نجم الدين دريسة …يكتب

 

معظم الذين قدموا انتقادات لكتاب المفكر أبكر آدم إسماعيل جدلية المركز والهامش قراءة جديدة في دفتر الصراع في السودان مضوا في اتجاه يكشف بوضوح أن المشكلة لم تكن دائماً في الأطروحة نفسها بقدر ما كانت في المواقع الفكرية والتاريخية التي انطلق منها نقدها فقد تأسس جانب معتبر من هذه القراءات على مناهج وخلفيات ظلت أسيرة للسرديات التي صنعتها المركزية السودانية القابضة والخانقة وأعادت إنتاجها طويلاً باعتبارها حقائق نهائية لا يجوز الاقتراب منها أو إخضاعها للتفكيك والمساءلة

 

ولهذا لم يكن غريباً أن تواجه أطروحة أبكر بأحكام جاهزة وتصنيفات مسبقة تارة بوصفها أيديولوجية وتارة باعتبارها تقسيمية وتارة باتهامها بأنها تحمل جماعات بعينها مسؤولية المأساة السودانية بينما جوهر الكتاب يذهب إلى مكان مختلف تماماً فهو لا يقدم لائحة اتهام ضد جماعة بشرية ولا يحاكم الناس وفق أصولهم وإنما يحاول الكشف عن الكيفية التي تشكلت بها علاقات القوة وكيف أنتجت الدولة مركزها وصنعت هوامشها ووزعت السلطة والثروة والاعتراف بصورة غير متكافئة

 

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في الكتاب فالمركز عند أبكر ليس مدينة محددة ولا قبيلة ولا عرقاً ولا كتلة بشرية مغلقة وإنما موقع داخل منظومة السلطة ومؤسساتها وشبكات مصالحها وقدرتها على تحديد معنى الدولة والهوية الوطنية ومن يقترب من مواردها ومن يبقى بعيداً عنها ولذلك يستطيع شخص من الهامش أن يصبح جزءاً من المركز حين ينخرط في بنيته ومصالحه كما يستطيع شخص ينحدر من المجال الجغرافي للمركز أن يتمرد عليه ويقف ضد شروطه التاريخية

 

هذا الفهم وحده يهدم جانباً كبيراً من الاعتراضات التي قامت على السؤال عما إذا كان جميع سكان الشمال مسؤولين عن الحروب أو ما إذا كان كل المنتمين إلى الثقافة العربية شركاء في التهميش وهي أسئلة تبدو كبيرة لكنها في الحقيقة تناقش أطروحة لم يقدمها الكتاب لأن المسألة ليست توزيع الذنب على السكان وإنما تحليل توزيع القوة داخل الدولة والفرق بين الأمرين هو الفرق بين المحاكمة الأخلاقية للأفراد والتحليل البنيوي للتاريخ

 

ومن أكثر محاولات نقد الكتاب تكراراً القول إن المشكلة ليست في المركز وإنما في النخب التي اختطفت الدولة وهذا القول يبدو للوهلة الأولى مقنعاً لكنه يتوقف قبل الوصول إلى السؤال الأكثر أهمية وهو من أين جاءت هذه النخب وكيف استطاعت إعادة إنتاج نفسها ولماذا ظلت علاقات القوة الأساسية مستمرة رغم سقوط الحكومات وتغير الأنظمة وتعاقب المدنيين والعسكريين واختلاف الأيديولوجيات والشعارات

 

النخب لا تهبط من السماء ولا تعمل خارج التاريخ وإنما تنشأ داخل مؤسسات وشبكات اقتصادية واجتماعية وثقافية وتستمد قدرتها من بنية تسمح لها بالوصول إلى السلطة وإعادة إنتاج امتيازاتها ولذلك فإن تحميل النخب المسؤولية مع إعفاء البنية التي صنعتها لا يحل الإشكال بل ينقل النقاش من الجذر إلى الفرع ومن الدولة إلى الأشخاص ويترك النظام الذي أنتج الأزمة بعيداً عن المساءلة

 

لقد تغيرت الحكومات في السودان مرات كثيرة وسقطت أنظمة وقامت ثورات وعقدت اتفاقيات سلام وتبدلت الشعارات والأحزاب والوجوه ومع ذلك ظلت الحروب تندلع في الأطراف وظلت أزمة توزيع السلطة والثروة قائمة وظلت أسئلة الهوية والتمثيل والتنمية المتوازنة تعود في كل مرحلة وظل الجنوب ودارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق يقدمون بأشكال مختلفة السؤال نفسه حول طبيعة الدولة وموقع الشعوب والأقاليم داخلها

 

هذه الاستمرارية هي أحد أقوى الأدلة على أهمية جدلية المركز والهامش لأن الكتاب لا يبحث عن المسؤول عن حادثة منفصلة وإنما يحاول الوصول إلى الآلة التي تنتج الحوادث المتشابهة عبر الأزمنة المختلفة ولا يكتفي بالسؤال عن الحاكم الذي أشعل الحرب وإنما يسأل لماذا ظلت الدولة قادرة على إنتاج الحرب ولماذا تحولت مناطق بعينها باستمرار إلى ميادين للعنف والحرمان والمقاومة

 

حتى الحديث عن القبيلة والغنيمة والعقيدة باعتبارها مدخلاً بديلاً لتفسير الأزمة لا يهدم أطروحة أبكر وإنما يمكن إدراجه داخلها فالقبيلة لا تتحول إلى أداة سياسية واسعة من تلقاء نفسها والغنيمة لا تصبح نظاماً لتوزيع الموارد من دون سلطة والعقيدة لا تتحول من معتقد إلى وسيلة للإقصاء والقهر إلا عندما تمتلك مؤسسة قادرة على فرضها والسؤال هنا يعود مرة أخرى إلى الدولة وإلى من يسيطر عليها وكيف يوظف أدواتها

 

ولهذا فإن جدلية المركز والهامش أكثر اتساعاً من أن تختزل في ثنائية جغرافية ساذجة فهي تحاول تفسير علاقات السيطرة التي تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والثقافة وتكشف كيف يستطيع المركز إعادة إنتاج نفسه عبر أدوات مختلفة وكيف يستطيع أيضاً استقطاب بعض أبناء الهامش وتحويلهم إلى جزء من آليات بقائه وهذه نقطة شديدة الأهمية لأن الانتماء إلى الهامش لا يمنح حصانة تلقائية ضد التحول إلى جزء من المركز

 

ومن الاعتراضات المتكررة كذلك محاولة الدفاع عن الثقافة العربية كلما جرى الحديث عن المركز الثقافي وكأن نقد توظيف العروبة داخل الدولة السودانية يعني إعلان الحرب على الثقافة العربية أو إنكار إسهاماتها الحضارية وهذا خلط لا يخدم النقاش فالحديث ليس عن قيمة اللغة العربية ولا عن الفلسفة والأدب والعلوم التي أنتجتها الحضارة العربية الإسلامية وإنما عن الطريقة التي استخدمت بها بعض التصورات الثقافية في تعريف الدولة والهوية والانتماء

 

يمكن للثقافة أن تكون عظيمة في إنتاجها الإنساني وأن تستخدم بعض عناصرها في سياق سياسي بصورة إقصائية في الوقت نفسه ولا يوجد تناقض بين الأمرين ولذلك فإن الاحتفاء بالمنجز العربي الإسلامي لا يجيب عن سؤال العلاقة بين الثقافة والسلطة في السودان ولا يفسر لماذا احتاجت مجموعات سودانية عديدة إلى نضالات طويلة حتى تحصل على الاعتراف بلغاتها وثقافاتها وخصوصياتها داخل وطن يفترض أنه وطن الجميع

 

كما أن التمازج التاريخي بين العرب والمجموعات السودانية الأخرى لا يلغي إمكان نشوء تراتبية ثقافية فالتزاوج لا يعني المساواة السياسية والاختلاط السكاني لا يمنع ظهور علاقات الهيمنة ويمكن لمجتمع شديد التداخل في الأنساب أن يكون شديد الاختلال في توزيع السلطة والاعتراف وهذه من الحقائق التي تساعد أطروحة أبكر على فهمها بعيداً عن البحث المستمر عن نقاء عرقي لا وجود له أصلاً في السودان

 

وحتى الفقر الموجود داخل مناطق المركز لا يشكل دليلاً على سقوط المفهوم فالمركزية لا تعني أن كل فرد داخل المجال المهيمن ثري أو صاحب سلطة كما أن التهميش لا يعني أن كل فرد في الهامش فقير ومحروم المسألة تتعلق بالبنية وبدرجة الوصول إلى المؤسسات والموارد وبمن يمتلك القدرة على تعريف الوطن وصناعة القرار وتحديد أولويات التنمية وتمثيل الدولة ورسم صورتها الثقافية والسياسية

 

لقد نقل أبكر النقاش بهذه الأطروحة من النوايا إلى البنى وهذه واحدة من أهم إضافاته الفكرية فلم يعد السؤال ما إذا كان هذا السياسي يحب دارفور أو ذلك المثقف يتعاطف مع الجنوب أو هذا المسؤول يؤمن بالتنوع وإنما أصبح السؤال ماذا فعلت الدولة وكيف وزعت مواردها ومن امتلك مؤسساتها ولماذا ظلت بعض المناطق أقرب إلى القرار بينما ظلت مناطق أخرى تحتاج إلى الثورة والحرب والتفاوض حتى تحصل على جزء من حقوقها

 

ومن المفارقات اللافتة أن كثيراً من الذين حاولوا نقض جدلية المركز والهامش انتهوا إلى الاعتراف بمعظم الوقائع التي تقوم عليها الأطروحة فهم يعترفون بوجود التهميش ويعترفون بفشل النخب ويعترفون بتفاوت التنمية وبالتمييز الثقافي وباختلال توزيع السلطة والثروة وبالحروب التي ضربت الأقاليم ثم يرفضون المفهوم الذي يحاول جمع هذه الظواهر داخل إطار تفسيري واحد وكأن الأزمة ليست في الوقائع وإنما في الاسم الذي منحها القدرة على أن ترى مجتمعة

 

وهنا تحديداً تكمن خطورة كتاب أبكر على السردية التقليدية للدولة فهو لم يخترع المظالم ولم يصنع الحروب ولم يؤلف تاريخ التفاوت من الخيال وإنما منح هذه الوقائع لغة تربط بينها وتجعلها قابلة للقراءة داخل مسار واحد والمنظومات التاريخية تستطيع التعايش مع الشكاوى المتفرقة لكنها تشعر بالخطر عندما تتحول تلك الشكاوى إلى معرفة وعندما تتحول المعرفة إلى مفهوم قادر على تفسير كيفية اشتغال السلطة

 

فالسلطة لا تخشى الغضب بقدر ما تخشى الوعي والغضب يمكن احتواؤه أو قمعه أما الوعي فإنه يعيد تعريف المشكلة ويمنح أصحابها القدرة على فهم موقعهم داخلها ولهذا كان مفهوم المركز والهامش مزعجاً لأنه منح قطاعات واسعة من السودانيين لغة مختلفة لقراءة التاريخ خارج الرواية الرسمية التي صورت الدولة باعتبارها مشروعاً وطنياً متكاملاً تعرض لاحقاً لبعض الأخطاء بينما يكشف الكتاب أن الخلل كان أعمق من الأخطاء وأقدم من الحكومات المتعاقبة

 

ولا يعني الانتصار لهذا الكتاب التعامل معه كنص مقدس أو اعتبار أطروحته خاتمة التفكير في السودان فكل مشروع فكري قابل للنقد والتطوير ويمكن مساءلة بعض تعميماته وتوسيع أدواته وإضافة الأبعاد الطبقية والجندرية والاقتصادية والبيئية إلى تحليله لكن الفرق كبير بين نقد يطور المفهوم ونقد يبدأ من الرغبة في حماية البنية التي وضعها المفهوم تحت الضوء

 

القيمة الكبرى لجدلية المركز والهامش أنها نزعت القداسة عن الدولة القديمة وأعادت فتح دفتر تكوينها ووضعت الأسئلة التي طالما جرى تأجيلها أمام الجميع من امتلك الدولة ومن صاغ هويتها ومن حدد أولوياتها ومن احتكر قرارها ومن استفاد من مواردها ومن دفع أثمان حروبها ولماذا تحولت المواطنة المتساوية إلى وعد مؤجل منذ الاستقلال

 

لهذا لم يكن الكتاب مجرد تمرين فكري في تفسير التاريخ وإنما أصبح مرافعة عميقة من أجل إعادة تأسيس الدولة نفسها على قواعد جديدة لا تنتج مركزاً محتكرًا وهامشاً مقهوراً ولا تجعل الثقافة جسراً للامتياز ولا الجغرافيا حكماً على مستقبل الإنسان ولا تحول مؤسسات الدولة إلى ملكية تاريخية لفئة مهما كان اسمها أو أصلها

 

لقد هز أبكر آدم إسماعيل معابد السردية القديمة لأنه نقل الهامش من موقع الموضوع الذي يتحدث الآخرون عنه إلى موقع الذات التي تقرأ وتفسر وتسائل التاريخ وهذا التحول ربما يكون أكثر ما أخاف حراس المركزية التاريخية لأن احتكار السلطة يبدأ دائماً من احتكار تفسير التاريخ وينتهي عندما يستطيع الذين كانوا خارجه كتابة روايتهم بأدواتهم ومفاهيمهم

 

سيظل كتاب جدلية المركز والهامش واحداً من النصوص المؤسسة في الفكر السوداني لأنه لم يمنحنا إجابة مريحة بل وضعنا أمام السؤال الذي حاولت الدولة القديمة الهروب منه طويلاً وهو كيف صنعت هذه الدولة مركزها وكيف أنتج المركز هوامشه وكيف يمكن تأسيس وطن تنتهي داخله شروط إنتاج الاثنين

 

وعندما يأتي ذلك اليوم لن يكون الانتصار لأبكر آدم إسماعيل وحده ولا للهامش على المركز وإنما سيكون انتصاراً للسودان على دولته القديمة وانتصاراً للمواطنة على الامتياز وللتعدد على الهيمنة وللدولة المشتركة على دولة الاحتكار وعندها فقط تكون جدلية المركز والهامش قد أدت أعظم وظائفها التاريخية حين تساعد السودانيين على بناء وطن لا يحتاج أبناؤه فيه إلى أن يكونوا مركزاً حتى لا يصبحوا هامشاً

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *