نفيسة حجر..تكتب حتى يستبين المشهد أمامنا فلنعد بذاكرتنا إلى الوراء ونستدعي تلك المادة التوعوية التي كان يبثها التلفزيون القومي للتحذير من الثالوث الفتاك لأمراض الطفولة فكما أدركنا حينها خطورة ذلك الثالوث على أجساد أطفالنا نجد أنفسنا اليوم أمام وباء سياسي أشد شراسة أصاب الدولة بالشلل عبر اتخاذ القبيلة أداةً للصراع وخنق فضاءها المدني بلغة السلاح والعسكرة وحرمان الناس من حقهم في المساواة بجعل التفرقة سياسة دول. وكما لا تعالج الأوبئة بالمسكنات فإن الشفاء الوطني لن يتحقق بالحلول الترقيعية بل بالتحصين الشامل عبر دولة المواطنة وسيادة القانون. إن حرب 15 أبريل التي نعرفها جميعاً لم تكن مجرد حادث عابر ولا قتالاً فجائياً نشأ في لحظة غضب بين قادة عسكريين بل كانت النتيجة الطبيعية لمسار طويل من تفكيك الدولة وتخريب أركانها من الجذور وهو المسار الذي بلغ ذروته خلال ثلاثة عقود من حكم الشمولية والسلاح عبر هذا الثالوث القاتل. إن قراءة مأساة بلدنا تتطلب شجاعة في تسمية الأشياء بأسمائها فالشعب السوداني الصابر لم يكن يوماً طرفاً في صناعة هذا الخراب بل كان ضحيته الأولى. أما النخب السياسيةورغم عجزها وتقصيرها واستغراقها في الخلافات الحزبية التي أضعفت التحول الديمقراطي فلم تكن هي من خطط لمحو ملامح الوطن. إن المسؤولية المباشرة تقع على عاتق النظام الشمولي والحركة الإسلامية التي أمسكت بزمام السلطة والسلاح لثلاثين عاماً وحولت هذه الأخطاء من ممارسات فردية إلى قوانين وسلوك رسمي أضر بالبلاد. تتمثل أولى أركان هذه المأساة في اتخاذ القبيلة أداةً للصراع وتفكيك المجتمع حيث كرس الحكم سلطته لخدمة قبائل بعينها بينما أوعز للقبائل الأخرى بالانشغال في صراعات جانبية تنهك بعضها بعضاً. وخير مثال على ذلك تقسيم المجتمع في دارفور إلى عرب وزرقة ومن ثم استخدامهم كوقود لمعارك السلطة ففي السابق استُخدمت القبائل العربية ضد غير العربية واليوم وحين انقلب السحر على الساحر وتغيرت المصالح جرى تغيير خيوط اللعبة بالتحالف مع القبائل غير العربية ضد العربية. لم تكن القبيلة بالنسبة للسلطة سوى أداة حشد وميليشيات مؤقتة يُستغنى عنها أو تُستبدل حسب مصلحة السلطة مما فكك النسيج الاجتماعي ودمر الإدارة الأهلية، وحوّل التنوع إلى ألغام موقوتة. و التهديد الأشد خطورة هو عسكرة السياسة والمجتمع وتجريف الحياة المدنية عبر صناعة الميليشيات. فإذا كانت الانقلابات السابقة قد ضيقت على النشاط السياسي فإن الحقبة الأخيرة شهدت التخريب الأكبر للعمل المدني السلمي حيث جرى تفكيك قومية أجهزة الأمن والجيش تحت شعار التمكين وعملت علي استئصال المدنية لحساب التشكيلات المسلحة الموازية التي أُنشئت لحماية السلطة وتوازناتها. كرس هذا النهج قناعة خاطئة مفادها أن السلاح هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحكم أو نيل الحقوق، مما فرغ العمل المدني من قيمته، وأحال البلاد إلى ساحة للصراع بين الجيوش والميليشيات. وما كان لهذه الآفات الثلاث أن تكتمل لولا جعل التفرقة والتمييز الجهوي والقبلي سياسة رسمية للدولة حيث عملت السلطة على تكريس هذا النهج الممنهج فمُنِحَت بموجبه الامتيازات والحقوق الاستثنائية لبعض الاقاليم والقبائل ويتمثل ذلك في إدارة الدولة ومواردها بينما هُمّشت وقُهرت قبائل ومناطق أخرى بحرمانها من أبسط حقوق المواطنة. والمفارقة المؤلمة أن الأقاليم التي عانت من هذا التهميش والظلم هي أقاليم زاخرة بالخيرات وغنية بمواردها التي تعتمد عليها الدولة كالنفط والذهب والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية لكن عوائد هذه الثروات لم تُسخّر لخدمة أهلها ومناطقها بل استُبيحت لخدمة ومصلحة تلك الأقاليم والفئات التي حظيت بالامتيازات والنفوذ. إن هذا التوزيع الجائر لفرص السلطة والثروة على أساس الانتماء القبلي والجغرافي والذي شكل عقوداً من مظالم التهميش هو الذي زرع بذور الغبن الاجتماعي بسبب احتكر خيرات البلاد في أيدي شبكات مصالح ضيقةوعزز فكرة عدم المساواة أمام القانون ليصنع أعمق مشكلات السودان الهيكلية. إن أي حديث عن إيقاف الحرب قائم بتسويات سطحية وتقاسم للغنائم بين القوى المسلحةوبعض النخب لن يكون سوى هدنة مؤقتة لإعادة التجييش من جديد. إن الطريق الوحيد للخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب شجاعة لمواجهة أسباب الأزمة من جذورها عبر صياغة عقد اجتماعي جديد يسقط سياسات التمكين والتفرقة والتمييز القبلي ويضمن المساواة الكاملة لكل سوداني وسودانية وإبعاد العمل الحزبي والسياسي تماماً عن أجهزة الجيش والأمن وتفكيك كافة الميليشيات لصالح جيش مهني وقومي واحد يخضع لحكومة مدنية يختارها الشعب مع معالجة مظالم التهميش وإعادة الروح للنسيج الاجتماعي عبر عدالة انتقالية تحاسب المتسببين وتضمن عدم تكرار المأساة. شارك تصفّح المقالات السودان: قلعةُ الملاماتية الكبرى! أو كيف يُودِعُ اللهُ سرَّه في نقيضه؟