هِشَام مُحَمَّد شَرِيف…يكتب

تُولَدُ الحُكُومَاتُ النَّاشِئَةُ فِي رَحِمِ الحُرُوبِ كَجَنِينٍ يَبْحَثُ عَنِ الضَّوْءِ وَسَطَ رُكَامِ النِّزَاعَاتِ، لَكِنَّ المَأْسَاةَ تَتَجَسَّدُ حِينَ تَتَحَوَّلُ هَذِهِ الكِيَانَاتُ، قَبْلَ أَنْ تَشْتَدَّ أَعْوَادُهَا، إِلَى مَسْرَحٍ لِعَبَثِ الانْتِهَازِيِّينَ. إِنَّ القَاعِدَةَ الأَزَلِيَّةَ
تَقُولُ “المَالُ لَا يَشْتَرِي الصَّادِقِينَ، وَلَكِنَّهُ يَجْذِبُ المُفْسِدِينَ”؛ وَهِيَ حَقِيقَةٌ تَتَجَلَّى بِأَبْشَعِ صُوَرِهَا حِينَ تُصْبِحُ السُّلْطَةُ غَنِيمَةً، وَيُضْحِي المَنْصِبُ مَغْنَمًا، فَتَتَسَاقَطُ المَبَادِئُ كَأَوْرَاقِ الخَرِيفِ الذَّابِلَةِ تَحْتَ أَقْدَامِ الطَّامِعِينَ.
إِنَّ أَوَّلَ طَعَنَاتِ الغَدْرِ الَّتِي تُوَجَّهُ لِصَدْرِ القَضَايَا العَادِلَةِ تَأْتِي مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَرَوْنَ فِي أَنْقَاضِ المُدُنِ فُرْصَةً لِبِنَاءِ أَمْجَادِهِمُ الشَّخْصِيَّةِ.
فَمَا أَنْ يَسْتَقِرَّ المَقَامُ قَلِيلًا حَتَّى تَبْرُزَ وُجُوهٌ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا فِي خَنَادِقِ النِّضَالِ، وَلَمْ تُقَدِّمْ قَطْرَةَ عَرَقٍ وَاحِدَةً لِلقَضِيَّةِ، لَكِنَّهَا تُجِيدُ فَنَّ التَّسَلُّقِ وَاقْتِنَاصِ اللَّحَظَاتِ.
هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يُحَوِّلُونَ كُلَّ مَشْرُوعٍ وَطَنِيٍّ إِلَى مَشْرُوعٍ شَخْصِيٍّ، وَكُلَّ مَوْرِدٍ عَامٍّ إِلَى رَصِيدٍ خَاصٍّ.
وَلَعَلَّ مَكْمَنَ الخَطَرِ الأَكْبَرَ يَتَمَثَّلُ فِي ضَعْفِ الهَيَاكِلِ الإِدَارِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ لِهَذِهِ الحُكُومَاتِ النَّاشِئَةِ.
فَالاعْتِمَادُ عَلَى “أَهْلِ الثِّقَةِ والمحاصصات” وَتَهْمِيشُ “أَهْلِ الكَفَاءَةِ” يَخْلُقُ بِيئَةً خَصْبَةً لِلتَّسَلُّقِ وَالنِّفَاقِ.
حِينَ يَتَصَدَّرُ المَشْهَدَ مَنْ لَا يَمْلِكُ إِلَّا بَرَاعَةَ التَّمَلُّقِ، تَتَعَطَّلُ مَصَالِحُ النَّاسِ، وَتَفْشَلُ المُؤَسَّسَاتُ فِي أَدَاءِ مَهَامِّهَا الأَسَاسِيَّةِ، وَيُصْبِحُ القَرَارُ السِّيَاسِيُّ مَرْهُونًا بِمَصَالِحِ مَجْمُوعَاتِ ضَغْطٍ انْتِهَازِيَّةٍ لَا هَمَّ لَهَا سِوَى الحِفَاظِ عَلَى مَكَاسِبِهَا.
إِنَّ تَدَفُّقَ الأَمْوَالِ وَالمَوَارِدِ عَلَى كِيَانَاتٍ لَمْ تُؤَسَّسْ بَعْدُ عَلَى رَكِيزَةِ الشَّفَافِيَّةِ وَالمُحَاسَبَةِ يَجْعَلُهَا مِغْنَاطِيسًا يَجْذِبُ كُلَّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ مِنَ المَأْجُورِينَ.
هَؤُلَاءِ المُفْسِدُونَ يَقْتُلُونَ القَضِيَّةَ مِنْ دَاخِلِهَا، فَيُشَوِّهُونَ صُورَتَهَا أَمَامَ العَالَمِ، وَيَزْرَعُونَ الشَّكَّ فِي نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ بِهَا.
إِنَّ التَّضْحِيَاتِ الجِسَامَ وَالدِّمَاءَ الطَّاهِرَةَ الَّتِي سُفِكَتْ مِنْ أَجْلِ التَّغْيِيرِ لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ سُلَّمًا يَرْتَقِي بِهِ اللُّصُوصُ إِلَى سُدَّةِ الحُكْمِ.
الفَسَادُ كَمِعْوَلِ هَدْمٍ
شَوَاهِدُ مِنَ التَّارِيخِ

لَيْسَ فِي التَّارِيخِ مَا يُطَمْئِنُ مَنْ يَتَهَاوَنُ مَعَ الفَسَادِ.
فَقَدْ شَهِدَ العَالَمُ كَيْفَ أَنَّ حُكُومَاتٍ وُلِدَتْ مِنْ رَحِمِ ثَوْرَاتٍ عَظِيمَةٍ انْهَارَتْ تَحْتَ ثِقَلِ فَسَادِهَا قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ عُودُهَا.
فَنِظَامُ مُوبُوتُو فِي الكُونْغُو، الَّذِي وُلِدَ مِنْ رَحِمِ التَّحَرُّرِ، تَحَوَّلَ إِلَى أَعْتَى أَنْظِمَةِ النَّهْبِ فِي أَفْرِيقِيَا حَتَّى ابْتَلَعَهُ غَضَبُ شَعْبِهِ. وَحُكُومَةُ جَنُوبِ فِيتْنَام سَقَطَتْ أَمَامَ خُصُومِهَا لَا لِضَعْفِ سِلَاحِهَا، بَلْ لِأَنَّ الفَسَادَ أَكَلَ مُؤَسَّسَاتِهَا مِنَ الدَّاخِلِ حَتَّى فَقَدَتْ وَلَاءَ شَعْبِهَا. وَفِي أَفْغَانِسْتَانَ، انْهَارَتْ حُكُومَةُ كَابُولَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ أَمَامَ طَالِبَانَ عَامَ 2021، لَا لِأَنَّ الجَيْشَ كَانَ ضَعِيفًا عَدَدِيًّا، بَلْ لِأَنَّ عَقْدَيْنِ مِنَ الفَسَادِ وَالمُحَاصَصَةِ أَفْرَغَا الدَّوْلَةَ مِنْ مَعْنَاهَا.
وَقَبْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ، سَقَطَتِ الدَّوْلَةُ الأُمَوِيَّةُ رَغْمَ اتِّسَاعِ رُقْعَتِهَا حِينَ اسْتَشْرَى فِيهَا الظُّلْمُ وَالمُحَابَاةُ، فَمَا أَغْنَتْهَا جُيُوشُهَا عَنْ غَضَبِ المَظْلُومِينَ.
إِنَّ الدَّرْسَ المُسْتَخْلَصَ وَاحِدٌ لَا يَتَبَدَّلُ
الفَسَادُ هُوَ السُّمُّ البَطِيءُ الَّذِي يَسْرِي فِي شَرَايِينِ الدُّوَلِ، فَيُمِيتُهَا مِنَ الدَّاخِلِ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ عَدُوٌّ خَارِجِيٌّ عَلَى هَدْمِهَا.
وَمَا مِنْ حُكُومَةٍ سَقَطَتْ إِلَّا وَكَانَ الفَسَادُ قَدْ سَبَقَ سُقُوطَهَا بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، يَنْخُرُ فِي أَسَاسَاتِهَا بِصَمْتٍ حَتَّى إِذَا جَاءَتِ الرِّيحُ هَوَتْ دُونَ مُقَاوَمَةٍ.
وَمَا وَرَاءَ الفَسَادِ إِلَّا انْهِيَارُ القِيَمِ غَيْرَ أَنَّ الفَسَادَ المَالِيَّ وَالإِدَارِيَّ لَيْسَ إِلَّا عَرَضًا لِعِلَّةٍ أَعْمَقَ
انْحِرَافُ القِيَمِ وَتَرَدِّي المَنْظُومَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ فِي المُجْتَمَعِ كُلِّهِ. فَحِينَ يَفْقِدُ المُجْتَمَعُ بُوصَلَتَهُ الأَخْلَاقِيَّةَ، وَتُصْبِحُ الغَايَةُ تُبَرِّرُ الوَسِيلَةَ، وَيُحْتَفَى بِالثَّرَاءِ دُونَ سُؤَالٍ عَنْ مَصْدَرِهِ، فَإِنَّ الفَسَادَ يَغْدُو ثَقَافَةً لَا ظَاهِرَةً، وَيَتَحَوَّلُ مِنِ اسْتِثْنَاءٍ إِلَى قَاعِدَةٍ.
إِنَّ انْهِيَارَ المُجْتَمَعَاتِ يَبْدَأُ دَائِمًا مِنْ تَآكُلِ أَخْلَاقِهَا، وَهَذَا مَا سَنَعُودُ إِلَيْهِ لَاحِقًا .

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *