عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ..يكتب لم يعد السودان دولة تمر بأزمة إنسانية بل أصبح هو التعريف الكامل للأزمة الإنسانية في هذا العصر لم يعد خبرا عابرا في نشرات الأخبار ولا رقما يضاف إلى تقارير المنظمات الدولية بل أصبح وطنا ينهار أمام أنظار العالم بينما تستمر الحرب في حصد الأرواح وتدمير كل ما تبقى من مقومات الحياة منذ اندلاع الحرب في ١٥ من أبريل عام ٢٠٢٣ لم يعد المواطن السوداني يسأل عن المستقبل وإنما أصبح يبحث عن وسيلة ينجو بها من الحاضر فالخوف يطارده والجوع يحاصره والنزوح يطارده والموت ينتظره في الطريق وفي المنزل وفي المستشفى وفي المدرسة ولم يعد هناك مكان يمكن أن يسمى آمنا لأن الحرب عندما تبدأ في قتل الإنسان فإنها لا تكتفي بجسده وإنما تقتل معه الكرامة والأمل والاقتصاد والتعليم والصحة وسيادة القانون القانون الدولي الإنساني وقواعد حقوق الإنسان تفرض على كل سلطة تحمل السلاح أو تدعي إدارة الدولة أن تجعل حماية المدنيين واجبا لا يقبل التأجيل وأن تمنع استهدافهم وأن توفر لهم الغذاء والدواء والمأوى وأن تفتح الممرات الإنسانية وأن تلتزم بمبدأ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية لكن الواقع السوداني يقدم صورة معاكسة تماما حيث أصبح المدني هو الضحية الأولى وأصبح النزوح هو القاعدة وأصبحت المجاعة حقيقة لا يمكن إنكارها وأصبحت المدن ساحات حرب والمستشفيات أهدافا والمدارس أماكن مهجورة أو ملاجئ للنازحين ومن يدعي اليوم أنه يحمل السلاح دفاعا عن الشعب عليه قبل أي حديث عن الوطنية أو الشرعية أو الكرامة أن يوقف الحرب أولا لأن حماية الإنسان لا تبدأ بالبيانات ولا بالشعارات ولا بالخطب وإنما تبدأ بإسكات صوت الرصاص فمن المستحيل أن يدعي أحد حماية الشعب بينما الشعب يقتل كل يوم ومن المستحيل أن يتحدث أحد عن إنقاذ الوطن بينما الوطن ينزف أمام الجميع ومن المستحيل أن ترفع راية الدفاع عن المواطنين بينما المواطن يبحث عن كسرة خبز وعن جرعة دواء وعن مكان يدفن فيه أبناءه لقد تحولت حياة السوداني إلى رحلة يومية بين الجوع والخوف وأصبح السؤال الذي يطرحه الأطفال على آبائهم ليس متى نعود إلى المدرسة وإنما هل سنأكل اليوم وأصبحت الأم تخير بين شراء الدواء أو شراء الخبز وأصبح الأب يقف عاجزا أمام أسرته بعدما فقد عمله ومنزله وأمنه ولم تعد المعاناة استثناء وإنما أصبحت أسلوب حياة فرضته الحرب على ملايين الأبرياء أما الاقتصاد فقد تحول إلى شاهد جديد على الكارثة فالأسعار ترتفع بلا سقف والعملة الوطنية تتراجع بلا نهاية والأسواق تزداد فراغا والقدرة الشرائية تتآكل يوما بعد يوم بينما تتسع تجارة السلاح ويزدهر سوق الدولار ويصبح الفقر هو القاسم المشترك بين أغلبية السودانيين وكأن الحرب لم تكتف بإطلاق الرصاص بل قررت أن تطلق أيضا رصاص الغلاء والجوع على كل بيت وفي الوقت الذي يتحدث فية تجار الدين والدم عن الانتصارات لا يجد المواطن أي انتصار سوى بقائه على قيد الحياة ليوم إضافي فالانتصار الحقيقي ليس السيطرة على مدينة ولا رفع علم فوق مبنى وإنما الانتصار الحقيقي هو حماية طفل من الموت وإنقاذ مريض من فقدان العلاج وإعادة نازح إلى منزله وفتح مدرسة وإحياء مستشفى وإعادة الحياة إلى الناس لقد أصبحت المفارقة في السودان أكثر قسوة من أن توصف فالمقابر تتوسع أسرع من المدارس وصفوف المعونات أطول من صفوف الطلاب وعدد النازحين يزداد بينما يتناقص عدد الذين يعيشون حياة طبيعية وأصبح لقب الشهيد أكثر انتشارا من لقب الخريج وأصبحت خيمة النزوح عنوانا لملايين الأسر بينما صار السلام أندر من كل السلع الموجودة في الأسواق ولم تعد المشكلة غياب الموارد لأن السودان من أغنى بلدان المنطقة بموارده الطبيعية وإنما أصبحت المشكلة غياب الإرادة السياسية التي تقدم الإنسان على البندقية وتقدم الوطن على المصالح الضيقة فكل يوم تستمر فيه الحرب يعني مزيدا من الأطفال خارج التعليم ومزيدا من الأسر بلا مأوى ومزيدا من المرضى بلا علاج ومزيدا من الأمهات اللاتي ينتظرن أبناء لن يعودوا إن استمرار هذه الحرب لا يمثل فشلا سياسيا فقط بل يمثل إخفاقا قانونيا وأخلاقيا وإنسانيا تتحمل مسؤوليته كل جهة تملك القدرة على وقف القتال ثم تختار استمرار إطلاق النار لأن أول واجب على من يدعي حماية الشعب أن يوقف الحرب وأول خطوة في حماية الوطن أن يعيد للمواطن حقه في الحياة فلا قيمة لأي خطاب سياسي إذا كان المواطن يموت ولا قيمة لأي حديث عن الوطنية إذا كانت الأوطان تبنى فوق أنقاض أهلها السودان لا يحتاج إلى مزيد من الخطب ولا إلى مزيد من الاتهامات المتبادلة ولا إلى مزيد من تبرير استمرار الحرب وإنما يحتاج إلى قرار شجاع يضع حياة الإنسان فوق كل اعتبار ويعيد الاعتبار للقانون وللدولة وللكرامة الإنسانية ويوقف نزيف الدم قبل أن يصبح الوطن كله مجرد ذكرى في كتب التاريخ إن أخطر ما يهدد السودان ليس الفقر ولا الجوع ولا النزوح وحدها وإنما الاعتياد على هذه المآسي حتى تصبح أمرا عاديا فالإنسان الذي يعتاد رؤية الموت كل يوم يفقد جزءا من إنسانيته والوطن الذي يعتاد الحرب يفقد مستقبله والدولة التي تعجز عن حماية شعبها تفقد أهم أسباب وجودها ولذلك فإن الطريق إلى حماية الشعب لا يبدأ بالسلاح وإنما بإيقاف السلاح ولا يبدأ بتوسيع ساحات القتال وإنما بتوسيع مساحات السلام ولا يبدأ بإصدار البيانات وإنما بإنقاذ الإنسان لأن الشعب السوداني لا يريد مزيدا من الوعود بل يريد أن يعيش ولا يريد مزيدا من الشعارات بل يريد وطنا آمنا ولا يريد أن يكرم بعد موته بل يريد أن تصان كرامته وهو على قيد الحياة فإذا كان الجميع يقول إنه يقاتل من أجل السودان فإن السودان يطالبهم جميعا بشيء واحد فقط أوقفوا الحرب أولا لأن من يعجز عن حماية حياة شعبه لا يملك حق الادعاء بأنه يقاتل من أجله. نواصل بمشيئة الله بتاريخ 28/يوليو /2026 شارك تصفّح المقالات يا سعادة اللواء أمن عبد الهادي.. لقد سقط الجدار وانكشف العوار حُرّاسُ بيتِ العنكبوت في مصيدة الأفول؟!