الذي إذا رفعه السودانيون فسيكون جميع أبناء الوطن هم الفائزين نواصل بمشيئة الله بتاريخ 20/يوليو /2026 شارك تصفّح المقالات لماذا ينشط الآن جهازُ مناعتنا الحضاري؟! تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.