هشام محمد شريف…يكتب

جذور الأزمة في التهميش البنيوى

إن الحديث عن مستقبل السودان لا يمكن أن يقتصر على مجرد الانتقال المدني الديمقراطي، بل يجب أن يتعمق في معالجة الفوارق البنيوية العميقة التي شكلت الدولة السودانية منذ عهود الاستعمار وما بعده.

هذه الفوارق أدت إلى تهميش ممنهج لـ “السوداني الأصيل” في شتى مناحي الحياة، مما فجر صراعات متتالية وأزمات هوية مستمرة.

إن أي حل مستقبلي مستدام يجب أن يرتكز على فهم شامل لهذه الجذور التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، وأن يتجاوز الحلول السطحية ليلامس جوهر إعادة بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة.

التهميش في التخطيط العمراني: الخرطوم كنموذج

تتجلى سياسات التهميش البنيوي بوضوح في التخطيط العمراني، خاصة في العاصمة الخرطوم. فقد تم إسكان الفئات المهمشة، غالبًا من النازحين والعمالة الوافدة من الأقاليم، في ضواحي العاصمة مثل الحاج يوسف، مايو، أمبدة، جبل أولياء، والجخيس. هذه المناطق، التي تُعرف أحيانًا بـ “أحزمة البؤس” أو “الأحزمة السوداء”، تعاني من فروقات هائلة في الخدمات الأساسية مقارنة بأحياء المركز. فبينما تتمتع أحياء الطبقة الحاكمة والنخب بخدمات تعليمية وصحية متطورة وبنية تحتية حديثة، تفتقر هذه الضواحي لأدنى مقومات الحياة الكريمة، من مدارس ومستشفيات وطرق ومياه شرب نظيفة وصرف صحي

هذا التمييز ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج لسياسات تخطيطية متعمدة تعود جذورها إلى الحقبة الاستعمارية. ففي مخطط الخرطوم لعام 1947، وضعت الإدارة البريطانية-المصرية أسسًا لتقسيم المدينة إلى “مناطق أوروبية” و”مناطق للسود”، مما أرسى نموذجًا حضريًا قائمًا على الفصل المكاني والعرقي والطبقي.

وبعد الاستقلال، لم تقطع الدولة الوطنية مع هذا الإرث، بل أعادت إنتاجه، مكرسةً المركز كمجال للصفوة، والأطراف كمجال للفائض الديموغرافي والعشوائية. وقد أظهرت دراسات حديثة أن هذا التمدد العمراني غير المنظم، خاصة على ضفاف النيل، قد أدى إلى كوارث بيئية مثل الفيضانات، بينما يتم التغاضي عن مخالفات النخب في البناء غير القانوني بحجة “هيبة الدولة”

توطين ثقافات وافدة وتهميش الأصيل

لم يقتصر التهميش على الجانب المكاني والاقتصادي، بل امتد ليشمل الهوية الثقافية. فقد شهد السودان، على مر تاريخه الحديث، محاولات ممنهجة لفرض ثقافة عربية وافدة على حساب الثقافات الأصلية المتنوعة التي تشكل النسيج الحقيقي للمجتمع السوداني. هذه السياسات، التي غالبًا ما ارتبطت بمشاريع سياسية للتعريب والإسلام، سعت إلى طمس اللغات واللهجات المحلية، وتهميش الفنون والآداب والتقاليد غير العربية، بل وتشويه التاريخ ليخدم سردية أحادية .

 

لقد شعر الجنوبيون، قبل انفصال جنوب السودان، بأن فرض اللغة العربية جاء على حساب لغاتهم المحلية وثقافاتهم الأفريقية، مما أدى إلى شعور عميق بالظلم والتهميش. هذه السياسات لم تقتصر على الجنوب، بل امتدت لتشمل مناطق أخرى مثل النوبة ودارفور وشرق السودان، حيث تم التعامل مع التنوع الثقافي كتهديد للوحدة الوطنية بدلاً من اعتباره مصدر قوة وإثراء .

 

الأسر الحاكمة المستورة ونفوذها

 

خلف الستار السياسي، توجد في السودان أسر حاكمة متوارثة للسلطة والثروة، تشبه في نفوذها وتأثيرها بعض العائلات العريقة في دول أخرى. هذه الأسر، التي غالبًا ما ترتبط بالتيارات الدينية الصوفية أو العشائرية، لعبت دورًا محوريًا في تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي للبلاد منذ الاستقلال. عائلات مثل الميرغني والمهدي والهندي، التي ارتبطت تاريخيًا بالحكم الثنائي المصري-البريطاني، لا تزال تتمتع بنفوذ كبير، ليس فقط على المستوى السياسي، بل وعلى المستوى الاجتماعي والاقتصادي .

 

وقد ارتبط هذا النفوذ، في بعض الأحيان، بدعم خارجي، خاصة من مصر، التي كان لها دور تاريخي في السودان. هذا الدعم، سواء كان سياسيًا أو اقتصاديًا، ساهم في ترسيخ هيمنة هذه الأسر، مما أعاق ظهور قوى سياسية جديدة تعبر عن تطلعات الشرائح المهمشة من المجتمع. إن فهم ديناميكيات هذه الأسر وعلاقاتها الخارجية ضروري لأي محاولة لإعادة هيكلة الدولة السودانية .

تحجيم النوبة وفصلهم عن تاريخهم

تعد قضية النوبة مثالًا صارخًا على التهميش الثقافي والتاريخي. فالنوبه، أصحاب الحضارة العريقة التي تمتد لآلاف السنين، والتي أسست ممالك مزدهرة مثل نبتة ومروي، تعرضوا لمحاولات ممنهجة لتحجيم دورهم وفصلهم عن تاريخهم. لقد تم التشكيك في التاريخ النوبي، وتهميش لغتهم وثقافتهم، مما أدى إلى شعور بعض النوبيين بالخجل من هويتهم، ومحاولة الاندماج في الثقافة العربية السائدة

هذه السياسات لم تقتصر على الجانب الثقافي، بل امتدت لتشمل الجانب الجغرافي، حيث أدت مشاريع مثل السد العالي إلى تهجير أعداد كبيرة من النوبه من أراضيهم التاريخية، مما فاقم من شعورهم بالتهميش وفقدان الهوية. إن إعادة الاعتبار للتاريخ والثقافة النوبية، والاعتراف بمساهماتهم الحضارية، هو جزء لا يتجزأ من أي حل شامل للأزمة السودانية .

 

تزييف الأنساب كأداة للهيمنة

 

تعتبر ظاهرة الادعاء بأنساب عربية (أموي، عباسي، قرشي) في السودان إحدى أدوات الهيمنة الثقافية والاجتماعية. ففي مجتمع يعاني من صراعات هوية عميقة، أصبح الانتماء إلى نسب عربي، خاصة إذا كان يربط صاحبه بالبيت النبوي، وسيلة لاكتساب الشرعية الاجتماعية والسياسية. هذه الظاهرة، التي لا تستند غالبًا إلى أدلة تاريخية موثقة، ساهمت في ترسيخ فكرة التفوق العرقي، وتهميش المجموعات التي لا تدعي هذه الأنساب .

 

 

لقد أثرت هذه السرديات على بنية المجتمع، حيث أدت إلى تقسيمات اجتماعية مبنية على أساس عرقي، مما فاقم من التوترات والصراعات. إن تفكيك هذه السرديات، والاعتراف بالتنوع العرقي والثقافي للسودان، هو خطوة أساسية نحو بناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة.

 

 

حروب السودان: نتيجة طبيعية للتهميش البنيوي

 

إن الحروب المتكررة التي شهدها السودان، من حرب الجنوب إلى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، وصولًا إلى الصراع الحالي، ليست مجرد أحداث عارضة، بل هي نتيجة طبيعية وحتمية لهذا التهميش البنيوي العميق. فعندما يتم إقصاء شرائح واسعة من المجتمع من المشاركة السياسية والاقتصادية والثقافية، وعندما تُحرم من حقوقها الأساسية، فإنها تلجأ إلى المقاومة بأشكالها المختلفة .

 

 

لقد أدت سياسات المركزية المفرطة، والتمييز العرقي والثقافي، والاستغلال غير العادل للموارد، إلى شعور عميق بالظلم والغبن في الأطراف. هذه المظالم، التي تراكمت على مر العقود، خلقت بيئة خصبة للصراعات المسلحة، حيث أصبحت الجماعات المهمشة ترى في حمل السلاح السبيل الوحيد لتحقيق مطالبها العادلة. إن أي حل مستقبلي يجب أن يعالج هذه المظالم التاريخية، وأن يضمن توزيعًا عادلًا للسلطة والثروة، واعترافًا كاملًا بالتنوع السوداني.

 

 

الحلول: رؤية شاملة لإعادة هيكلة الدولة

 

إن الحل المستقبلي للسودان يجب أن يتجاوز مجرد الانتقال الديمقراطي الشكلي إلى إعادة هيكلة شاملة للدولة والمجتمع.

هذه الرؤية يجب أن تتضمن المحاور التالية:

 

 

 

العدالة المكانية والتنمية المتوازنة: يجب إعادة النظر في التخطيط العمراني وسياسات التنمية لضمان توزيع عادل للخدمات والموارد بين المركز والأطراف. يتطلب ذلك استثمارات ضخمة في البنية التحتية للضواحي والمناطق المهمشة، وتوفير فرص متساوية في التعليم والصحة والعمل.

 

الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي: يجب أن تصبح الدولة السودانية دولة تعددية تعترف بجميع ثقافاتها ولغاتها وتراثها. يتطلب ذلك مراجعة المناهج التعليمية والإعلامية، ودعم اللغات المحلية، وتشجيع الفنون والآداب المتنوعة، والاحتفاء بالتاريخ المشترك الذي يضم جميع مكونات الشعب السوداني.

 

تفكيك بنى الهيمنة: يجب تفكيك بنى الهيمنة السياسية والاقتصادية التي رسختها الأسر الحاكمة والنخب التقليدية. يتطلب ذلك إصلاحات دستورية وقانونية تضمن الشفافية والمساءلة، وتكافؤ الفرص، وتمنع احتكار السلطة والثروة من قبل فئة معينة.

 

إعادة الاعتبار للتاريخ والهوية

يجب إعادة كتابة التاريخ السوداني من منظور شامل يعترف بجميع مكوناته، ويبرز مساهمات الحضارات القديمة مثل الحضارة النوبية. يتطلب ذلك دعم البحث العلمي، والمتاحف، والمراكز الثقافية التي تعنى بالتراث السوداني المتنوع.

 

العدالة الانتقالية والمصالحة: يجب معالجة المظالم التاريخية من خلال آليات العدالة الانتقالية، بما في ذلك لجان الحقيقة والمصالحة، والتعويضات للضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم.

إن المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تتم دون اعتراف بالخطأ، وضمان عدم تكراره.

 

بناء دولة المواطنة

يجب بناء دولة تقوم على أساس المواطنة المتساوية، حيث يتمتع جميع الأفراد بحقوق وواجبات متساوية بغض النظر عن عرقهم أو دينهم أو ثقافتهم. يتطلب ذلك دستورًا مدنيًا يضمن الحريات الأساسية، وفصلًا بين السلطات، واستقلالًا للقضاء.

 

إن مستقبل السودان يعتمد على قدرة شعبه ونخبه على مواجهة الحقائق التاريخية الصعبة، والاعتراف بالتهميش البنيوي الذي شكل الدولة. إن الحل لا يكمن في استنساخ نماذج جاهزة، بل في بناء نموذج سوداني أصيل يرتكز على العدالة، والمساواة، والاعتراف بالتنوع.

إنها مهمة شاقة، ولكنها السبيل الوحيد لبناء سودان مستقر ومزدهر، حيث يشعر كل مواطن بأنه جزء لا يتجزأ من هذا الوطن.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *