بقلم:نفيسة حجر

​في سابقةٍ لم يشهدها تاريخ السيادة السودانية، تحولت الدولة من حامية للحقوق وسيادة القانون إلى “منصة للنقطة” بأسلوب لا يختلف عن جلسات الطرب التي يحييها المغامرون. إن فضيحة “الكاديلاك السوداء” التي تبرع بها البرهان للمدعو “النور القبة”، تضعنا أمام مقارنة حتمية مع واقعة “اللكزس” الشهيرة التي أهداها “شريف نيجيريا” للفنانة ندى القلعة حيث تماهت تصرفات رأس الدولة مع سلوكيات البذخ والوجاهة الزائفة، لكن الفارق هنا مرعب فبينما كانت هدايا الشريف تُنسب لماله الخاص، فإن هدايا البرهان هي ممتلكات مواطنين سُلبت منهم قسراً وتمت “شفشفتها” لتستقر في عهدة السلطة قبل أن تُمنح كجائزة لـ “القتلة”.

​لقد لخص صاحب الحق المنهوب مأساة شعب كامل في سؤاله المباشر والمزلزل للبرهان: “أنت بتركب ساي حق مواطن؟” وهو السؤال الذي ينسف كل شعارات “معركة الكرامة” الزائفة، فلا كرامة لمن يركب “المسروق”، ولا هيبة لمن يوزع “المنهوب”. والمثير للسخرية والألم معاً، هو ما كشفه صاحب العربة من أن تحركات البرهان في بورتسودان “كلها” كانت بواسطة هذه الكاديلاك المسروقة فأن يظهر الرئيس في المحافل الرسمية ويستقبل البعثات الدبلوماسية وهو يجلس على “وجع مواطن” سُلبت منه سيارته، يثبت أن قمة الهرم السلطوي تعيش في انفصال تام عن الأخلاق، وتتعامل مع المنهوبات كحق مكتسب وكأنها “نقطة” تُدفع في حفل سياسي صاخب.

​إن انتقال السيارة من يد “الشفشافة” إلى مرآب البرهان في بورتسودان، ثم تقديمها كهدية رسمية لـ “النور القبة” لأنه “مبسوط منه”، هو عملية غسيل وتبييض واضحة للمنهوبات تهدف لشرعنة السلب وجعله جزءاً من بروتوكول السلطة. هذه العقلية تحول الدولة من حامية للحقوق إلى “وسيط” في سوق المسروقات، حيث يُكافأ المجرم بعرق الضحية لضمان ولاء المليشيات. إن “سر الكاديلاك السوداء” الذي ابان ان الدولة التي تُدار بعقلية “النقاط” هي دولة فقدت شرعيتها الأخلاقية والقانونية، فالمشفشف لا يصنع دولة، والمسروق لا يبني كرامة، وعار ركوب “حق المواطن” وإهدائه للمجرمين سيظل يلاحق هذا النظام كوصمة عار لا يغسلها اعتذار ولا تسترها حصانة.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *