الجميل الفاضل….. يكتب دعوني أحلق خارج الطقس قليلاً، ريثما أطرد ذبابة النوم عن جفني، لأكتشف الحقيقة. فثمة حقائق لا تُرى إلا حين يغفو الضجيج، ولا تُكتب إلا إذا تراجع الكاتب خطوةً ليتقدم القلم. في تلك اللحظة وحدها، تنفرط الحدود بين الحرف وصاحبه، لأشعر أن الكلمات لا تخرج مني، لكنها تنبت فيَّ كما ينبت العشب بعد أول مطر. كأني لا أمشي، بل أطير، وأصير غيري في التجلِّي، فأنا لست أنا، وقلمي ليس قلمي. إذ في حضرة معراج الكتابة، لا أكتبُ، بل أُكتَبُ. قبل أن أصبح ظلًّا خفيفًا لذلك السرّ نفسه، الذي اختار أن يسكبني حبرًا على الورق. على أيّة حال، من هنا يبدأ سفرٌ لا تقوده الذاكرة، لكن يقوده حنينٌ قديم إلى شيء سبق، يجعلني على يقين أن هذه الأرض لم تبدأ معنا، ولن تنتهي بنا. وأننا لسنا أبناء هذه اللحظة وحدها، إنما نحن أبناء تاريخٍ تقاسم الأنبياء والأولياء صفحاته، وتركوا علي ثراه آثار أقدامهم، ثم مضوا، بينما بقي الأثر يواصل المشي بيننا وفينا كدبيب النمل. للحقيقة، ما كان السودان يومًا مجرد رقعة جغرافية تمددت بين صحراء وسافانا، ولا مجرد نهرين يلتقيان ثم يمضيان متعانقين إلى مصبّ بعيد. لقد كان السودان، منذ فجر البشرية، مختبرًا للروح، ومستودعاً لأسرارٍ لم تُفض، وصندوق بريد تتبادل عبره الأرض والسماء رسائل القدر. ولذلك لم يسمه القدماء أرضًا كسائر الأرض. لقد رأى فيه المصريون القدماء «تا نتر».. أي أرض الأرواح. ورأى فيه الإغريق موطنًا تقصده آلهتهم كلما اشتاقت إلى الصفاء. ولم تكن تلك الأساطير ـ في حقيقتها ـ سوى لغة أخرى لوصف حقيقة استعصت على «البرهان»، لكنها بقيت حاضرة في الوجدان. فبعض الأماكن لا تُعرفها الخرائط.. لكن تألفها الأرواح. فحين تتبع خيوط الرسالات، نشعر أن الطريق الي السماء كان كلّه يمرّ من هنا. هنا، حيث هذا البرزخ الذي لا يجمع نهرين أو بحرين (بكلام أهل السودان)، وإنما يجمع ظاهر الأشياء بباطنها. فإن مجمع هذين البحرين أضحى موضعًا للقاء الشريعة بالحقيقة، وللقاء الإنسان بنفسه الأخري، السادسة أو السابعة. هنا كأن موسى لم يكن يبحث عن الخضر وحده.. بل كان يبحث عن النقطة التي تتصالح فيها قوانين المادة مع أسرار الغيب كلّها. ومن بعده جاء النبي إشعياء، تاركًا ثياب العالم خلف ظهره، ليمشي حافيًا عاريًا ثلاث سنين على أرض السودان، لا لأن هذه الأرض أوجعته، لكن لأن الروح حين تثقل باليقين، تخفّ حتى عن حمل أثوابها. عمومًا، منذ ذلك اليوم، ظل السودان يعرف رجالًا يسيرون حفاة، لا لأنهم فقراء، لكن لأن الطريق إلى الله لا تُقاس فيه المسافات بالأقدام، وإنما بمقدار ما يخلعه القلب من أثقال. ولذلك لم يكن الخضر في الوجدان السوداني مجرد شخصية تاريخية، إنما هو اسم آخر لحضور خفيّ اللطف المشاع في هذا المكان. ولِعلمٍ مكنونٍ في الصدور لا يُقرأ في سطور الكتب. وكذلك للنور الذي يستتر في هيئة مسكين، أو درويش، أو عابر سبيل. ولهذه العلة ربما ظل السوداني يوقر الغريب، ويكرم الضعيف، ويخشى أن يردّ سائلًا؛ لأنه لا يدري في أي صورة سيمرّ به الخضر. هي ليست خرافة.. لكنها دربة باطنية خاصة اكتسبها أهل السودان، تدل على أن الله كثيرًا ما يخبئ أنواره في المواضع التي يحتقرها الناس. ثم تسللت هذه الشفافية إلى الأدب. فإذا الطيب صالح لا يكتب عن قرية، لكن يكتب عن طبقات من الغيب تتجلى في هيئة بشر. وإذا «الحنين» في عرس الزين ليس إلا ظلًّا آخر لهذا الخضر نفسه. وإذا الزمن في بندر شاه ومريود لا يسير إلى الأمام، لكنه يدور في حلقات حول ذات تلك الذاكرة المدهشة. أما شعراء السودان، فقد كانوا كلما ضاقت بهم الأرض، اتسعت لهم أبواب السماء. كأنهم كانوا يرون ما لا يراه سواهم، تفيض أبياتهم بالوجد، تتمرق في شجن لا يعرفه إلا من ذاق حرقة المعرفة. ثم جاء من منصة الفكر الأستاذ محمود محمد طه، ليعيد صياغة ذات السؤال القديم بلغة معاصرة. فرأى السودان نقطة التقاء أسباب الأرض بأسباب السماء. لا امتيازًا عرقيًّا، ولا اصطفاءً سياسيًّا.. إنما تكليفًا روحيًّا. إذ أن البلاد التي تتوسط الجغرافيا قد يُكتب عليها أن تتوسط التاريخ أيضاً. وكذا فإن من يتوسط الطرق.. لا بد أن يتحمل ثقل أقدام العابرين. ولهذا ظل العارفون يتداولون حديثًا عجيبًا عن أبواب على الأرض للسماء. يقولون: هي بابان في الحجاز، وثالث في بيت المقدس، وأربعة أبواب أُودعت أمانة في السودان.. عند البركل، والمقرن، وجبل مرة، وتوتيل. لكن سواء حمل المرء هذا المأثور على ظاهره أو على رمزيته، فإنه يكشف عن حقيقة واحدة: أن الوعي السوداني القديم لم يرَ الجبال مجرد صخور، بل رآها مراقي للروح. بيد أن الأرض التي تجمع الأضداد، قد تتحول ـ إذا غاب الوعي ـ إلى ساحة صراع لهذه الأضداد ذاتها، وهنا لا أزيد. كي أهبط رويدًا رويدًا من معراج هذه الكتابة المرهقة. لا أحمل يقينًا جديدًا، إنما أحمل دهشة أعمق. ألتفت إلى الورق فوجدته قد امتلأ، بينما يتملكني شعور أنني لم أكتب الي الآن شيئًا مما أريد. وكأن الكلمات لم تكن إلا ظلالًا لسرّ أكبر من لغتي. إذن دعوني أغسل وجهي بشيء من ماء الغيب، كي أستريح قليلاً خلف كثبان الرمال أو تحت ظلال الجبال. موقنًا أن الأنبياء لا يغادرون الأرض التي مروا بها حقًّا، إنما يتركون فوقها طبقات من النور، يراها فقط من خفّف عن قلبه غبار الأكوان وأشباح الأغيار. شارك تصفّح المقالات بين الماضي والحاضر والمستقبل: شيءٌ من حتى التأسيس حيطة جنوب السودان ليست قصيرة… إنما هو حُسن الخُلُق