بمشاركة خبراء ومنظمات حقوقية ومدنية.. نقاش حول استقلال المحكمة الجنائية الدولية، والتوثيق الرقمي، وسبل تعزيز التعاون الدولي. عُقدت ورشة متخصصة حول «التحديات الراهنة للمحكمة الجنائية الدولية وآفاق المساءلة والتعاون الدولي»، بتنظيم من منصة شاهد للأدلة الرقمية والتوثيق الحقوقي، وبالتعاون مع المعهد الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ)، وبمشاركة عدد من المنظمات والمؤسسات والمهتمين بقضايا العدالة والمساءلة الدولية. وتناولت الورشة واقع منظومة العدالة الجنائية الدولية والتحديات المتزايدة التي تواجه المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب بحث سبل تعزيز استقلالها وفاعليتها، وتطوير آليات التعاون بين المؤسسات الدولية والوطنية والمنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان والتوثيق والمساءلة. وقدم الورشة المستشار القانوني الدولي الدكتور سيريل الوتشي، المتخصص في القانون الجنائي الدولي والمحكم في عدد من الملفات الدولية، حيث استعرض بصورة تحليلية أبرز التحديات السياسية والقانونية والمؤسسية التي تواجه المحكمة، وانعكاس الاستقطاب الدولي على قدرتها على الاضطلاع بدورها في مكافحة الإفلات من العقاب. التوثيق الرقمي.. جسر بين الانتهاكات وآليات العدالة وشكل التوثيق الرقمي أحد المحاور الرئيسية للنقاش، مع التركيز على الانتقال من مرحلة التوثيق السردي للانتهاكات إلى إنتاج أدلة رقمية موثوقة وقابلة للاستخدام أمام الجهات القضائية الدولية. وفي هذا السياق، جرى استعراض تجربة منصة شاهد للأدلة الرقمية والتوثيق الحقوقي، ودورها في جمع وحفظ وتوثيق الأدلة، مع التركيز على أهمية الالتزام بسلسلة حيازة الدليل (Chain of Custody)، والتحقق من البيانات الوصفية والمكانية والزمانية، واستخدام أدوات التحقيق مفتوحة المصدر (OSINT) لضمان سلامة الأدلة وإمكانية الاعتماد عليها قضائياً. كما تناولت الورشة أهمية حماية الأدلة الرقمية من الحذف أو التلاعب، وتمكين الضحايا والشهود من الوصول إلى قنوات آمنة للتوثيق، إلى جانب بناء قواعد بيانات منظمة يمكن أن يستفيد منها المحامون والباحثون وجهات الادعاء وآليات العدالة الدولية. العدالة الانتقالية والتعاون الدولي ناقشت الورشة كذلك الدور الذي يمكن أن تؤديه العدالة الانتقالية في دعم مسارات المساءلة، وأهمية التكامل بين المؤسسات الحقوقية والمنظمات الدولية ومنصات التوثيق الرقمي. واستعرضت المداولات عدداً من المحاور المرتبطة بالعدالة الانتقالية، من بينها الإصلاح المؤسسي للأجهزة العدلية، وتقصي الحقائق، وجبر الضرر والتعويضات للضحايا، ودعم المسارات القضائية الوطنية، وتعزيز السلم والأمن، وبناء شبكات مهنية تجمع الخبراء والمؤسسات العاملة في مجال العدالة. السودان في صدارة النقاش حظي ملف السودان باهتمام خاص خلال الورشة، باعتباره إحدى الحالات التي تبرز فيها الحاجة إلى تطوير آليات العدالة الدولية والتعاون مع الجهات المحلية العاملة في التوثيق والمساءلة. وناقشت الورشة التحديات المرتبطة بوصول المحققين الدوليين إلى مسارح الجرائم، وأهمية الاستفادة من قدرات المنظمات والراصدين الموجودين على الأرض، مع تدريبهم على جمع وحفظ الأدلة الرقمية وفق المعايير التي تضمن سلامة سلسلة الحيازة وقابليتها للاستخدام أمام المحاكم. كما تناول النقاش الحاجة إلى تطوير آليات أكثر مرونة للتعامل مع الجرائم والانتهاكات المستمرة، وتعزيز التعاون بين المحكمة والمؤسسات الوطنية والمنظمات المحلية، بما يساهم في تضييق الفجوة بين وقوع الانتهاك والوصول إلى العدالة. نحو نموذج أكثر تعاوناً وفاعلية خلصت الورشة إلى أهمية الانتقال من نماذج التعاون التقليدية إلى نموذج أكثر انفتاحاً وتكاملاً بين المؤسسات الدولية والوطنية، مع تعزيز الحضور الميداني للمؤسسات العدلية الدولية، وتوسيع الشراكات مع المنظمات المحلية ومنصات التوثيق الرقمي. كما أكدت المداولات أهمية حماية استقلال المحكمة الجنائية الدولية، وتعزيز كفاءة آليات اختيار قياداتها، وضمان استدامة تمويل التحقيقات، إلى جانب تشجيع الدول على استخدام أدواتها القانونية والمؤسسية من داخل منظومة نظام روما الأساسي بدلاً من الانسحاب منها. وأكد المشاركون أن التوثيق المهني وحماية الأدلة الرقمية يمثلان عنصراً أساسياً في معركة مكافحة الإفلات من العقاب، خصوصاً في النزاعات التي يصعب فيها الوصول الميداني إلى مسارح الجرائم. رسالة ختامية وأكدت الورشة في ختام أعمالها أن العدالة الدولية لا ينبغي أن تظل رهينة لموازين القوة السياسية، وأن حماية حقوق الضحايا تتطلب تعاوناً مستمراً بين المؤسسات الدولية والوطنية ومنظمات المجتمع المدني والجهات المتخصصة في التوثيق. كما شددت على أن تطوير أدوات التوثيق الرقمي، ورفع قدرات الراصدين المحليين، وحماية الأدلة والشهود، وتعزيز التعاون الدولي، تمثل جميعها خطوات عملية لتقريب المسافة بين وقوع الانتهاكات وتحقيق العدالة. شكر وتقدير تتقدم الجهات المنظمة بخالص الشكر والتقدير إلى المستشار القانوني الدولي الدكتور سيريل الوتشي على مشاركته القيمة وإثرائه أعمال الورشة بخبرته القانونية وتحليله المتخصص لقضايا العدالة الجنائية الدولية. كما تتوجه بالشكر إلى المعهد الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ) على تعاونه ودعمه لهذه الفعالية، وإسهامه في تعزيز الحوار حول قضايا العدالة الانتقالية والمساءلة وبناء القدرات المؤسسية. وتخص الجهات المنظمة بالشكر السيد محمد مناع، مترجم الورشة، على جهوده المهنية في تيسير التواصل ونقل الأفكار والمداخلات بين المشاركين، بما أسهم في إنجاح أعمال الورشة وتحقيق أهدافها. كما تعرب عن تقديرها العميق لجميع المنظمات والمؤسسات والمشاركين الذين لبوا الدعوة وأسهموا في إثراء النقاش وتبادل الخبرات والرؤى حول مستقبل العدالة والمساءلة الدولية. وتؤكد الجهات المنظمة أن هذه الورشة تمثل خطوة ضمن مسار أوسع نحو بناء شراكات أكثر فاعلية بين الخبرات القانونية الدولية، والمؤسسات العاملة في مجال العدالة الانتقالية، ومنصات التوثيق الرقمي، والمنظمات المحلية، بما يخدم الضحايا ويدعم جهود مكافحة الإفلات من العقاب وترسيخ سيادة القانون. شارك تصفّح المقالات رئيس المجلس الرئاسي يمتدح استجابة الأطراف لمبادرة حل النزاع في مقاطعة (هيبان)