مصطفي باخت أبو وعد…يكتب مدخل اول: ليست الأجهزة الرقابية والتشريعية مجرد مؤسسات تكمّل هيكل الدولة وإنما هي صمام أمانها وحارس قانونها وخط الدفاع الأول عن المال العام ومصالح المجتمع ولذلك فإن قوة الدولة لا تُقاس بكثرة مؤسساتها وإنما بمدى استقلال هذه المؤسسات وقدرتها على أداء واجبها بعيدًا عن النفوذ السياسي والقبلي والشخصي *لكن هذه الأجهزة تظل سيفًا ذا حدين* فحين تقوم على المهنية والاستقلال والنزاهة، تصبح أداة حقيقية للإصلاح ومحاربة الفساد وترسيخ دولة القانون وحين تُختطف بالمحاصصة والمصالح الضيقة تتحول من حارس للدولة إلى بوابة واسعة للفساد وحماية المتنفذين فالرقابة التي لا تملك الاستقلال تتحول إلى رقابة انتقائية تلاحق الضعفاء وتتغاضى عن الأقوياء. والتشريع الذي يخضع للمصالح السياسية لا يعود تشريعًا للمجتمع وإنما يصبح وسيلة لتقنين النفوذ وحماية المصالح الخاصة مدخل ثان: ان أخطر أنواع الفساد ليس سرقة المال العام فحسب وإنما فساد المؤسسات التي يفترض أن تمنع السرقة وتحاسب مرتكبيها، عندما يصبح الرقيب جزءًا من منظومة الفساد يصبح كشف الفساد أكثر صعوبة وعندما يتحول المشرّع إلى طرف في صراع المصالح، تفقد القوانين روح العدالة ويصبح القانون نفسه قابلًا للتوظيف لخدمة الأقوياء بدل حماية الضعفاء.لذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ فقط بملاحقة الفاسدين وإنما يبدأ من إصلاح المؤسسات التي تراقب وتحاسب وتشرّع وهذا يتطلب اختيار أصحاب الكفاءة والنزاهة وضمان الاستقلال المؤسسي وإبعاد هذه الأجهزة عن المحاصصة الحزبية والقبلية وإخضاع أعمالها للشفافية والمساءلة ووضع معايير واضحة تمنع تضارب المصالح واستغلال النفوذ وفي مشروع إعادة بناء الدولة السودانية *(تاسيس)* لا يمكن أن نعيد إنتاج المؤسسات القديمة بذات الأدوات والعقليات ثم ننتظر نتائج مختلفة *المطلوب هو تأسيس منظومة رقابية وتشريعية جديدة تقوم على الكفاءة والاستقلال والشفافية والمساءلة وسيادة القانون* فلا ينبغي أن يكون هناك مسؤول فوق الرقابة ولا رقيب فوق المساءلة ولا مشرّع فوق القانون *مدخل ثالث:* إن الدولة التي تريد محاربة الفساد يجب أن تبدأ بمحاصرة منافذه داخل مؤسساتها وأن تجعل من الرقابة ثقافة مؤسسية لا تصفية حسابات ومن التشريع وسيلة لحماية الحقوق لا غطاءً للمصالح ومن المحاسبة قاعدة عامة لا سلاحًا انتقائيًا، فالفساد لا يعيش فقط في غياب القانون، بل يعيش أحيانًا داخل مؤسسات القانون عندما تفقد استقلالها ونزاهتها ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست بين أشخاص وإنما بين منظومة تريد دولة مؤسسات ومنظومة تريد مؤسسات تخدم الأشخاص والخيار أمامنا واضح جدا إما أجهزة رقابية وتشريعية قوية ومستقلة تكون سيفًا مسلطا على الفساد وحصنًا للإصلاح وإما مؤسسات ضعيفة ومُسيّسة تتحول إلى غطاء للفساد وحماية للنفوذ فإذا استقام الرقيب استقامت الدولة وإذا فسد الرقيب أصبح الفساد أكثر قوةً من القانون وهنا تكمن مسؤولية مرحلة إعادة التأسيس، علينا أن نبني مؤسسات لا تخاف من السلطة ولا تنحني أمام النفوذ ولا تساوم على المال العام وإنما تخضع جميعها لقاعدة واحدة هي لا أحد فوق القانون ولا مؤسسة فوق المساءلة ولا مصلحة تعلو على مصلحة الوطن 14/أغسطس2026م وسنواصل شارك تصفّح المقالات السودان في مختبر مقاومة بلا لجان؟! من انقلاب 25 أكتوبر إلى حرب 15 أبريل.. كيف انهارت الثقة في البرهان