عمار سعيد … يكتب

ليست كل الجيوش التي تحمل السلاح متشابهة، وليست كل الحركات التي ترفع الشعارات مؤمنة بما تقول. فهناك من يقاتل لأنه يحمل قضية، وهناك من يقاتل لأنه يحمل راتباً. هناك من يرى في المعركة امتداداً لعقيدته وهويته ومستقبله، وهناك من يراها سوقاً مفتوحةً للمناصب والأموال والضمانات.

ومن هنا تحديداً يمكن فهم واحدة من أكبر المعضلات التي واجهت السعودية في اليمن: لماذا فشلت، رغم أموالها الهائلة ونفوذها الإقليمي وشبكة علاقاتها القبلية والسياسية، في شراء ولاءات مؤثرة داخل جماعة الحوثيين وإحداث تصدعات حقيقية في بنيتها؟

ولماذا، في المقابل، تبدو بعض القيادات داخل تشكيلات عسكرية أخرى، ومنها قوات الدعم السريع، أكثر قابلية للاستقطاب والانشقاق وتغيير المواقف؟

الإجابة ليست في حجم المال المدفوع، بل في نوع الرجال الذين يُعرض عليهم المال، وطبيعة التنظيم الذي خرجوا منه، وقوة الفكرة التي تسكن عقولهم.

السعودية أخطأت في فهم الحوثيين

دخلت السعودية إلى الحرب اليمنية وهي تحمل خبرتها القديمة في إدارة النخب اليمنية: المال للشيوخ، والمناصب للسياسيين، والامتيازات للضباط، والوعود لمن يفكر في تغيير موقعه.

كان الاعتقاد السائد أن الحوثيين ليسوا سوى جماعة قبلية مسلحة يمكن تفكيكها بالطريقة نفسها التي جرى بها احتواء كثير من القوى اليمنية طوال عقود.

لكن الرياض اكتشفت متأخرة أنها لم تكن تواجه مجموعة من شيوخ القبائل الباحثين عن المخصصات، بل تنظيماً بنى نفسه عبر سنوات من الحروب والمظلومية والتعبئة والانضباط الأمني والعقائدي.

الحوثيون لم يتركوا ولاء مقاتليهم معلقاً في الهواء، ولم يسمحوا للقائد الميداني بأن يتحول إلى مركز قوة مستقل يستطيع أن يحمل رجاله وينتقل بهم إلى الجهة التي تدفع أكثر.

لقد بنوا تنظيماً يتحكم في السلاح، والمال، والمعلومات، والتعيينات، والقبائل، والخطاب الديني والسياسي. ولذلك أصبح القائد جزءاً من المنظومة، لا مالكاً لها.

وهنا فشلت السعودية.

لقد حاولت شراء الأفراد، بينما كان الحوثيون قد سحبوا من الأفراد القدرة على بيع التنظيم.

العقيدة لا تلغي المصالح… لكنها تحاصرها

ليس المقصود أن جميع الحوثيين أنقياء عقائدياً، أو أن تنظيمهم لا يعرف الفساد والمصالح والصراعات الداخلية. هذا كلام لا يصمد أمام الواقع.

لكن الفارق أن المصلحة داخل التنظيم الحوثي تتحرك تحت سقف العقيدة والانضباط والخوف والرقابة، وليست بديلاً عنها.

الحوثي قد يحصل على المال أو السلطة، لكنه يتلقى في الوقت نفسه خطاباً متصلاً يخبره بأنه يخوض معركة وجودية ضد الهيمنة الخارجية، وأن انشقاقه ليس مجرد انتقال سياسي، وإنما خيانة للدين والهوية والوطن والجماعة.

وقد أسهمت الحرب السعودية نفسها في ترسيخ هذه الرواية.

فكل غارة جوية، وكل حصار، وكل ضحية مدنية، تحولت في الخطاب الحوثي إلى دليل جديد على أن الجماعة تقاتل عدواً خارجياً يريد إخضاع اليمن.

وهكذا، بدلاً من أن تؤدي الحرب إلى تفكيك الحوثيين، منحتهم مادةً سياسيةً وعاطفيةً ودعائيةً لبناء مزيد من التماسك.

لقد أرادت السعودية أن تحاصرهم عسكرياً، فإذا بها تساعدهم على تحصين أنفسهم فكرياً.

المال يشتري صاحب المصلحة… لكنه يعجز أمام صاحب القضية

هذه هي الحقيقة التي لم تفهمها الرياض مبكراً: المال قادر على شراء قائد يبحث عن منصب، لكنه أعجز من أن يشتري إنساناً يعتقد أن تراجعه خيانة لتاريخه وأسرته وعقيدته.

يمكنك أن تشتري موقفاً، لكنك لا تستطيع بسهولة شراء ذاكرة جماعية.

يمكنك أن تستميل قائداً، لكنك لا تستطيع أن تحمل معه تنظيماً كاملاً إذا كان رجاله مرتبطين بالمشروع أكثر من ارتباطهم بشخصه.

ولهذا لم تشهد جماعة الحوثيين انهيارات داخلية واسعة بالمستوى الذي كان متوقعاً، رغم سنوات الحرب والضغوط والعقوبات والإغراءات.

لقد خسرت الجماعة قيادات وأفراداً، ودخلت في خلافات وصراعات، لكنها لم تتفكك، لأن بنيتها لم تكن قائمة على ولاء شخصي بسيط يمكن تبديله بعرض مالي أكبر.

وماذا عن الدعم السريع؟

في السودان، هناك معلومات وتحليلات ومؤشرات حول محاولات إقليمية لاستقطاب بعض قيادات قوات الدعم السريع، ويُشار في هذا السياق إلى النور القبة وعلي رزق الله (السافنا ) وغيرهما.

المعلومات حتى الآن، والأدلة ليست قاطعة والتي تثبت أن السعودية اشترت ولاء هذين القائدين ولكن عندما ننظر لحجم الترويج الاعلامي الكثيف لبعض المؤسسات التابعة للسعودية التي تتناول موضوع الانشقاقات يتضح بان هناك صفقة ما

لكن مع كل ذلك لا يلغي السؤال الأخطر:

لماذا أصبح بعض القادة قابلين للانشقاق والاستقطاب أصلاً؟

هذه هي القضية التي يجب ألا تضيع وسط الصراخ الإعلامي وتبادل الاتهامات.

فالاختراق الخارجي لا يصنع الشقوق من العدم. هو يدخل دائماً من شق موجود سلفاً.

حين يضعف الإيمان بالمشروع، ويتقدم الطموح الشخصي على الهدف العام، وتتحول القيادة العسكرية إلى مراكز نفوذ منفصلة، يصبح المال مجرد يد تدفع باباً كان مفتوحاً أصلاً.

الدعم السريع بين المظلومية الحقيقية والهشاشة التنظيمية

لا يمكن إنكار أن جزءاً كبيرا جدا من البيئة الاجتماعية والسياسية التي خرج منها الدعم السريع يحمل مظالم تاريخية حقيقية مرتبطة بالتهميش، واحتكار السلطة والثروة، وسيطرة نخب المركز على الدولة، واستخدام أبناء الأقاليم وقوداً للحروب دون منحهم حقوقاً متساوية.

لكن عدالة المظلمة لا تعني بالضرورة قوة التنظيم الذي يحملها.

فقد تكون القضية عادلة، لكن حاملها ضعيف.

وقد تكون المطالب مشروعة، لكن القيادة السياسية عاجزة عن تحويلها إلى فكر سياسي منظم ومؤسسات ثابتة وثقافة داخلية راسخة.

وهنا تكمن المشكلة.

لقد توسعت القوة عسكرياً بسرعة أكبر من تطورها الفكري والسياسي. ودخل إليها قادة ومقاتلون بدوافع مختلفة: القبيلة، والمصلحة، والراتب، والحماية، والانتقام، والنفوذ المحلي، والخصومة مع المركز، أو الإيمان بمشروع التغيير.

وهذا التنوع قد يمنح القوة أعداداً كبيرة، لكنه لا يمنحها بالضرورة وحدةً داخليةً متينة.

فالتنظيم الذي يجمع آلاف الرجال دون أن يزرع فيهم فهماً موحداً للمشروع الذي يقاتلون من أجله، يظل تجمعاً عسكرياً ضخماً، لا حركةً محصنةً ضد الاختراق.

القائد الذي يملك الرجال أخطر من المؤسسة التي تملك القائد

في التنظيمات الهشة، لا يكون المقاتل موالياً للمؤسسة، وإنما للقائد المباشر. والقائد المباشر بدوره لا يكون مرتبطاً بالمشروع، وإنما بحساباته ومكانته ونصيبه من السلطة.

وهنا يصبح كل قائد مشروع انشقاق قائم بذاته.

يكفي أن يشعر بأنه مهمّش، أو أن مستقبله مهدد، أو أن الطرف الآخر قد ينتصر، أو أن هناك عرضاً أفضل، حتى يبدأ في مراجعة ولائه.

وعندما تكون القوة مرتبطة به شخصياً، فقد يحاول حمل جزء منها معه كما فعل النور القبة

هذا ما يجعل بناء المؤسسات مسألة حياة أو موت، لا ترفاً إدارياً.

الحوثيون، رغم كل ما يمكن أن يقال عنهم، نجحوا إلى حد بعيد في جعل التنظيم أكبر من القائد.

أما حين يصبح القائد أكبر من التنظيم، فإن سقوطه أو انشقاقه يتحول إلى زلزال.

السعودية لم تنتصر على الحوثيين لأنها اشترت خصومهم

استطاعت السعودية شراء مواقف كثيرة داخل اليمن، واستقطبت شيوخاً وضباطاً وقيادات سياسية وقبلية، لكنها لم تستطع تحويل تلك المشتريات إلى نصر استراتيجي.

لقد اشترت أشخاصاً، لكنها لم تشترِ مجتمعاً.

استقطبت قيادات، لكنها لم تبنِ بديلاً يمتلك الفكرة والتنظيم والقدرة على الصمود.

وهذه واحدة من أكثر مشكلات السياسة السعودية تكراراً في المنطقة: الرهان على الأشخاص بدلاً من المجتمعات، وعلى المال بدلاً من السياسة، وعلى العلاقات الخاصة بدلاً من المؤسسات.

فالأنظمة تستطيع شراء الصمت، لكنها لا تستطيع بالضرورة صناعة الشرعية.

وتستطيع شراء قائد عسكري، لكنها لا تستطيع من خلاله صناعة جيش مؤمن بقضية.

وتستطيع شراء مؤتمر صحفي، لكنها لا تستطيع شراء التاريخ.

الخطر ليس في النور القبة أو السافنا وحدهما

من الخطأ اختزال القضية في أسماء بعينها.

فالنور القبة والسافنا، مهما كان قل او كبر حجم تأثيرهما، ليسا أصل المشكلة. هما قد يكونان مجرد عرض لمرض أعمق.

المرض الحقيقي هو ضعف البناء الفكري، وهشاشة المؤسسات، وارتباط الوحدات بالأشخاص، وغياب النظام الواضح للمحاسبة والترقية وتوزيع الموارد واتخاذ القرار.

فإذا لم يُعالج هذا الخلل، فلن يكون السؤال: من سينشق؟

بل: من التالي؟

ولا يمكن مواجهة الاختراق بإصدار بيانات التخوين وحدها، ولا بمراقبة القادة، ولا بإغراقهم في الأموال والامتيازات.

فالولاء الذي يحتاج إلى المال كل يوم حتى يستمر، ليس ولاءً، بل عقد إيجار مؤقت.

تحالف تأسيس أمام اختبار بناء الفكرة

إذا أراد تحالف السودان التأسيسي أن يكون مشروعاً تاريخياً حقيقياً، لا مجرد تحالف فرضته ظروف الحرب، فعليه أن يدرك أن القوة العسكرية وحدها لا تبني دولة، وأن المظلومية وحدها لا تصنع تنظيماً، وأن العداء للمركز وحده لا يكفي لبناء مستقبل.

المطلوب هو تحويل شعارات إنهاء دولة 1956، والمساواة، وإعادة تأسيس الدولة، ومعالجة اختلالات السلطة والثروة، إلى عقيدة سياسية وطنية واضحة تصل إلى المقاتل والقائد والمواطن.

ينبغي أن يعرف كل فرد داخل هذا المشروع لماذا يقاتل، وما الدولة التي يريد بناءها، وما حقوق الآخرين فيها، وما الحدود الأخلاقية والقانونية التي لا يجوز له تجاوزها.

فمن لا يعرف لماذا يقاتل، سيقاتل غداً مع من يدفع له أكثر.

ومن لا يؤمن بالمشروع، سيبيعه عند أول منعطف.

ومن يرى التنظيم طريقاً إلى المنصب، سيغادره عندما يجد طريقاً أقصر.

الحركات لا تسقط حين تخسر المعركة… بل حين تفقد المعنى

قد تنجح السعودية أو غيرها في استقطاب قائد من هنا، وشراء موقف من هناك، وإغراء شخصية تبحث عن مخرج أو منصب أو حماية.

لكن هذه النجاحات لا تعني شيئاً إذا كان التنظيم المستهدف يمتلك عقيدةً ومؤسساتٍ ومشروعاً يتجاوز الأشخاص.

وفي المقابل، قد يمتلك تنظيم ما عشرات الآلاف من المقاتلين ومئات العربات والسلاح والنفوذ، لكنه ينهار من الداخل لأن رجاله لا يجتمعون حول فكرة، وإنما حول مصالح مؤقتة.

لقد فشلت السعودية في إسقاط الحوثيين لأنها ظنت أن كل رجل له ثمن، ولم تدرك أن بعض الرجال قد يقاتلون من أجل فكرة يعتقدون أنها أثمن من المال.

أما الدرس السوداني، فهو أكثر قسوة ووضوحاً:

من لم يبنِ مشروعه داخل عقول رجاله، سيأتي الآخرون ويبنون مصالحهم داخل جيوبه.

والحركة التي لا تحصّن نفسها بالفكر والمؤسسات والعدالة الداخلية، لن تحتاج إلى جيش يهزمها؛ يكفيها سمسار ماهر، وحقيبة أموال، وعدد من القادة الذين لم يؤمنوا يوماً بالقضية التي كانوا يرفعون راياتها.

فالعقائد لا تُشترى، أما الولاءات المصنوعة من الطمع والخوف والمصالح، فإنها لا تنتظر سوى السعر المناسب.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *