هِشَام مُحَمَّد شَرِي…يكتب

فِي هَذَا السُّودَانِ المُمْتَدِّ كَوَجَعٍ لَا يَنْتَهِي، لَيْسَتِ الجُغْرَافِيَا مُجَرَّدَ تَضَارِيسَ عَلَى خَرِيطَةٍ صَمَّاءَ، أَوْ إِحْدَاثِيَّاتٍ تُرْشِدُ التَّائِهِينَ؛ بَلْ هِيَ “مِقْصَلَةٌ” خَفِيَّةٌ، وَقَدَرٌ يُرْسَمُ فِي لَحْظَةِ الصَّرْخَةِ الأُولَى.
هُنَا، فِي بِلَادِنَا، لَا يُولَدُ الطِّفْلُ حُرّاً كَمَا تَقُولُ المَوَاثِيقُ، بَلْ يُولَدُ “مُحَاصَراً” بِمَسْقَطِ رَأْسِهِ.
إِنَّ المَكَانَ الَّذِي تَنْفَتِحُ فِيهِ عَيْنَاكَ لِلمَرَّةِ الأُولَى فِي السُّودَانِ، هُوَ الَّذِي يُقَرِّرُ – بِيَقِينٍ رِيَاضِيٍّ مُرْعِبٍ – كَمْ سَتَعِيشُ؟ وَكَيْفَ سَتَتَعَلَّمُ؟ وَهَلْ سَتَمُوتُ بِمَرَضٍ بَسِيطٍ أَمْ بِقَذِيفَةٍ طَائِشَةٍ؟
لَعْنَةُ المَهْدِ
حِينَ يَكُونُ التُّرَابُ طَبَقِيّاً

تَأَمَّلُوا مَعِي هَذَا التَّبَايُنَ الَّذِي يَفُوقُ الوَصْفَ.
حِينَ يُولَدُ طِفْلٌ فِي “الرِّيَاضِ” أَوْ “المَنْشِيَّةِ” بِقَلْبِ الخَرْطُومِ، فَإِنَّهُ يَرِثُ تِلْقَائِيّاً حَقّاً مُكْتَسَباً فِي الحَيَاةِ؛ مَدَارِسُ مُكَيَّفَةٌ، وَمُسْتَشْفَيَاتٌ قَرِيبَةٌ، وَشَوَارِعُ مُعَبَّدَةٌ.
أَمَّا ذَاكَ الَّذِي تَقْذِفُ بِهِ الأَقْدَارُ فِي “مَايُو” أَوْ “الحَاج يُوسُف”، أَوْ فِي أَقَاصِي “دَارْفُور” وَ”جِبَالِ النُّوبَةِ” وَ”الشَّرْقِ”، فَإِنَّهُ يُولَدُ وَفِي يَدِهِ “حُكْمٌ بِالإِعْدَامِ” مُؤَجَّلُ التَّنْفِيذِ.
إِنَّ هَذَا التَّهْمِيشَ البُنْيَوِيَّ لَيْسَ صُدْفَةً، بَلْ هُوَ هَنْدَسَةٌ مُتَعَمَّدَةٌ لِلإِقْصَاءِ.
تُشِيرُ الدِّرَاسَاتُ الرَّصِينَةُ، كَمَا أَوْرَدَ الدُّكْتُور صِدِّيق أُمبَدَة، إِلَى أَنَّ جَامِعَةَ الخَرْطُومِ وَحْدَهَا كَانَتْ تَسْتَحْوِذُ عَلَى نَحْوِ 46% مِنْ مِيزَانِيَّةِ التَّعْلِيمِ العَالِي، بَيْنَمَا تُرِكَ نَحْوُ 76% مِنْ أَبْنَاءِ الرُّحَّلِ خَارِجَ أَسْوَارِ المَعْرِفَةِ.
هَذَا لَيْسَ فَقْرَ مَوَارِدَ، بَلْ هُوَ “فَقْرُ ضَمِيرٍ” سِيَاسِيٍّ يَرَى فِي الهَامِشِ مُجَرَّدَ خَزَّانٍ لِلبَشَرِ، لَا يَسْتَحِقُّونَ مَقَاعِدَ الدِّرَاسَةِ بَلْ يَسْتَحِقُّونَ فَقَطْ أَنْ يَكُونُوا حَطَباً لِحُرُوبِ المَرْكَزِ.
الصِّحَّةُ كَأُرُسْتُقْرَاطِيَّةٍ
المَوْتُ لِلمَسَافَةِ
فِي بِلَادِنَا، المَسَافَةُ بَيْنَ المَنْزِلِ وَأَقْرَبِ مِرْفَقٍ صِحِّيٍّ هِيَ الفَارِقُ بَيْنَ البَقَاءِ وَالفَنَاءِ.
تُخْبِرُنَا الإِحْصَائِيَّاتُ أَنَّ كَثَافَةَ الأَطِبَّاءِ فِي بَعْضِ الوِلَايَاتِ لَا تَتَجَاوَزُ 1.8 طَبِيبٍ لِكُلِّ مِائَةِ أَلْفِ نَسَمَةٍ، بَيْنَمَا تَرْتَفِعُ فِي المَرْكَزِ لِتَتَجَاوَزَ الـ 28 طَبِيباً.
هَذَا التَّفَاوُتُ لَيْسَ أَرْقَاماً جَافَّةً، بَلْ هُوَ دُمُوعُ أُمٍّ فِي “شَرْقِ السُّودَانِ” فَقَدَتْ رَضِيعَهَا لِأَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى المَشْفَى كَانَ طَوِيلاً، وَلِأَنَّ المَاءَ النَّقِيَّ هُنَاكَ رَفَاهِيَةٌ لَا يَنَالُهَا نَحْوُ 45% مِنْ سُكَّانِ الأَطْرَافِ.
لَقَدْ أَصْبَحَتِ الجُغْرَافِيَا هِيَ “التَّشْخِيصَ” الأَوَّلَ لِكُلِّ مَرَضٍ. فَإِذَا كُنْتَ مِنْ سُكَّانِ “الحِزَامِ الأَسْوَدِ” حَوْلَ العَاصِمَةِ، فَأَنْتَ مُعَرَّضٌ لِلمَوْتِ بِيُسْرٍ، لَا لِعِلَّةٍ فِي جَسَدِكَ، بَلْ لِعِلَّةٍ فِي “مَوْقِعِكَ”.
إِنَّ الدَّوْلَةَ الَّتِي تَبْخَلُ بِأَقَلَّ مِنْ 2% مِنْ نَاتِجِهَا المَحَلِّيِّ عَلَى الصِّحَّةِ، إِنَّمَا تَقُولُ لِمُوَاطِنِيهَا فِي الهَامِشِ: “مَوْتُكُمْ لَا يُكَلِّفُنَا شَيْئاً”.
الحَرْبُ: حِينَ تَصِيرُ اللَّهْجَةُ دَلِيلاً لِلإِدَانَةِ
جَاءَتْ هَذِهِ الحَرْبُ اللَّعِينَةُ لِتَنْزِعَ القِنَاعَ عَنْ قُبْحِ التَّمْيِيزِ المَكَانِيِّ. لَمْ يَعُدِ الانْتِمَاءُ لِلجُغْرَافِيَا مُجَرَّدَ حِرْمَانٍ مِنَ الخِدْمَاتِ، بَلْ صَارَ “تُهْمَةً” كَافِيَةً لِلتَّصْفِيَةِ الجَسَدِيَّةِ. لَقَدْ رَأَيْنَا كَيْفَ أَنَّ اسْمَ المَنْطَقَةِ المَكْتُوبَ عَلَى الهُوِيَّةِ، أَوْ نَبْرَةَ الصَّوْتِ وَاللَّهْجَةَ، كَانَتْ كَافِيَةً لِتُقَرِّرَ مَنْ يُعْبَرُ مِنْ خِلَالِ المَمَرَّاتِ الآمِنَةِ، وَمَنْ يُسَاقُ إِلَى حُتُوفِهِ.
فِي هَذِهِ المَحْرَقَةِ، كَانَتِ الجُغْرَافِيَا هِيَ مَنْ تَقْصِفُ وَهِيَ مَنْ تَحْمِي.
المَنَاطِقُ الَّتِي نُزِعَ عَنْهَا غِطَاءُ “المَرْكَزِيَّةِ” كَانَتْ مَسْرَحاً لِأَبْشَعِ الانْتِهَاكَاتِ، بَيْنَمَا ظَلَّتْ أَحْيَاءُ “النُّخْبَةِ” تُقَايِضُ أَمْنَهَا بِدِمَاءِ الأَطْرَافِ.
إِنَّهُ “الأَبَارْتَهَايْدُ المَكَانِيُّ” فِي أَبْهَى صُوَرِهِ، حَيْثُ يُعَامَلُ الإِنْسَانُ وَفْقاً لِمَوْقِعِ دَارِهِ مِنَ النِّيلِ، أَوْ قُرْبِهِ مِنْ مَرَاكِزِ صُنْعِ القَرَارِ.
دُرُوسٌ مِنَ العَالَمِ: هَلْ تَنْكَسِرُ اللَّعْنَةُ؟
لَسْنَا وَحْدَنَا مَنْ عَانَى مِنْ هَذَا الجُمُودِ المَكَانِيِّ.
لَقَدْ كَانَتْ “جَنُوبُ أَفْرِيقِيَا” مِثَالاً صَارِخاً لِكَيْفَ يُمْكِنُ لِلمَكَانِ أَنْ يَكُونَ سِجْناً، حَيْثُ حُشِرَ السُّودُ فِي “التَّاوُنْشِيبْ” بَعِيداً عَنْ فُرَصِ الحَيَاةِ. وَرَأَيْنَا فِي “رُوَانْدَا” كَيْفَ تَحَوَّلَتِ الجُغْرَافِيَا وَالهُوِيَّةُ إِلَى أَدَوَاتٍ لِلإِبَادَةِ.
لَكِنَّ هَذِهِ الدُّوَلَ لَمْ تَنْجُ إِلَّا حِينَ اعْتَرَفَتْ بِأَنَّ “العَدَالَةَ المَكَانِيَّةَ” هِيَ أَسَاسُ السِّلْمِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
إِنَّ نَزْعَ فَتِيلِ الانْفِجَارِ فِي السُّودَانِ يَبْدَأُ مِنْ تَحْطِيمِ هَذِهِ المَرْكَزِيَّةِ القَاتِلَةِ.
لَا حَلَّ إِلَّا بِتَنْمِيَةٍ مُتَوَازِنَةٍ تَرَى فِي “الفَاشِرِ” وَ”كَسَلَا” وَ”الدَّمَازِينِ” مَرَاكِزَ لَا أَطْرَافاً. إِنَّنَا بِحَاجَةٍ إِلَى “لَامَرْكَزِيَّةٍ” حَقِيقِيَّةٍ، لَيْسَتْ لَامَرْكَزِيَّةَ المَنَاصِبِ وَالمَحَاصَصَاتِ، بَلْ لَامَرْكَزِيَّةَ “الحَقِّ فِي الحَيَاةِ”.
نَحْوُ سُودَانٍ بِلَا أَسْوَارٍ
يَا أَيُّهَا السُّودَانِيُّونَ، إِنَّ الوَطَنَ الَّذِي يَقْتُلُ أَبْنَاءَهُ بِسَبَبِ “إِحْدَاثِيَّاتِهِمْ” هُوَ وَطَنٌ يَحْتَضِرُ. لَنْ يَتَعَافَى جَسَدُ هَذِهِ البِلَادِ مَا دَامَ القَلْبُ يَمْتَصُّ كُلَّ الدِّمَاءِ وَيَتْرُكُ الأَطْرَافَ لِلغَرِغرينَا.
إِنَّ مَعْرَكَتَنَا الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ بَيْنَ جَيْوش وَمِيلِيشِيَات فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ مَعْرَكَةٌ ضِدَّ “جُغْرَافِيَا الإِقْصَاءِ” لِصَالِحِ “فَضَاءِ المُواطَنَةِ”.عَلَيْنَا أَنْ نَكْسِرَ لَعْنَةَ المَكَانِ، لِيَكُونَ السُّودَانُ لِكُلِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى تُرَابِهِ، لَا لِمَنْ يَسْكُنُ فَقَطْ فِي “مُرَبَّعَاتِ” المَرْكَزِ.
إِنَّ العَدَالَةَ المَكَانِيَّةَ لَيْسَتْ مَطْلَباً تَرَفِيّاً، بَلْ هِيَ شَرْطُ الوُجُودِ الوَحِيدِ لِمَا تَبَقَّى مِنْ هَذَا الوَطَنِ.
فَهَلْ نَعِي أَنَّ الجغرافيا حين تصير حكما بالاعدام
فإن المقصلة ستطال الجمع في النهاية ؟

بِقَلَمِ: هِشَام مُحَمَّد شَرِيف

فِي هَذَا السُّودَانِ المُمْتَدِّ كَوَجَعٍ لَا يَنْتَهِي، لَيْسَتِ الجُغْرَافِيَا مُجَرَّدَ تَضَارِيسَ عَلَى خَرِيطَةٍ صَمَّاءَ، أَوْ إِحْدَاثِيَّاتٍ تُرْشِدُ التَّائِهِينَ؛ بَلْ هِيَ “مِقْصَلَةٌ” خَفِيَّةٌ، وَقَدَرٌ يُرْسَمُ فِي لَحْظَةِ الصَّرْخَةِ الأُولَى.

هُنَا، فِي بِلَادِنَا، لَا يُولَدُ الطِّفْلُ حُرّاً كَمَا تَقُولُ المَوَاثِيقُ، بَلْ يُولَدُ “مُحَاصَراً” بِمَسْقَطِ رَأْسِهِ.

إِنَّ المَكَانَ الَّذِي تَنْفَتِحُ فِيهِ عَيْنَاكَ لِلمَرَّةِ الأُولَى فِي السُّودَانِ، هُوَ الَّذِي يُقَرِّرُ – بِيَقِينٍ رِيَاضِيٍّ مُرْعِبٍ – كَمْ سَتَعِيشُ؟ وَكَيْفَ سَتَتَعَلَّمُ؟ وَهَلْ سَتَمُوتُ بِمَرَضٍ بَسِيطٍ أَمْ بِقَذِيفَةٍ طَائِشَةٍ؟

لَعْنَةُ المَهْدِ

حِينَ يَكُونُ التُّرَابُ طَبَقِيّاً

 

تَأَمَّلُوا مَعِي هَذَا التَّبَايُنَ الَّذِي يَفُوقُ الوَصْفَ.

حِينَ يُولَدُ طِفْلٌ فِي “الرِّيَاضِ” أَوْ “المَنْشِيَّةِ” بِقَلْبِ الخَرْطُومِ، فَإِنَّهُ يَرِثُ تِلْقَائِيّاً حَقّاً مُكْتَسَباً فِي الحَيَاةِ؛ مَدَارِسُ مُكَيَّفَةٌ، وَمُسْتَشْفَيَاتٌ قَرِيبَةٌ، وَشَوَارِعُ مُعَبَّدَةٌ.

أَمَّا ذَاكَ الَّذِي تَقْذِفُ بِهِ الأَقْدَارُ فِي “مَايُو” أَوْ “الحَاج يُوسُف”، أَوْ فِي أَقَاصِي “دَارْفُور” وَ”جِبَالِ النُّوبَةِ” وَ”الشَّرْقِ”، فَإِنَّهُ يُولَدُ وَفِي يَدِهِ “حُكْمٌ بِالإِعْدَامِ” مُؤَجَّلُ التَّنْفِيذِ.

إِنَّ هَذَا التَّهْمِيشَ البُنْيَوِيَّ لَيْسَ صُدْفَةً، بَلْ هُوَ هَنْدَسَةٌ مُتَعَمَّدَةٌ لِلإِقْصَاءِ.

تُشِيرُ الدِّرَاسَاتُ الرَّصِينَةُ، كَمَا أَوْرَدَ الدُّكْتُور صِدِّيق أُمبَدَة، إِلَى أَنَّ جَامِعَةَ الخَرْطُومِ وَحْدَهَا كَانَتْ تَسْتَحْوِذُ عَلَى نَحْوِ 46% مِنْ مِيزَانِيَّةِ التَّعْلِيمِ العَالِي، بَيْنَمَا تُرِكَ نَحْوُ 76% مِنْ أَبْنَاءِ الرُّحَّلِ خَارِجَ أَسْوَارِ المَعْرِفَةِ.

هَذَا لَيْسَ فَقْرَ مَوَارِدَ، بَلْ هُوَ “فَقْرُ ضَمِيرٍ” سِيَاسِيٍّ يَرَى فِي الهَامِشِ مُجَرَّدَ خَزَّانٍ لِلبَشَرِ، لَا يَسْتَحِقُّونَ مَقَاعِدَ الدِّرَاسَةِ بَلْ يَسْتَحِقُّونَ فَقَطْ أَنْ يَكُونُوا حَطَباً لِحُرُوبِ المَرْكَزِ.

الصِّحَّةُ كَأُرُسْتُقْرَاطِيَّةٍ

المَوْتُ لِلمَسَافَةِ

فِي بِلَادِنَا، المَسَافَةُ بَيْنَ المَنْزِلِ وَأَقْرَبِ مِرْفَقٍ صِحِّيٍّ هِيَ الفَارِقُ بَيْنَ البَقَاءِ وَالفَنَاءِ.

تُخْبِرُنَا الإِحْصَائِيَّاتُ أَنَّ كَثَافَةَ الأَطِبَّاءِ فِي بَعْضِ الوِلَايَاتِ لَا تَتَجَاوَزُ 1.8 طَبِيبٍ لِكُلِّ مِائَةِ أَلْفِ نَسَمَةٍ، بَيْنَمَا تَرْتَفِعُ فِي المَرْكَزِ لِتَتَجَاوَزَ الـ 28 طَبِيباً.

هَذَا التَّفَاوُتُ لَيْسَ أَرْقَاماً جَافَّةً، بَلْ هُوَ دُمُوعُ أُمٍّ فِي “شَرْقِ السُّودَانِ” فَقَدَتْ رَضِيعَهَا لِأَنَّ الطَّرِيقَ إِلَى المَشْفَى كَانَ طَوِيلاً، وَلِأَنَّ المَاءَ النَّقِيَّ هُنَاكَ رَفَاهِيَةٌ لَا يَنَالُهَا نَحْوُ 45% مِنْ سُكَّانِ الأَطْرَافِ.

لَقَدْ أَصْبَحَتِ الجُغْرَافِيَا هِيَ “التَّشْخِيصَ” الأَوَّلَ لِكُلِّ مَرَضٍ. فَإِذَا كُنْتَ مِنْ سُكَّانِ “الحِزَامِ الأَسْوَدِ” حَوْلَ العَاصِمَةِ، فَأَنْتَ مُعَرَّضٌ لِلمَوْتِ بِيُسْرٍ، لَا لِعِلَّةٍ فِي جَسَدِكَ، بَلْ لِعِلَّةٍ فِي “مَوْقِعِكَ”.

إِنَّ الدَّوْلَةَ الَّتِي تَبْخَلُ بِأَقَلَّ مِنْ 2% مِنْ نَاتِجِهَا المَحَلِّيِّ عَلَى الصِّحَّةِ، إِنَّمَا تَقُولُ لِمُوَاطِنِيهَا فِي الهَامِشِ: “مَوْتُكُمْ لَا يُكَلِّفُنَا شَيْئاً”.

الحَرْبُ: حِينَ تَصِيرُ اللَّهْجَةُ دَلِيلاً لِلإِدَانَةِ

جَاءَتْ هَذِهِ الحَرْبُ اللَّعِينَةُ لِتَنْزِعَ القِنَاعَ عَنْ قُبْحِ التَّمْيِيزِ المَكَانِيِّ. لَمْ يَعُدِ الانْتِمَاءُ لِلجُغْرَافِيَا مُجَرَّدَ حِرْمَانٍ مِنَ الخِدْمَاتِ، بَلْ صَارَ “تُهْمَةً” كَافِيَةً لِلتَّصْفِيَةِ الجَسَدِيَّةِ. لَقَدْ رَأَيْنَا كَيْفَ أَنَّ اسْمَ المَنْطَقَةِ المَكْتُوبَ عَلَى الهُوِيَّةِ، أَوْ نَبْرَةَ الصَّوْتِ وَاللَّهْجَةَ، كَانَتْ كَافِيَةً لِتُقَرِّرَ مَنْ يُعْبَرُ مِنْ خِلَالِ المَمَرَّاتِ الآمِنَةِ، وَمَنْ يُسَاقُ إِلَى حُتُوفِهِ.

فِي هَذِهِ المَحْرَقَةِ، كَانَتِ الجُغْرَافِيَا هِيَ مَنْ تَقْصِفُ وَهِيَ مَنْ تَحْمِي.

المَنَاطِقُ الَّتِي نُزِعَ عَنْهَا غِطَاءُ “المَرْكَزِيَّةِ” كَانَتْ مَسْرَحاً لِأَبْشَعِ الانْتِهَاكَاتِ، بَيْنَمَا ظَلَّتْ أَحْيَاءُ “النُّخْبَةِ” تُقَايِضُ أَمْنَهَا بِدِمَاءِ الأَطْرَافِ.

إِنَّهُ “الأَبَارْتَهَايْدُ المَكَانِيُّ” فِي أَبْهَى صُوَرِهِ، حَيْثُ يُعَامَلُ الإِنْسَانُ وَفْقاً لِمَوْقِعِ دَارِهِ مِنَ النِّيلِ، أَوْ قُرْبِهِ مِنْ مَرَاكِزِ صُنْعِ القَرَارِ.

دُرُوسٌ مِنَ العَالَمِ: هَلْ تَنْكَسِرُ اللَّعْنَةُ؟

لَسْنَا وَحْدَنَا مَنْ عَانَى مِنْ هَذَا الجُمُودِ المَكَانِيِّ.

لَقَدْ كَانَتْ “جَنُوبُ أَفْرِيقِيَا” مِثَالاً صَارِخاً لِكَيْفَ يُمْكِنُ لِلمَكَانِ أَنْ يَكُونَ سِجْناً، حَيْثُ حُشِرَ السُّودُ فِي “التَّاوُنْشِيبْ” بَعِيداً عَنْ فُرَصِ الحَيَاةِ. وَرَأَيْنَا فِي “رُوَانْدَا” كَيْفَ تَحَوَّلَتِ الجُغْرَافِيَا وَالهُوِيَّةُ إِلَى أَدَوَاتٍ لِلإِبَادَةِ.

لَكِنَّ هَذِهِ الدُّوَلَ لَمْ تَنْجُ إِلَّا حِينَ اعْتَرَفَتْ بِأَنَّ “العَدَالَةَ المَكَانِيَّةَ” هِيَ أَسَاسُ السِّلْمِ الِاجْتِمَاعِيِّ.

إِنَّ نَزْعَ فَتِيلِ الانْفِجَارِ فِي السُّودَانِ يَبْدَأُ مِنْ تَحْطِيمِ هَذِهِ المَرْكَزِيَّةِ القَاتِلَةِ.

لَا حَلَّ إِلَّا بِتَنْمِيَةٍ مُتَوَازِنَةٍ تَرَى فِي “الفَاشِرِ” وَ”كَسَلَا” وَ”الدَّمَازِينِ” مَرَاكِزَ لَا أَطْرَافاً. إِنَّنَا بِحَاجَةٍ إِلَى “لَامَرْكَزِيَّةٍ” حَقِيقِيَّةٍ، لَيْسَتْ لَامَرْكَزِيَّةَ المَنَاصِبِ وَالمَحَاصَصَاتِ، بَلْ لَامَرْكَزِيَّةَ “الحَقِّ فِي الحَيَاةِ”.

نَحْوُ سُودَانٍ بِلَا أَسْوَارٍ

يَا أَيُّهَا السُّودَانِيُّونَ، إِنَّ الوَطَنَ الَّذِي يَقْتُلُ أَبْنَاءَهُ بِسَبَبِ “إِحْدَاثِيَّاتِهِمْ” هُوَ وَطَنٌ يَحْتَضِرُ. لَنْ يَتَعَافَى جَسَدُ هَذِهِ البِلَادِ مَا دَامَ القَلْبُ يَمْتَصُّ كُلَّ الدِّمَاءِ وَيَتْرُكُ الأَطْرَافَ لِلغَرِغرينَا.

إِنَّ مَعْرَكَتَنَا الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ بَيْنَ جَيْوش وَمِيلِيشِيَات فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ مَعْرَكَةٌ ضِدَّ “جُغْرَافِيَا الإِقْصَاءِ” لِصَالِحِ “فَضَاءِ المُواطَنَةِ”.عَلَيْنَا أَنْ نَكْسِرَ لَعْنَةَ المَكَانِ، لِيَكُونَ السُّودَانُ لِكُلِّ مَنْ يَمْشِي عَلَى تُرَابِهِ، لَا لِمَنْ يَسْكُنُ فَقَطْ فِي “مُرَبَّعَاتِ” المَرْكَزِ.

إِنَّ العَدَالَةَ المَكَانِيَّةَ لَيْسَتْ مَطْلَباً تَرَفِيّاً، بَلْ هِيَ شَرْطُ الوُجُودِ الوَحِيدِ لِمَا تَبَقَّى مِنْ هَذَا الوَطَنِ.

فَهَلْ نَعِي أَنَّ الجغرافيا حين تصير حكما بالاعدام

فإن المقصلة ستطال الجمع في النهاية ؟

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *