إسماعيل  يونس..يكتب

 

تناول المفكر والكاتب والروائي والأديب والفيلسوف أبكر آدم إسماعيل، في تناوله الدائم للمشكل السوداني، كثيرًا من مظاهر أزمة الدولة والسلطة في السودان. وفي بعض كتاباته وقصائده، وصف شخصية الضابط الذي يتعالى على الجميع، ويجد حوله من يرفعون أصوات التكبير والتعظيم بمجرد ظهوره أمام المصفقين والمستهبلين: «الله أكبر، الله أكبر»، وكأنه إلهٌ عليهم، وليس مجرد ضابط في مؤسسة من مؤسسات الدولة.

 

هذه الشخصية تجلّت بصورة مخجلة وسافرة بالأمس في خطاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، حين تحدث عن ما وصفه، على حد قوله، بأنه «حوار سوداني ووطني» يريدون انعقاده في الخرطوم، في محاولة تبدو وكأنها تمهيد لإعادة إنتاج المشهد السياسي القديم، وصولًا إلى رئاسة السودان من جديد، فوق برك الدماء التي ساهمت سياسات الحرب في تكوينها وما تزال.

 

البرهان وضع نفسه، في خطابه، في موقع الدولة ذاتها. فقد كرر أكثر من مرة أن «الدولة لا تتدخل»، وأن «الدولة ستكون على مسافة واحدة»، وكأن الدولة كيان منفصل عنه، بينما هو في الوقت نفسه يتحدث باسمها ويحدد مواقفها ويضع نفسه في موقع الوصي عليها.

 

ولم يكتفِ بوضع نفسه في مقام الدولة، بل بدا في نظر بعض المصفقين والمطبلين وكأنه فوق الدولة والمجتمع معًا. وهكذا يحاول البعض صياغة مسرحية سياسية جديدة أمام الشعب السوداني، لكنها في حقيقتها ليست جديدة، وليست مضحكة حتى؛ لأنها مشهد مألوف عاشه السودانيون مرارًا، وإن كان هذه المرة يؤدي أدوارها أشخاص يفتقرون حتى إلى الاحتراف في إخراج مثل هذه المسرحيات.

 

غير أن الشعوب السودانية لم تعد كما كانت. فقد أدركت، عبر تجارب طويلة ومؤلمة، أن أصل الأزمة يكمن في طبيعة الدولة المركزية التي احتكرت السلطة والثروة والقرار، وأنتجت أزمات متكررة وحروبًا وانقلابات لا تنتهي.

 

ولذلك، فإن الطريق إلى مستقبل مختلف لا يمر عبر إعادة إنتاج الأشخاص أنفسهم أو تدوير النخب ذاتها، وإنما عبر إعادة تأسيس الدولة على قواعد جديدة، وفي مقدمتها إقامة دولة فدرالية حقيقية، تتمتع فيها الأقاليم بقدر كبير من الاستقلالية السياسية والمالية، بما يضمن توزيع السلطة والثروة بصورة أكثر عدلًا، ويضع حدًا لهيمنة المركز على بقية البلاد.

 

لقد أدرك السودانيون أن المشكلة ليست في تغيير وجه الحاكم وحده، وإنما في تغيير بنية الدولة نفسها، وإنهاء ثقافة الشخص الذي يختزل الدولة في ذاته، والمؤسسة التي تختزل الوطن في قيادتها.

 

ولهذا، فإن مثل هذه الخُطَل القديمة لن تنطلي على الشعوب السودانية مرة أخرى. فقد أصبح الوعي أكبر من أن يُخدع بمسرحيات سياسية مكررة، مهما تغيرت الوجوه وتبدلت الشعارات.

 

فالسودان الذي ينشده السودانيون ليس دولةً يحكمها رجل، وإنما دولةٌ يحكمها القانون، وتشارك في بنائها أقاليمها وشعوبها ومؤسساتها.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *