د. عبدالناصر علي الفكي… يكتب قضية البروفيسور جيسون أرداي في ضوء نظرية “سوسيولوجيا الخوف” كعائق أمام التعايش الاجتماعي تتطلب الرجوع للخلفية التاريخية بإيجاز. وُلد جيسون أرداي في عام 1985 لعائلة غانية في مدينة لندن، ونشأ في حي شعبي تبعًا لظروف والديه كمهاجرين، وكان لنشاط والدته المناهض للعنصرية أثر واضح في تربيته. حمل اسمه الكامل جيسون أتا كوي أرداي، وشُخّص في سن الثالثة بطيف التوحد واضطرابات النمو، وبالتالي عانى من تأخر في النطق حتى سن الحادية عشرة ولم يتقن مهارات القراءة والكتابة إلا في الثامنة عشرة. الصعوبات تلك لم تنل من عزيمته وجهده في تغيير حياته بمساندة الأسرة والأصدقاء، فحصل على إجازة شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع التربوي من جامعة ليفربول جون موريس عام 2016، ثم أصبح في عام 2023، وفي سن 37 عامًا، كأصغر بروفيسور أسود البشرة في تاريخ جامعة كامبريدج العريقة، وهو إنجاز استثنائي بناءً على الوضع العام البيولوجي والعقلي، وغدا لدى الكثيرين كرمز للأمل والجهد الخارق في تحسين الصورة وجودة الحياة. وهو في قمة العطاء، تعرض لموجة عنيفة من الاتهامات بالانتحال والتزوير الأكاديمي لأطروحة درجة الدكتوراه، وتواصلت إلى التشكيك والتكذيب المتعمد لإنجازاته التطوعية والخيرية مثل جمع التبرعات ومساعدة المهمشين والمحتاجين. وتعرّض إلى حملة كبيرة و”إساءة مستمرة” في بعض الصحف ووسائل الإعلام، والتي شكلت عليه ضغطًا نفسيًا كبيرًا حتى قدم استقالته من منصبه بالجامعة نتيجة للضغط الهائل والاستهداف الممنهج له. وبعد أيام قليلة، وتحديدًا في 14 أغسطس الجاري 2026، وُجد متوفيًا في منزله عن عمر يناهز الحادية والأربعين، في نهاية مأساوية لقصة إعجاز بشري. من هنا، تطرح هذه القضية ذاتها أسئلة جوهرية تتواصل مباشرة مع “سوسيولوجيا الخوف”، فما حدث ليس مجرد قصة أكاديمية، بل هو مثال علني عالي الفعل على التناقض بين النصوص الدستورية المكتوبة التي تنشد إلى التعايش والاندماج الاجتماعيين، والممارسة الاجتماعية التي تعكس خوفًا عميقًا من “الآخر”. ففي “وهم الحضارة” والخطاب المزدوج، نجد أن الغرب الأوروبي والأمريكي يقدمان خطابًا حقوقيًا ودستوريًا حول قبول الآخر والتعايش وحق الإنسان، لكن قضية الراحل بروفيسور أرداي تكشف أن هذا الخطاب يمكن أن ينهار تحت ضغط “الخوف” من نجاح الآخر ووجوده في مواقع القوة والنفوذ خارج الدور المرسوم. كان بروفيسور أرداي يمثل تهديدًا رمزيًا لمن يرفضون فكرة أن يصل شخص من خلفيته إلى قمة مؤسسة أكاديمية عريقة، وهذا ما يؤكده صديقه البروفيسور كيهيندي أندروز بالقول إن الهجمات بدأت منذ اليوم الأول لتعيينه في كامبريدج، وكأن وجوده ذاته كان استفزازًا لا يُغتفر. أما في ما يخص “البربرية” في السلوك الجمعي ونظام الضبط الاجتماعي، فقد انكشفت هنا “بربرية” الحشود ووسائل الإعلام التي جردت بروفيسور أرداي من إنسانيته، وأثارت السؤال الأهم: هل القانون وحده كافٍ للحماية؟ الجواب من القضية هو لا. فالقانون – بمعنى التحقيق الرسمي – لم يثبت بعد تهمة الانتحال الأكاديمي، بل إن الجهة المانحة للدكتوراه (جامعة ليفربول جون موريس) قد برأته سابقًا وأكدت أن إجازة شهادة الدكتوراه لا تزال مجازة قانونيًا وسارية، ومع ذلك فشل النظام الأخلاقي والاجتماعي في حمايته، إذ تعرّض لهجوم شخصي عنيف وُصِف بأنه تجاوز بكثير الجدل الأكاديمي العادي، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء البريطاني حين قال إنه حان وقت “التفكير في كيف وصلنا إلى هذا”. وهذا يبرز الحاجة الملحة إلى مجتمع تحكمه القيم والأخلاق كضابط للسلوك، وليس فقط نصوص قانونية جوفاء عاجزة عن ردع حملات التشويه والكراهية والغطاء بناءً على الخلفية الاجتماعية لدى الكثيرين. القراءة العميقة تكشف عن عنصرية الفعل والخوف من الضوابط، إذ جاء في التقارير أن بعض أبرز المنتقدين معروفون بمعاداتهم لسياسات التنوع والمساواة، وسبق لأحدهم أن قال إن السود “سيختفون من كل المناصب الرفيعة خارج الرياضة والترفيه” في حالة تطبيق الجدارة فقط. وهذا يظهر أن ما حدث لم يكن مجرد نقاش أكاديمي، بل كان جزءًا من حرب ثقافية أوسع، حيث استُخدم بروفيسور أرداي “كصاعقة” لانتقاد سياسات التنوع وإثبات أنها تمنح فرصًا لمن لا يستحقون وفقًا لمعاييرهم. وهنا تأتي لفتة مهمة حول الميادين الرياضية والفنية، إذ تُظهر السلوك “التلقائي” للحشود تجاه الآخر الأفريقي أو العربي أو الآسيوي أو اللاتيني وفي أخرى الأديان، مما يؤكد أن العنصرية ليست مجرد قوانين، بل سلوك اجتماعي متأصل يُغلف بقوالب قانونية، ويطفو على السطح في لحظات العفوية التلقائية للحشود. لقد أثبتت قضية أرداي أن “نظام الضبط الاجتماعي” قد يكون أهم من القانون في الحماية، ففي خضم الحملة عانى بروفيسور أرداي من الضغط النفسي مما أدى إلى فقدان الوزن، ودخل في حالة عزلة وإحباط مفضلاً البقاء في المنزل من قساوة ما كان يتعرض له باستمرار، وحينها القانون لم يكن قادرًا على وقف الحملات المنظمة الممنهجة من التشويه والكراهية والعنصرية الخفي، بالرغم أن المجتمع الأخلاقي – المتمثل في زملائه وطلابه ومناصريه – كان يمكن أن يمد يد الحماية، لكن حملة التشويه كانت أشد وطأة، وكما أشار أحد زملائه إلى أنه تعرّض بما في ذلك السخرية وتشويه كل تفاصيل سيرة حياته، ولم يستطع تحمل فقدان مسيرته وسمعته التي قضى عمرًا في بنائها وكل الصعاب. والخلاصة أن قضية بروفيسور جيسون أرداي هي برهان مأساوي على أن الاعتراف بالآخر لا يتحقق بمجرد النصوص الدستورية والقوانين المكتوبة، وإنما يحتاج إلى مجتمع أخلاقي ونظام ضبط اجتماعي قوي يرفض العنصرية والازدراء ويحمي الأفراد من صناعة حملات الكراهية التي تتخفى خلف أقنعة النقد الموضوعي. لقد كان بروفيسور أرداي ضحية لـ”خوف” المجتمع من نموذج إنساني طموح نجح بالرغم كل الصعوبات الجسدية والعقلية والنفسية والاجتماعية النتنة، وهذا الخوف قاد إلى نهاية مأساوية لم تكن لتحدث لو أن القيم الأخلاقية في المجتمع كانت أقوى من قوانين الحماية الرسمية القانونية، ولعل العالم الآن للأسف يتجه ببطء إلى مزيد من العنصرية وعدم الاعتراف بالآخر، مغلفًا قانونيًا بالخوف من الضوابط لكن العمق يظل عنصريًا. ميادين الأنشطة الرياضية الخضراء تشهد السلوك الخفي تجاه أصحاب البشرة المختلفة في الأندية والمنتخبات وكذلك المبدعين والأدباء والمثقفين كصورة ذهنية مدركة تجاه المختلف حتى في أحايين كثيرة من الأجهزة الرسمية والمؤسسات، وللأسف نجد البعض يمارس هذا العنف الرمزي تجاه مجموعات هم بحسب عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أو بفهم السياق التاريخي لما عُرف بعبيد المنزل والمزرعة، أو في السياق إذا سرق ضعيف القوم أقام عليه الحد بينما يمرر القوي جرائمه تحت غطاء القانون والنفوذ السلطوي. هذه القصة الحزينة لن تنتهي هنا، بل ستظل محفزًا لأسئلة أعمق حول جوهر الحضارة الإنسانية ومدى قدرتنا حقًا على التعايش والاندماج مع المختلف الآخر، وإلى أي حد يمكن للقانون وحده أن يحقق العدالة دون وجود مجتمع أخلاقي يؤمن بأن إنسانية الآخر ليست هبة تُمنح، بل حقيقة واجبة الاعتراف. لنا عودة. شارك تصفّح المقالات من “شريف نيجيريا” إلى البرهان: هدايا الكاديلاك واللكزس.. حينما تُدار الدولة بعقلية “النقطة”