بقلم: آدم الحاج أديب..يكتب بين الماضي والحاضر والمستقبل تقف مجتمعات الهامش في السودان أمام سؤال تاريخي كبير: هل تبقى أسيرة جراح الماضي وتراكماته، أم تحول تلك التجارب إلى طاقة لبناء مستقبل مختلف؟ إن عبارة “شيءٌ من حتى” تحمل دلالة عميقة؛ فهي تعبر عن حالة انتظار طويلة بين واقع لم يكتمل، وحلم لم يتحقق، ومسافة تفصل المجتمعات عن لحظة التأسيس الحقيقي. فالتأسيس ليس مجرد تغيير سياسي أو انتقال سلطة، وإنما هو إعادة بناء علاقة الدولة بالمجتمع، وإعادة تعريف المواطنة والهوية والعدالة. الهامش: جغرافيا أم نتيجة تاريخية؟ إن اختزال مناطق مثل دارفور وكردفان في مفهوم “الهامش” يمثل قراءة ناقصة للأزمة؛ فالهامش ليس موقعًا جغرافيًا فقط، بل هو نتيجة تاريخية لاختلالات في إدارة الدولة، وفي توزيع السلطة والثروة، وفي الاعتراف بالتنوع الاجتماعي والثقافي. فالمشكلة لم تكن يومًا في تعدد مكونات السودان، فالتنوع يمثل ثروة حضارية، وإنما المشكلة في غياب المشروع الوطني القادر على إدارة هذا التنوع وتحويله إلى مصدر قوة. لقد أدى ضعف الدولة الحديثة إلى أن تبحث المجتمعات عن وسائل حماية بديلة، فبرزت الروابط المحلية والقبلية والمناطقية باعتبارها أطرًا اجتماعية للتماسك، لكنها تحولت أحيانًا من أدوات تضامن إلى أدوات صراع عندما دخلت دائرة التنافس السياسي والعسكري. العصبية الخلدونية بين البناء والهدم قدم ابن خلدون في مقدمته مفهوم “العصبية” باعتبارها قوة التضامن التي تقوم عليها نشأة الدول. والعصبية في جوهرها ليست أمرًا سلبيًا، فهي تعبر عن قدرة الجماعة على التماسك والدفاع عن وجودها. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول العصبية من رابطة اجتماعية إلى تعصب سياسي، ومن وسيلة للتعاون إلى أداة للإقصاء. فالمجتمعات لا تعاني من وجود الهويات، بل من تحويل الهويات إلى مشاريع مواجهة. والمطلوب ليس إلغاء الانتماءات المحلية، فهذا يتعارض مع طبيعة الاجتماع البشري، وإنما إعادة توجيهها لتصبح جزءًا من مشروع الدولة. فالقبيلة والمنطقة والثقافة المحلية يمكن أن تكون جسورًا للتكامل الاجتماعي، لكنها تصبح خطرة عندما تحل محل الدولة وتصبح معيارًا للحقوق والواجبات. الاستقطاب وخطاب الكراهية: الحلقة التي تعيد إنتاج الأزمة من أخطر ما تواجهه مجتمعات الهامش اليوم حالة الاستقطاب والاستقطاب المضاد؛ حيث يرى كل طرف نفسه صاحب المظلومية المطلقة، ويرى الآخر مصدر الخطر. وهنا تتحول القضايا الحقيقية المتعلقة بالعدالة والتنمية والحقوق إلى صراع هويات، وتصبح الذاكرة التاريخية وقودًا لاستمرار الانقسام. إن معالجة هذه الحالة تبدأ بتفكيك خطاب الكراهية، لأنه ليس مجرد خطاب لغوي، بل هو مشروع لإعادة إنتاج الصراع. والخطوة الأولى هي التمييز بين الهوية الطبيعية والهوية الصراعية؛ فالهوية الطبيعية هي انتماء ثقافي واجتماعي يمنح الإنسان شعورًا بالجذور والانتماء، أما الهوية الصراعية فهي تحويل هذا الانتماء إلى وسيلة لإقصاء الآخرين. لذلك فإن بناء المستقبل يحتاج إلى: الاعتراف بالتنوع بدل محاولة إلغائه. بناء خطاب وطني يجعل المواطنة مظلة جامعة لكل الهويات. مراجعة الذاكرة التاريخية بصورة تحقق العدالة دون تحويل الماضي إلى انتقام دائم. تجفيف مصادر الكراهية عبر معالجة الفقر والتهميش وضعف التعليم وغياب العدالة. من الأزمة إلى التأسيس: كيف نعبر؟ إن عبور هذه المرحلة لا يكون بالشعارات، بل بإجراءات عملية تعيد بناء الثقة بين المجتمع والدولة. أولًا: إعادة تعريف الدولة فالدولة الحديثة ليست أداة للسيطرة، وإنما عقد اجتماعي يضمن الحقوق المتساوية لجميع المواطنين، ويجعل الانتماء الوطني أعلى من الانتماءات الفرعية. ثانيًا: تحقيق التنمية العادلة لا يمكن بناء سلام دائم في مناطق ظلت عقودًا تعاني من ضعف الخدمات وغياب الفرص. فالتنمية ليست مشروعًا اقتصاديًا فقط، بل هي مشروع استقرار اجتماعي وسياسي. ثالثًا: إصلاح الإدارة الأهلية فالإدارة الأهلية تمثل جزءًا مهمًا من النسيج الاجتماعي، لكنها تحتاج إلى استعادة دورها في المصالحات وحفظ السلم بعيدًا عن الاستخدام السياسي الذي أضعف استقلاليتها. رابعًا: بناء نخبة جديدة فالأزمات لا تُحل فقط بتغيير القيادات، وإنما بإنتاج وعي جديد ونخب تمتلك القدرة على تحويل المظالم إلى مشاريع بناء. خامسًا: الانتقال من سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال: كيف نحكم؟ لأن أزمة السودان ليست أزمة سلطة فقط، بل أزمة نموذج حكم وإدارة للتنوع. خاتمة: من انتظار التأسيس إلى صناعة المستقبل بين الماضي والحاضر والمستقبل تقف مجتمعات الهامش أمام لحظة تاريخية لا تحتمل المزيد من التأجيل. فـ”شيءٌ من حتى” يجب ألا يكون عنوانًا لاستمرار الانتظار، بل دعوة للانتقال من وصف الأزمة إلى صناعة الحل. إن الطريق نحو التأسيس يبدأ بإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وتجريم خطاب الكراهية، وإطلاق مشروع وطني للمصالحة لا يقوم على إلغاء طرف أو انتصار طرف، بل على الاعتراف المتبادل والعدالة. فالمجتمعات التي تحمل جراح الماضي تحتاج إلى مصالحة مع ذاتها قبل أن تبحث عن مصالحة مع الآخرين، وتحتاج إلى تحرير الوعي من ثقافة التخوين والإقصاء. إن دارفور وكردفان وبقية مناطق السودان ليست مشكلة تحتاج إلى إدارة، بل مجتمعات حية تحتاج إلى دولة عادلة تعترف بها وتستثمر طاقاتها. فالتأسيس الحقيقي يبدأ عندما يصبح السؤال: كيف نبني وطنًا لا يحتاج فيه أي مكون إلى الخوف من الآخر حتى يشعر بالأمان؟ فالدول لا تنهض عندما تتوقف الحروب فقط، وإنما عندما تنتهي الأسباب التي صنعت الحروب. ومن هنا تبدأ الرحلة: من الماضي، عبر الحاضر، نحو مستقبل يستحق أن يُبنى. مركز شركاء التغيير والمستقبل للدراسات الإستراتيجية شارك تصفّح المقالات تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.