نفيسة حجر..تكتب لم يكن التسجيل الصوتي الصادر عن لواء أمن (م) عبد الهادي عبد الباسط مجرد حديث عابر أو نوبة غضب سياسية، بل جاء بمثابة اعتراف صريح يرفع الغطاء عن طريقة تفكير هذا التيار وتكتيكاته في إدارة أزماته. عندما يشن عبد الهادي هجوماً حاداً على القيادة العسكرية، ووزير المالية د. جبريل إبراهيم، والحلفاء السياسيين، ثم ينادي ببناء حلف دولي جديد مع روسيا والصين وتركيا لمواجهة العقوبات الأمريكية فهو في الحقيقة يُسقط كل حجج الدفاع التي ظل يطرحها معسكره، ويكشف عن عقيدة سياسية تقوم على أصل واحد وهو استخدام التحالفات كأدوات مؤقتة، والتخلي عنها فور انتهاء صلاحيتها. يتجلى هذا النهج بوضوح في النبرة الاستعلائية تجاه قيادات الحركات والقوى السياسية الموالية. فشهادة عبد الهادي تكشف أن هذا التيار يتعامل مع حلفائه كواجهات قام باستغلالها لإضفاء مشروعية مدنية على تحركاته بعد ثورة ديسمبر. واليوم، ومع اشتداد الضغوط الدولية وفرض العقوبات، يجري إبعاد هذه الشخصيات وتحميلها المسؤولية كاملة عن الفشل، في سلوك سياسي يتنكر لكل التفاهمات والعهود. وفي هذا السياق تحديداً، يأتي الهجوم المتكرر على وزير المالية جبريل إبراهيم؛ ليس من باب تقييم الأداء التنفيذي، بل لتحويله إلى “كبش فداء” يغطي على العجز المالي والإخفاق الدبلوماسي للنظام. أمّا على المستوى الدولي، فإن الدعوة لتأسيس تكتل موازٍ يضم قوى إقليمية، والتلويح بتقديم تسهيلات لقواعد عسكرية أو استقبال سفن نووية على البحر الأحمر، فتلك لغة تعكس عزلة حقيقية وجهلاً بأساسيات العلاقات الدولية وقوانين السيادة. إن التعامل مع موانئ البلاد ومياهها الإقليمية كورقة مساومة لتثبيت السلطة، هو مقامرة صريحة بالسيادة الوطنية، وتوريط للسودان في صراعات دولية ومخاطر أمنية لا طاقة للبلاد بها، لمجرد الالتفاف على عقوبات فرضت على أفراد وواجهات التنظيم الاسلاموي. والتطرق للهجوم على المؤسسة العسكرية يكشف تناقضاً آخر؛ فعندما ينتقد عبد الهادي قيادة الجيش ويتهمها بـ “المناورة والتخلي عن الحلفاء”، فهو يتناسى عمداً أن التغلغل التنظيمي داخل أجهزة الدولة والمؤسسة العسكرية على مدى ثلاثة عقود هو الذي قاد البلاد إلى هذا الانسداد. فالتوقيع على الوثيقة الدستورية في 2019 لم يكن رغبة حقيقية في تسليم السلطة للمدنيين، بل كان استراحة محارب ومناورة جرى الانقلاب عليها في 25 أكتوبر، وصولاً إلى صناعة الأزمة التي فجرت الحرب الراهنة. إن الخلاصة التي يقدمها هذا التسجيل للرأي العام المحلي والدولي تتلخص في حقيقة واحدة وهي ان الخلاف الراهن داخل هذا المعسكر ليس نزاعاً على مبادئ أو استعادة لسيادة القانون، بل هو صراع متأخر على النفوذ والمكاسب، يبدي فيه هذا التيار استعداده التام للتضحية بحلفائه وواجهاته المدنية والعسكرية، إذا ما اقتضت ترتيبات بقائه ذلك. شارك تصفّح المقالات نفاد فرص السلام… ولا عذر لمن أُنذر السودان تحت الأزمة الإنسانية