إيهاب مادبو….يكتب عندما تطول الحروب، لاتبقى خطوط النار وحدها مسرحا للصراع، بل تنتقل المعركة إلى داخل غرف القرار، وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم داخل الجيش، حيث لم يعد الخلاف يدور حول إدارة العمليات العسكرية فحسب، وإنما حول سؤال أكبر: هل تستمر الحرب حتي الحسم العسكري، أم يفتح باب التفاوض لإنقاذ ما تبقى من الدولة؟ وسط هذا المشهد، يتقدم شمس الدين الكباشي بخطوات محسوبة نحو مركز الثقل، فمنذ ظهوره في مسار المنامة، ثم لقائه بالمبعوث الأمريكي مسعد بولس بالقاهرة، وصولا إلى الدعوة الرسمية لزيارة واشنطن، أخذت صورته تتغير من قائد ميداني إلى شخصية ينظر إليها باعتبارها جسرا محتملا بين الجيش والمجتمع الدولي. قد لاتكون تلك التحركات إعلانا عن انتقال القيادة، لكنها تحمل رسالة سياسية واضحة،إن المجتمع الدولي اصبح يبحث داخل الجيش عن شريك يستطيع إنهاء الحرب، لا عن قائد يطيل أمدها. وفي المقابل، يقف تيار الحسم العسكري، و”بل بس” الذي يرى أن أي تفاوض يمثل تراجعا عن أهداف الحرب. وينظر إلى الفريق أول ياسر العطا بوصفه أحد أبرز وجوه هذا التيار، مستندا إلى تحالفات سياسية وشبكات نفوذ داخل الجيش، وإلى قوى تعتبر أن استمرار الحرب يخدم مشروعها السياسي والإجتماعي أكثر مما يخدم بقاء الدولة نفسها. وهنا تبرز المعضلة الحقيقية، فإذا كان الكباشي يطمح إلى لعب دور قائد المرحلة المقبلة، فلن يكون التحدي الأول هو البرهان، بل تفكيك مراكز النفوذ التي جعلت القرار العسكري أسيراً لتوازنات سياسية وإجتماعية تراكمت على مدى عقود. فالدولة لا يمكن أن تستعيد عافيتها إذا بقي قرارها الاستراتيجي رهينة لتيارات تتعامل مع الحرب باعتبارها وسيلة لإعادة إنتاج السلطة. وعليه فإذا كان الكباشي يمتلك بالفعل نفوذاً مؤثراً داخل الجيش، ويحظى كذلك بقبول متزايد لدى الأطراف الدولية، فإن ذلك يضعه أمام مسؤولية تاريخية لا تحتمل التردد. فالفرصة قد لا تتكرر، والتاريخ لا يمنح القادة كثيراً من المحاولات. إن إنقاذ السودان اليوم لا يحتاج إلى قائد يكسب حرباً، بل إلى قائد يوقف حرباً، ويحمي ما تبقى من الدولة، ويفتح الطريق أمام عملية سياسية تعيد السلطة إلى المدنيين عبر توافق وطني واسع. ويبقى السؤال: هل يملك الكباشي الشجاعة السياسية للانتقال من موقع الشريك في إدارة الأزمة إلى موقع المبادر بحلها؟ الإجابة ستحدد ليس فقط مستقبل الرجل، وإنما ربما مستقبل السودان نفسه. شارك تصفّح المقالات الازمة السودانية: الحرب والعودة الطوعية والاعتقالات .. لايستقيم الظل والعود اعوج