هشام محمد الشريف  …يكتب

 

كُنَّا قَدْ وَجَّهْنَا فِي “خَرِيفِ المَغَانِمِ” رِسَالَةً إِلَى هَيَاكِلِ القِيَادَةِ، نُحَذِّرُهَا مِنَ الفَسَادِ الَّذِي يَنْخُرُ فِي أَسَاسَاتِ البِنَاءِ.

وَاليَوْمَ نُدِيرُ الوَجْهَ إِلَى الضِّفَّةِ الأُخْرَى، إِلَى المُجْتَمَعَاتِ نَفْسِهَا، لِأَنَّ السَّفِينَةَ لَا يُغْرِقُهَا فَسَادُ القُبْطَانِ وَحْدَهُ، بَلْ يُغْرِقُهَا أَيْضًا تَرَاخِي البَحَّارَةِ وَنَوْمُهُمْ عَلَى ظَهْرِهَا وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ المَوْجَ لَنْ يَبْلُغَهُمْ.

 

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ المُجْتَمَعَ الَّذِي يَتَّكِئُ عَلَى قِيَادَتِهِ وَيَنْتَظِرُ مِنْهَا كُلَّ شَيْءٍ دُونَ أَنْ يُقَدِّمَ شَيْئًا، كَمَنْ يَزْرَعُ فِي أَرْضٍ مَالِحَةٍ وَيَنْتَظِرُ الحَصَادَ.

إِنَّ القِيَادَةَ مَهْمَا بَلَغَتْ قُوَّتُهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْمِلَ أُمَّةً عَلَى ظَهْرِهَا إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الأُمَّةُ قَدْ قَرَّرَتْ أَنْ تَسْتَلْقِيَ.

الحِمْلُ مُشْتَرَكٌ، وَالمَصِيرُ وَاحِدٌ، وَمَنْ يَظُنُّ أَنَّ النَّجَاةَ مَسْؤُولِيَّةُ غَيْرِهِ سَيَكْتَشِفُ مُتَأَخِّرًا أَنَّ الطُّوفَانَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ نَامَ وَمَنِ اسْتَيْقَظَ.

 

المَشَاكِلُ الدَّاخِلِيَّةُ

النَّارُ الَّتِي تَأْكُلُ البَيْتَ مِنْ دَاخِلِهِ

 

إِنَّ أَخْطَرَ مَا يُهَدِّدُ المُجْتَمَعَاتِ فِي أَزْمِنَةِ الحُرُوبِ لَيْسَ العَدُوَّ الخَارِجِيَّ وَحْدَهُ، بَلْ تِلْكَ الصِّرَاعَاتُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَنْشَأُ بَيْنَ أَبْنَاءِ المُجْتَمَعِ الوَاحِدِ

التَّنَازُعُ عَلَى المَوَارِدِ الشَّحِيحَةِ، وَالتَّحَاسُدُ عَلَى المَنَاصِبِ، وَالغِيبَةُ الَّتِي تَقْطَعُ الأَوْصَالَ، وَالشَّائِعَاتُ الَّتِي تُسَمِّمُ الأَجْوَاءَ.

هَذِهِ النِّيرَانُ الصَّغِيرَةُ، إِنْ لَمْ تُطْفَأْ فِي مَهْدِهَا، تَتَحَوَّلُ إِلَى حَرِيقٍ يَلْتَهِمُ النَّسِيجَ الاجْتِمَاعِيَّ بِأَكْمَلِهِ.

لَقَدْ عَلَّمَنَا التَّارِيخُ أَنَّ قَبِيلَةَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ فِي يَثْرِبَ ظَلَّتَا تَتَنَاحَرَانِ قُرُونًا فِي حُرُوبٍ لَا طَائِلَ مِنْ وَرَائِهَا، حَتَّى كَادَتَا تَفْنَيَانِ، إِلَى أَنْ جَمَعَهُمَا الإِسْلَامُ عَلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ فَصَارَتَا أُمَّةً وَاحِدَةً هَزَّتِ العَالَمَ.

وَفِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ مَمَالِكَ الطَّوَائِفِ فِي الأَنْدَلُسِ حِينَ تَفَرَّقَتْ وَتَنَاحَرَتْ فِيمَا بَيْنَهَا، سَقَطَتْ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى فِي أَيْدِي الفِرِنْجَةِ، وَضَاعَ مُلْكٌ عَظِيمٌ بِسَبَبِ خِلَافَاتٍ صَغِيرَةٍ أَكْبَرَهَا أَصْحَابُهَا حَتَّى صَارَتْ أَكْبَرَ مِنْهُمْ.

 

الالْتِحَامُ بِالقِيَادَةِ

وَاجِبٌ لَا مِنَّةٌ

 

إِنَّ العَلَاقَةَ بَيْنَ المُجْتَمَعِ وَقِيَادَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَاقَةَ شَرَاكَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، لَا عَلَاقَةَ انْتِظَارٍ وَتَلَقٍّ. الالْتِحَامُ بِالقِيَادَةِ يَعْنِي أَنْ تَكُونَ يَدَهَا الَّتِي تَبْطِشُ بِالفَسَادِ، وَعَيْنَهَا الَّتِي تَرَى مَا لَا تَرَاهُ، وَأُذُنَهَا الَّتِي تَسْمَعُ هَمْسَ الأَرْضِ.

الالْتِحَامُ يَعْنِي أَنْ تُقَدِّمَ لَهَا النُّصْحَ الصَّادِقَ فِي السِّرِّ قَبْلَ العَلَنِ، وَأَنْ تَدْفَعَ إِلَيْهَا بِالصَّالِحِينَ الأَكْفَاءِ لِيَتَصَدَّرُوا المَشْهَدَ وَيَقُودُوا المُشْكِلَاتِ إِلَى حُلُولِهَا.

 

إِنَّ القِيَادَةَ الَّتِي لَا يُحِيطُ بِهَا مُجْتَمَعٌ وَاعٍ يُسَانِدُهَا وَيُصَوِّبُ مَسَارَهَا، كَالشَّجَرَةِ الَّتِي تَقِفُ وَحِيدَةً فِي وَجْهِ العَاصِفَةِ.

أَمَّا حِينَ يَلْتَفُّ المُجْتَمَعُ حَوْلَ قِيَادَتِهِ كَالغَابَةِ الكَثِيفَةِ، فَإِنَّ الرِّيَاحَ مَهْمَا عَتَتْ لَا تَسْتَطِيعُ اقْتِلَاعَ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا.

هَكَذَا كَانَ الفِيتْنَامِيُّونَ حِينَ الْتَحَمُوا بِقِيَادَةِ هُو تْشِي مِنْه، فَهَزَمُوا أَعْتَى إِمْبِرَاطُورِيَّتَيْنِ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ فَرَنْسَا ثُمَّ أَمْرِيكَا. وَهَكَذَا كَانَ الجَزَائِرِيُّونَ حِينَ صَارَ كُلُّ بَيْتٍ خَنْدَقًا وَكُلُّ مُوَاطِنٍ جُنْدِيًّا، فَانْتَزَعُوا حُرِّيَّتَهُمْ مِنْ بَرَاثِنِ اسْتِعْمَارٍ اسْتَمَرَّ مِائَةً وَثَلَاثِينَ عَامًا.

تَقْدِيمُ الصَّالِحِينَ

أَمَانَةُ المُجْتَمَعِ الكُبْرَى

 

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُقَدِّمُهُ المُجْتَمَعُ لِقِيَادَتِهِ وَلِنَفْسِهِ أَنْ يَدْفَعَ بِالصَّالِحِينَ الأَكْفَاءِ إِلَى مَوَاقِعِ المَسْؤُولِيَّةِ.

فَالقِيَادَةُ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُعِينُهَا عَلَى حَمْلِ الأَمَانَةِ، وَالمُجْتَمَعُ هُوَ المَعِينُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَفِيضَ بِالكَفَاءَاتِ المُخْلِصَةِ. أَمَّا حِينَ يَتَخَاذَلُ المُجْتَمَعُ عَنْ هَذَا الوَاجِبِ، وَيَتْرُكُ الفَرَاغَ لِيَمْلَأَهُ المُتَسَلِّقُونَ وَالانْتِهَازِيُّونَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ طَعَنَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ.

 

لَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: “إِذَا بَلَغَنِي عَنْ عَامِلٍ أَنَّهُ ظَلَمَ وَلَمْ يَأْتِنِي مَنْ يُخْبِرُنِي، فَالنَّاسُ شُرَكَاؤُهُ فِي الظُّلْمِ”.

إِنَّ السُّكُوتَ عَنِ الفَاسِدِ شَرَاكَةٌ فِي فَسَادِهِ، وَالتَّقَاعُسَ عَنْ تَقْدِيمِ الصَّالِحِ خِيَانَةٌ لِلأَمَانَةِ.

فَلْيَنْظُرْ كُلُّ مُجْتَمَعٍ فِي أَبْنَائِهِ، وَلْيَدْفَعْ بِأَفْضَلِهِمْ عِلْمًا وَخُلُقًا وَكَفَاءَةً إِلَى حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا.

 

التَّهَاوُنُ وَالاسْتِرْخَاءُ

بَوَّابَةُ الفَنَاءِ

 

وَهُنَا نَصِلُ إِلَى أَخْطَرِ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ فِيهِ المُجْتَمَعَاتُ

التَّهَاوُنُ وَالاسْتِرْخَاءُ فِي زَمَنِ الأَزَمَاتِ.

إِنَّ المُجْتَمَعَ الَّذِي يَسْتَرْخِي وَالنَّارُ تُحِيطُ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، كَمَنْ يَنَامُ عَلَى سِكَّةِ القِطَارِ وَيَحْلُمُ بِأَحْلَامٍ وَرْدِيَّةٍ.

إِنَّ عَوَاقِبَ هَذَا التَّهَاوُنِ لَنْ تَكُونَ مُجَرَّدَ خَسَائِرَ عَابِرَةٍ، بَلْ قَدْ تَصِلُ إِلَى الإِفْقَارِ الكَامِلِ وَالتَّهْجِيرِ القَسْرِيِّ، بَلْ وَالفَنَاءِ.

 

لَقَدْ شَهِدَ التَّارِيخُ القَرِيبُ كَيْفَ أَنَّ التُّوتْسِي فِي رُوَانْدَا، حِينَ اسْتَرْخَوْا وَلَمْ يَأْخُذُوا إِشَارَاتِ الخَطَرِ مَأْخَذَ الجِدِّ، وَقَعُوا ضَحِيَّةَ إِبَادَةٍ جَمَاعِيَّةٍ رَاحَ ضَحِيَّتَهَا ثَمَانُمِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ فِي مِائَةِ يَوْمٍ. وَالأَرْمَنُ فِي الدَّوْلَةِ العُثْمَانِيَّةِ، حِينَ ظَنُّوا أَنَّ جِوَارَهُمُ الطَّوِيلَ يَحْمِيهِمْ، اكْتَشَفُوا مُتَأَخِّرِينَ أَنَّ التَّهَاوُنَ فِي قِرَاءَةِ المَشْهَدِ يُكَلِّفُ الشُّعُوبَ وُجُودَهَا.

وَفِلَسْطِينُ شَاهِدَةٌ حَيَّةٌ عَلَى أَنَّ المُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تَتَفَرَّقُ وَتَتَنَاحَرُ دَاخِلِيًّا تَفْقِدُ أَرْضَهَا شِبْرًا شِبْرًا أَمَامَ عَدُوٍّ مُتَّحِدٍ يَعْرِفُ مَا يُرِيدُ.

 

وَفِي أَفْرِيقِيَا، شَهِدْنَا كَيْفَ أَنَّ مُجْتَمَعَاتٍ بِأَكْمَلِهَا فِي شَرْقِ الكُونْغُو أُفْقِرَتْ وَهُجِّرَتْ مِنْ أَرَاضِيهَا الغَنِيَّةِ بِالمَعَادِنِ، لَا لِأَنَّ عَدُوَّهَا كَانَ أَقْوَى مِنْهَا، بَلْ لِأَنَّهَا تَفَرَّقَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَلَمْ تَلْتَحِمْ حَوْلَ قِيَادَةٍ مُوَحَّدَةٍ.

صَارَ أَبْنَاؤُهَا لَاجِئِينَ فِي أَرْضِهِمْ، وَثَرَوَاتُهُمْ تُنْهَبُ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ، وَلَا حَوْلَ لَهُمْ وَلَا قُوَّةَ.

 

الدَّرْسُ السُّودَانِيُّ

لَا وَقْتَ لِلنَّوْمِ

 

أَيُّهَا السُّودَانِيُّونَ، إِنَّ مَا يَمُرُّ بِنَا اليَوْمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَرْبٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هُوَ امْتِحَانُ وُجُودٍ. وَالمُجْتَمَعَاتُ الَّتِي تَتَهَاوَنُ فِي هَذَا الامْتِحَانِ لَنْ تَجِدَ فُرْصَةً لِإِعَادَتِهِ.

إِنَّ الوَاجِبَ اليَوْمَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ فَرْدٍ حَارِسًا لِمُجْتَمَعِهِ، يَحْمِيهِ مِنَ الفِتَنِ الدَّاخِلِيَّةِ كَمَا يَحْمِيهِ مِنَ العُدْوَانِ الخَارِجِيِّ. وَأَنْ يَلْتَحِمَ بِقِيَادَتِهِ الْتِحَامَ الدِّرْعِ بِصَاحِبِهِ، يَحْمِيهِ وَيَحْتَمِي بِهِ. وَأَنْ يُقَدِّمَ لَهَا أَفْضَلَ أَبْنَائِهِ لِيَكُونُوا سَاعِدَهَا الأَيْمَنَ وَعَيْنَهَا السَّاهِرَةَ.

 

وَلْيَعْلَمْ كُلُّ مُجْتَمَعٍ أَنَّ التَّارِيخَ لَا يَرْحَمُ المُتَقَاعِسِينَ، وَأَنَّ الفُرَصَ الَّتِي تَضِيعُ فِي زَمَنِ الأَزَمَاتِ لَا تَعُودُ. فَمَنِ اسْتَرْخَى اليَوْمَ سَيَجِدُ نَفْسَهُ غَدًا بِلَا أَرْضٍ وَبِلَا هُوِيَّةٍ وَبِلَا مُسْتَقْبَلٍ.

إِنَّ الأُمَمَ الَّتِي تَبْقَى هِيَ الَّتِي تَقِفُ صَفًّا وَاحِدًا خَلْفَ قِيَادَتِهَا، تُنَاصِحُهَا فِي السِّرِّ وَتُسَانِدُهَا فِي العَلَنِ، وَتَحْمِلُ مَعَهَا عِبْءَ المَرْحَلَةِ بِكُلِّ مَا تَمْلِكُ مِنْ قُوَّةٍ وَإِيمَانٍ.

 

فَلَا تَأْمَنُوا الغَرَقَ وَأَنْتُمْ فِي قَلْبِ المَوْجِ، وَلَا تَظُنُّوا أَنَّ العَاصِفَةَ سَتَمُرُّ وَحْدَهَا.

فَإِمَّا أَنْ تَكُونُوا سُفُنًا تَشُقُّ المَوْجَ، أَوْ حُطَامًا يَجْرِفُهُ التَّيَّارُ. وَالخِيَارُ بَيْنَ يَدَيْكُمْ… اليَوْمَ، لَا غَدًا. قَلْبِ المَوْجِ: نِدَاءٌ إِلَى المُجْتَمَعَاتِ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ

 

بِقَلَمِ: هِشَام مُحَمَّد شَرِيف

 

كُنَّا قَدْ وَجَّهْنَا فِي “خَرِيفِ المَغَانِمِ” رِسَالَةً إِلَى هَيَاكِلِ القِيَادَةِ، نُحَذِّرُهَا مِنَ الفَسَادِ الَّذِي يَنْخُرُ فِي أَسَاسَاتِ البِنَاءِ.

وَاليَوْمَ نُدِيرُ الوَجْهَ إِلَى الضِّفَّةِ الأُخْرَى، إِلَى المُجْتَمَعَاتِ نَفْسِهَا، لِأَنَّ السَّفِينَةَ لَا يُغْرِقُهَا فَسَادُ القُبْطَانِ وَحْدَهُ، بَلْ يُغْرِقُهَا أَيْضًا تَرَاخِي البَحَّارَةِ وَنَوْمُهُمْ عَلَى ظَهْرِهَا وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ المَوْجَ لَنْ يَبْلُغَهُمْ.

 

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ المُجْتَمَعَ الَّذِي يَتَّكِئُ عَلَى قِيَادَتِهِ وَيَنْتَظِرُ مِنْهَا كُلَّ شَيْءٍ دُونَ أَنْ يُقَدِّمَ شَيْئًا، كَمَنْ يَزْرَعُ فِي أَرْضٍ مَالِحَةٍ وَيَنْتَظِرُ الحَصَادَ.

إِنَّ القِيَادَةَ مَهْمَا بَلَغَتْ قُوَّتُهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْمِلَ أُمَّةً عَلَى ظَهْرِهَا إِذَا كَانَتْ تِلْكَ الأُمَّةُ قَدْ قَرَّرَتْ أَنْ تَسْتَلْقِيَ.

الحِمْلُ مُشْتَرَكٌ، وَالمَصِيرُ وَاحِدٌ، وَمَنْ يَظُنُّ أَنَّ النَّجَاةَ مَسْؤُولِيَّةُ غَيْرِهِ سَيَكْتَشِفُ مُتَأَخِّرًا أَنَّ الطُّوفَانَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مَنْ نَامَ وَمَنِ اسْتَيْقَظَ.

 

المَشَاكِلُ الدَّاخِلِيَّةُ

النَّارُ الَّتِي تَأْكُلُ البَيْتَ مِنْ دَاخِلِهِ

 

إِنَّ أَخْطَرَ مَا يُهَدِّدُ المُجْتَمَعَاتِ فِي أَزْمِنَةِ الحُرُوبِ لَيْسَ العَدُوَّ الخَارِجِيَّ وَحْدَهُ، بَلْ تِلْكَ الصِّرَاعَاتُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تَنْشَأُ بَيْنَ أَبْنَاءِ المُجْتَمَعِ الوَاحِدِ

التَّنَازُعُ عَلَى المَوَارِدِ الشَّحِيحَةِ، وَالتَّحَاسُدُ عَلَى المَنَاصِبِ، وَالغِيبَةُ الَّتِي تَقْطَعُ الأَوْصَالَ، وَالشَّائِعَاتُ الَّتِي تُسَمِّمُ الأَجْوَاءَ.

هَذِهِ النِّيرَانُ الصَّغِيرَةُ، إِنْ لَمْ تُطْفَأْ فِي مَهْدِهَا، تَتَحَوَّلُ إِلَى حَرِيقٍ يَلْتَهِمُ النَّسِيجَ الاجْتِمَاعِيَّ بِأَكْمَلِهِ.

لَقَدْ عَلَّمَنَا التَّارِيخُ أَنَّ قَبِيلَةَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ فِي يَثْرِبَ ظَلَّتَا تَتَنَاحَرَانِ قُرُونًا فِي حُرُوبٍ لَا طَائِلَ مِنْ وَرَائِهَا، حَتَّى كَادَتَا تَفْنَيَانِ، إِلَى أَنْ جَمَعَهُمَا الإِسْلَامُ عَلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ فَصَارَتَا أُمَّةً وَاحِدَةً هَزَّتِ العَالَمَ.

وَفِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ مَمَالِكَ الطَّوَائِفِ فِي الأَنْدَلُسِ حِينَ تَفَرَّقَتْ وَتَنَاحَرَتْ فِيمَا بَيْنَهَا، سَقَطَتْ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى فِي أَيْدِي الفِرِنْجَةِ، وَضَاعَ مُلْكٌ عَظِيمٌ بِسَبَبِ خِلَافَاتٍ صَغِيرَةٍ أَكْبَرَهَا أَصْحَابُهَا حَتَّى صَارَتْ أَكْبَرَ مِنْهُمْ.

 

الالْتِحَامُ بِالقِيَادَةِ

وَاجِبٌ لَا مِنَّةٌ

 

إِنَّ العَلَاقَةَ بَيْنَ المُجْتَمَعِ وَقِيَادَتِهِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَاقَةَ شَرَاكَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، لَا عَلَاقَةَ انْتِظَارٍ وَتَلَقٍّ. الالْتِحَامُ بِالقِيَادَةِ يَعْنِي أَنْ تَكُونَ يَدَهَا الَّتِي تَبْطِشُ بِالفَسَادِ، وَعَيْنَهَا الَّتِي تَرَى مَا لَا تَرَاهُ، وَأُذُنَهَا الَّتِي تَسْمَعُ هَمْسَ الأَرْضِ.

الالْتِحَامُ يَعْنِي أَنْ تُقَدِّمَ لَهَا النُّصْحَ الصَّادِقَ فِي السِّرِّ قَبْلَ العَلَنِ، وَأَنْ تَدْفَعَ إِلَيْهَا بِالصَّالِحِينَ الأَكْفَاءِ لِيَتَصَدَّرُوا المَشْهَدَ وَيَقُودُوا المُشْكِلَاتِ إِلَى حُلُولِهَا.

 

إِنَّ القِيَادَةَ الَّتِي لَا يُحِيطُ بِهَا مُجْتَمَعٌ وَاعٍ يُسَانِدُهَا وَيُصَوِّبُ مَسَارَهَا، كَالشَّجَرَةِ الَّتِي تَقِفُ وَحِيدَةً فِي وَجْهِ العَاصِفَةِ.

أَمَّا حِينَ يَلْتَفُّ المُجْتَمَعُ حَوْلَ قِيَادَتِهِ كَالغَابَةِ الكَثِيفَةِ، فَإِنَّ الرِّيَاحَ مَهْمَا عَتَتْ لَا تَسْتَطِيعُ اقْتِلَاعَ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهَا.

هَكَذَا كَانَ الفِيتْنَامِيُّونَ حِينَ الْتَحَمُوا بِقِيَادَةِ هُو تْشِي مِنْه، فَهَزَمُوا أَعْتَى إِمْبِرَاطُورِيَّتَيْنِ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ فَرَنْسَا ثُمَّ أَمْرِيكَا. وَهَكَذَا كَانَ الجَزَائِرِيُّونَ حِينَ صَارَ كُلُّ بَيْتٍ خَنْدَقًا وَكُلُّ مُوَاطِنٍ جُنْدِيًّا، فَانْتَزَعُوا حُرِّيَّتَهُمْ مِنْ بَرَاثِنِ اسْتِعْمَارٍ اسْتَمَرَّ مِائَةً وَثَلَاثِينَ عَامًا.

تَقْدِيمُ الصَّالِحِينَ

أَمَانَةُ المُجْتَمَعِ الكُبْرَى

 

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُقَدِّمُهُ المُجْتَمَعُ لِقِيَادَتِهِ وَلِنَفْسِهِ أَنْ يَدْفَعَ بِالصَّالِحِينَ الأَكْفَاءِ إِلَى مَوَاقِعِ المَسْؤُولِيَّةِ.

فَالقِيَادَةُ تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُعِينُهَا عَلَى حَمْلِ الأَمَانَةِ، وَالمُجْتَمَعُ هُوَ المَعِينُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَفِيضَ بِالكَفَاءَاتِ المُخْلِصَةِ. أَمَّا حِينَ يَتَخَاذَلُ المُجْتَمَعُ عَنْ هَذَا الوَاجِبِ، وَيَتْرُكُ الفَرَاغَ لِيَمْلَأَهُ المُتَسَلِّقُونَ وَالانْتِهَازِيُّونَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ طَعَنَ نَفْسَهُ بِيَدِهِ.

 

لَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: “إِذَا بَلَغَنِي عَنْ عَامِلٍ أَنَّهُ ظَلَمَ وَلَمْ يَأْتِنِي مَنْ يُخْبِرُنِي، فَالنَّاسُ شُرَكَاؤُهُ فِي الظُّلْمِ”.

إِنَّ السُّكُوتَ عَنِ الفَاسِدِ شَرَاكَةٌ فِي فَسَادِهِ، وَالتَّقَاعُسَ عَنْ تَقْدِيمِ الصَّالِحِ خِيَانَةٌ لِلأَمَانَةِ.

فَلْيَنْظُرْ كُلُّ مُجْتَمَعٍ فِي أَبْنَائِهِ، وَلْيَدْفَعْ بِأَفْضَلِهِمْ عِلْمًا وَخُلُقًا وَكَفَاءَةً إِلَى حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا.

 

التَّهَاوُنُ وَالاسْتِرْخَاءُ

بَوَّابَةُ الفَنَاءِ

 

وَهُنَا نَصِلُ إِلَى أَخْطَرِ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ فِيهِ المُجْتَمَعَاتُ

التَّهَاوُنُ وَالاسْتِرْخَاءُ فِي زَمَنِ الأَزَمَاتِ.

إِنَّ المُجْتَمَعَ الَّذِي يَسْتَرْخِي وَالنَّارُ تُحِيطُ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، كَمَنْ يَنَامُ عَلَى سِكَّةِ القِطَارِ وَيَحْلُمُ بِأَحْلَامٍ وَرْدِيَّةٍ.

إِنَّ عَوَاقِبَ هَذَا التَّهَاوُنِ لَنْ تَكُونَ مُجَرَّدَ خَسَائِرَ عَابِرَةٍ، بَلْ قَدْ تَصِلُ إِلَى الإِفْقَارِ الكَامِلِ وَالتَّهْجِيرِ القَسْرِيِّ، بَلْ وَالفَنَاءِ.

 

لَقَدْ شَهِدَ التَّارِيخُ القَرِيبُ كَيْفَ أَنَّ التُّوتْسِي فِي رُوَانْدَا، حِينَ اسْتَرْخَوْا وَلَمْ يَأْخُذُوا إِشَارَاتِ الخَطَرِ مَأْخَذَ الجِدِّ، وَقَعُوا ضَحِيَّةَ إِبَادَةٍ جَمَاعِيَّةٍ رَاحَ ضَحِيَّتَهَا ثَمَانُمِائَةِ أَلْفِ إِنْسَانٍ فِي مِائَةِ يَوْمٍ. وَالأَرْمَنُ فِي الدَّوْلَةِ العُثْمَانِيَّةِ، حِينَ ظَنُّوا أَنَّ جِوَارَهُمُ الطَّوِيلَ يَحْمِيهِمْ، اكْتَشَفُوا مُتَأَخِّرِينَ أَنَّ التَّهَاوُنَ فِي قِرَاءَةِ المَشْهَدِ يُكَلِّفُ الشُّعُوبَ وُجُودَهَا.

وَفِلَسْطِينُ شَاهِدَةٌ حَيَّةٌ عَلَى أَنَّ المُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تَتَفَرَّقُ وَتَتَنَاحَرُ دَاخِلِيًّا تَفْقِدُ أَرْضَهَا شِبْرًا شِبْرًا أَمَامَ عَدُوٍّ مُتَّحِدٍ يَعْرِفُ مَا يُرِيدُ.

 

وَفِي أَفْرِيقِيَا، شَهِدْنَا كَيْفَ أَنَّ مُجْتَمَعَاتٍ بِأَكْمَلِهَا فِي شَرْقِ الكُونْغُو أُفْقِرَتْ وَهُجِّرَتْ مِنْ أَرَاضِيهَا الغَنِيَّةِ بِالمَعَادِنِ، لَا لِأَنَّ عَدُوَّهَا كَانَ أَقْوَى مِنْهَا، بَلْ لِأَنَّهَا تَفَرَّقَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَلَمْ تَلْتَحِمْ حَوْلَ قِيَادَةٍ مُوَحَّدَةٍ.

صَارَ أَبْنَاؤُهَا لَاجِئِينَ فِي أَرْضِهِمْ، وَثَرَوَاتُهُمْ تُنْهَبُ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ، وَلَا حَوْلَ لَهُمْ وَلَا قُوَّةَ.

 

الدَّرْسُ السُّودَانِيُّ

لَا وَقْتَ لِلنَّوْمِ

 

أَيُّهَا السُّودَانِيُّونَ، إِنَّ مَا يَمُرُّ بِنَا اليَوْمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَرْبٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هُوَ امْتِحَانُ وُجُودٍ. وَالمُجْتَمَعَاتُ الَّتِي تَتَهَاوَنُ فِي هَذَا الامْتِحَانِ لَنْ تَجِدَ فُرْصَةً لِإِعَادَتِهِ.

إِنَّ الوَاجِبَ اليَوْمَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ فَرْدٍ حَارِسًا لِمُجْتَمَعِهِ، يَحْمِيهِ مِنَ الفِتَنِ الدَّاخِلِيَّةِ كَمَا يَحْمِيهِ مِنَ العُدْوَانِ الخَارِجِيِّ. وَأَنْ يَلْتَحِمَ بِقِيَادَتِهِ الْتِحَامَ الدِّرْعِ بِصَاحِبِهِ، يَحْمِيهِ وَيَحْتَمِي بِهِ. وَأَنْ يُقَدِّمَ لَهَا أَفْضَلَ أَبْنَائِهِ لِيَكُونُوا سَاعِدَهَا الأَيْمَنَ وَعَيْنَهَا السَّاهِرَةَ.

 

وَلْيَعْلَمْ كُلُّ مُجْتَمَعٍ أَنَّ التَّارِيخَ لَا يَرْحَمُ المُتَقَاعِسِينَ، وَأَنَّ الفُرَصَ الَّتِي تَضِيعُ فِي زَمَنِ الأَزَمَاتِ لَا تَعُودُ. فَمَنِ اسْتَرْخَى اليَوْمَ سَيَجِدُ نَفْسَهُ غَدًا بِلَا أَرْضٍ وَبِلَا هُوِيَّةٍ وَبِلَا مُسْتَقْبَلٍ.

إِنَّ الأُمَمَ الَّتِي تَبْقَى هِيَ الَّتِي تَقِفُ صَفًّا وَاحِدًا خَلْفَ قِيَادَتِهَا، تُنَاصِحُهَا فِي السِّرِّ وَتُسَانِدُهَا فِي العَلَنِ، وَتَحْمِلُ مَعَهَا عِبْءَ المَرْحَلَةِ بِكُلِّ مَا تَمْلِكُ مِنْ قُوَّةٍ وَإِيمَانٍ.

 

فَلَا تَأْمَنُوا الغَرَقَ وَأَنْتُمْ فِي قَلْبِ المَوْجِ، وَلَا تَظُنُّوا أَنَّ العَاصِفَةَ سَتَمُرُّ وَحْدَهَا.

فَإِمَّا أَنْ تَكُونُوا سُفُنًا تَشُقُّ المَوْجَ، أَوْ حُطَامًا يَجْرِفُهُ التَّيَّارُ. وَالخِيَارُ بَيْنَ يَدَيْكُمْ… اليَوْمَ، لَا غَدًا.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *