الاستاذ/مصطفي محمد باخت ابووعد..يكتب

مدخل اول:

قد يكون توفير الخبز ضرورة لكن توفير الضمير ضرورة أكبر وقد يكون تأمين الأرزاق واجبًا على الدولة، لكن تأمين الأخلاق هو الضمان الحقيقي لبقائها. فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تسقط أولًا بسبب الفقر وإنما بسبب انهيار منظومتها الأخلاقية، حين يصبح الفساد ثقافة والمحسوبية منهجًا والكذب وسيلة واستغلال النفوذ طريقًا إلى السلطة والثروة. بلاشك إن أخطر ما يهدد مشروع بناء الدولة ليس ضعف الاقتصاد وحده، بل اختلال ميزان القيم. فكم من دولة امتلكت الثروات الهائلة، لكنها عجزت عن تحقيق الاستقرار لأنها فقدت رأس مالها الأخلاقي وكم من أمة كانت محدودة الموارد، لكنها صنعت نهضتها بالصدق والانضباط وسيادة القانون واحترام الإنسان،لقد انشغل كثير من الساسة بالحديث عن التنمية والإنتاج وزيادة الإيرادات، وهو حديث مشروع، لكنهم أغفلوا السؤال الأهم: *من الذي سيدير هذه الموارد؟* فإذا كان القائم على المال العام فاقدًا للأمانة، فلن تمنع كثرة الموارد من انتشار الفساد ولن تصنع الموازنات الضخمة تنمية حقيقية، بل ستتحول إلى غنائم تتقاسمها شبكات المصالح والنفوذ.

مدخل ثاني:

قناعتي تتشكل دائما في ان الأزمة ليست في قلة المال او الثروات او فاره العربات والفلل الشامخات وغتنا الحسناوات من النساء مثني وثلاث ورباع وإنما في غياب الضمير، فالأخلاق هي التي تحرس المال العام، وهي ركيزة مراجع النفس الانسانية الامارة بالسوء وهي التي تمنح القانون هيبته وهي التي تجعل الوظيفة العامة تكليفًا لا تشريفًا وخدمةً لا وسيلةً للإثراء للثراء والسطو والاستعلاء

وفي السودان ونحن نتطلع إلى إعادة تاسيس وبناء الدولة بعد سنوات الحرب والانقسام، فإن المهمة لا تقتصر على تشييد الطرق والمباني والمؤسسات، بل تبدأ بإعادة بناء الإنسان السوداني وتأهيله وإحياء قيم الأمانة والعدالة، والنزاهة والمواطنة والمسؤولية فيه، فالدولة التي تُبنى بالإسمنت وحده قد تنهار، أما الدولة التي تُبنى بالأخلاق والقيم الراسخة فتبقى مهما اشتدت عليها الأزمات.*إن معركة الأخلاق ليست مسؤولية المدارس والمساجد وحدها، بل هي مسؤولية الأسرة والإعلام والأحزاب ومؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني*. فكل مؤسسة تُطبع سلوكًا وتُشكّل وعيًا وتساهم في صناعة مستقبل الوطن.

مدخل ثالث:

دعوني اوضح إننا اليوم في موقف مفصلي من تاريخ السودان الحديث بحاجة إلى مشروع وطني يجعل الأخلاق جزءًا من الأمن القومي، لأن الفساد ليس مجرد جريمة مالية، بل تهديد مباشر لاستقرار الدولة، كما أن النزاهة ليست فضيلة شخصية فحسب، بل ركيزة من ركائز الحكم الرشيد وإن الدول لا تُقاس فقط بما تملك من ثروات، بل بما تملكه من قيم. ولا يكفي أن نؤمن أرزاق الناس، إذا تركنا أخلاقهم فريسةً للفساد والانتهازية والطمع. فالأرزاق قد تصنع الرفاه، أما الأخلاق فهي التي تصنع الأوطان.

وسنواصل

14أغسطس2026م

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *