بقلم: آدم الحاج أديب ..يكتب

14 أغسطس 2026م

 

منذ أن رفع الشعب السوداني صوته في وجه الظلم التاريخي، واختار شعارات «حرية، سلام، وعدالة» و**«الثورة خيار الشعب»**، كان هناك معسكر مضاد لم يكن مستعدًا للتسليم بإرادة الشعب، واختار منطقًا يمكن اختصاره في مقولة: «إما نحكمكم أو نقتلكم».

 

ومن هذا المناخ جاءت الانقلابات والصراعات التي دفعت السودان إلى كارثة الحرب، ثم بدأت محاولات التنصل من المسؤولية، وكأن شعبًا عاش ثلاثين عامًا من الإذلال والتنكيل والإرهاب والنفاق السياسي لم يكن يعرف من حكمه وكيف حُكم.

 

مرة باسم الدين، ومرة باسم الوطن، ومرة باسم «الكرامة».

 

لكن السؤال الذي لا بد أن يظل حاضرًا: كرامة من؟ ووطنية من؟

 

هل هي كرامة المواطن الذي أُهين وأُقصي طوال سنوات الاستبداد، أم كرامة كرسي السلطة الذي انتزعته إرادة الشعب؟

 

وهل هي الوطنية التي تحمي ثروات البلاد وحقوق مواطنيها، أم وطنية من استأثر بالموارد، وأدار منظومة من الفساد، وأذاق شرفاء الوطن سوء العذاب؟

 

أي وطنية تلك التي تتحدث عن حماية الوطن بينما تركت خلفها الجوع والفساد والانقسام، وأدت سياساتها إلى انفصال جنوب السودان، وأنتجت نموذجًا من التناقض بين التدين الظاهري والممارسة السياسية؟

 

فساد في النهار ووعظ في الليل، وشعارات دينية في المنابر وممارسات سياسية لا تمت إلى قيم الدين بصلة.

 

إن استدعاء «الوطنية» اليوم لا ينبغي أن يكون صك براءة لأحد. فالوطنية الحقيقية ليست شعارًا يرفع في ساحات الحرب، وإنما مسؤولية تجاه الإنسان والوطن والدولة.

 

السلام ليس ضعفًا

 

الأصل في الإسلام، كما في مختلف الشرائع والقيم الإنسانية، هو السلام، أما الحرب فهي استثناء تفرضه الضرورة ولا ينبغي أن تتحول إلى غاية في ذاتها.

 

ولهذا فإن الجنوح إلى السلم لا يعني الخوف، كما أن قبول الوساطة والمبادرات لا يعني الضعف أو السذاجة.

 

فالاستجابة لأي مبادرة جادة يمكن أن تكون اختبارًا حقيقيًا لنوايا الأطراف: من يريد إنهاء معاناة السودانيين، ومن يريد إطالة أمد الحرب لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية.

 

إن الرجوع إلى الحق فضيلة، وقبول السلام عندما يكون ممكنًا ليس عارًا على أحد. والعار الحقيقي هو أن تتحول دماء السودانيين إلى وقود لمشروع سياسي، وأن يصبح استمرار الحرب هدفًا في حد ذاته.

 

عندما يسقط الرسن

 

لقد ظنت بعض القوى أن ما حققته خلال فترات الهدوء أو التقدم الميداني في بعض المناطق يمكن أن يتحول إلى انتصار نهائي، بينما الحقيقة أن الحرب السودانية أكبر من أن تُحسم بالشعارات أو بالدعاية الإعلامية.

 

وفي ظل استمرار المواجهات واتساع رقعة الحرب، يدفع المواطن وحده ثمن الحسابات الخاطئة.

 

والأخطر أن بعض الخطابات الإعلامية تحاول تقديم صورة انتقائية للحرب، فتخفي ما لا تريد للمواطن أن يراه، وتبرز مشاهد بعينها لتوجيه الرأي العام، ثم تربط ذلك بشعارات مثل «العودة الطوعية»، وكأن انتهاء الحرب أصبح أمرًا واقعًا.

 

لكن المواطن السوداني الذي عاش تجربة العقود الماضية بدأ يطرح الأسئلة بنفسه:

 

من أشعل الحرب؟

من يملك قرار استمرارها؟

من يدفع ثمنها؟

ومن المستفيد من بقائها؟

 

وهذه الأسئلة لم يعد من السهل إسكاتها بالخطاب التعبوي.

 

لقد بدأ الوعي السوداني يتجاوز مرحلة تصديق الشعارات إلى مرحلة محاسبة الشعارات نفسها.

 

فليس كل من رفع راية الوطن وطنيًا، وليس كل من تحدث باسم الدين متدينًا، وليس كل من حمل السلاح مدافعًا عن الشعب.

 

الوطنية تُقاس بما تقدمه للوطن، والدين يُقاس بقيمه وأخلاقه، والشرعية لا تُكتسب بالصوت الأعلى ولا بكثرة السلاح، وإنما بإرادة الشعب وحقوقه.

 

رسالة إلى حركات الارتزاق

 

أما الرسالة التي ينبغي أن تُقال بوضوح إلى تلك الحركات التي اختارت طريق «بندقية للإيجار»، وجعلت من السلاح وسيلة للارتزاق السياسي والعسكري، فهي أن التاريخ لا يرحم.

 

إن أخطر ما يمكن أن تفعله حركة نشأت من رحم معاناة مجتمعها هو أن تتحول إلى أداة ضد ذلك المجتمع، وأن تستخدم البندقية التي كان يفترض أن تحمي بها أهلها في تشريدهم وتمزيق نسيجهم الاجتماعي، ثم ترهن قرارها السياسي والعسكري لإرادة المركز الذي ظل يمارس الظلم والإقصاء.

 

فأي قضية تبقى من قضية الهامش عندما تصبح بندقية الهامش مأجورة؟

 

وأي نضال يبقى من نضال المهمشين عندما تتحول الحركات التي رفعت شعارات العدالة إلى حارس لمصالح من صنعوا المظالم التي خرجت تلك الحركات أصلًا لمقاومتها؟

 

إن التاريخ لن يسجل فقط أسماء من أشعلوا الحروب، بل سيسجل أيضًا أسماء من باعوا مواقفهم، ومن جعلوا من مجتمعاتهم وقودًا لمعارك الآخرين.

 

ولذلك فإن «بندقية للإيجار» ينبغي أن تكون مرحلة من الماضي لا مستقبلًا للسودان.

 

فالمطلوب حركات تتحرر من الارتهان، وتعيد قرارها إلى أهلها، وتضع مصلحة المجتمعات التي تدعي تمثيلها فوق مصالح القيادات والمراكز السياسية والعسكرية.

 

لا تنتقموا من التاريخ

 

وفي المقابل، فإن من يحقد على التاريخ أو يسعى للانتقام على أساس عرقي قد يظن أنه ينتصر للماضي، لكنه في الحقيقة يخسر المستقبل.

 

فالظلم لا يُعالج بظلم جديد، والانتقام لا يبني دولة، والمستقبل السوداني لن يُكتب بمنطق الثأر، وإنما بالمصالحة الشاملة والعدالة والمواطنة والسلام العادل المستدام.

 

ومن يريد أن ينتصر للسودان، عليه أن ينتصر للإنسان السوداني أولًا، بعيدًا عن اللون والقبيلة والجغرافيا.

 

طوفان الوعي

 

إن طوفان الوعي الذي بدأ يتشكل في السودان أخطر على مشاريع الاستبداد من أي معركة؛ لأنه يسقط الأقنعة ويفك الرسن الذي قُيّد به وعي المواطن سنوات طويلة.

 

وعندما يتحرر الوعي، لن يكون من السهل إعادة الشعب إلى مربع الخوف.

 

فليست المعركة الحقيقية بين السودانيين معركة لون أو قبيلة أو جغرافيا، وإنما معركة بين مشروع يريد دولة تقوم على المواطنة والعدل، ومشاريع تريد إعادة إنتاج دولة الامتيازات والإقصاء والاستبداد.

 

وهنا يصبح السؤال الأكبر:

 

إذا كان الشعب قد كسر حاجز الخوف، وفك عن وعيه الرسن، فكيف ستكون عاقبة الذين ظلوا يكذبون على هذا الشعب ثلاثين عامًا ثم أرادوا إعادته إلى المربع الأول؟

 

لقد بدأ الطوفان…

 

لكن طوفان الوعي هذه المرة.

 

والشعوب عندما تستعيد وعيها، لا تعود إلى الوراء.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *