رصد وتحرير : صالح السليمي

 

أولاً: الخلاصة التنفيذية

دخلت الأزمة السودانية خلال الأيام الأخيرة مرحلة جديدة من الضغط الدبلوماسي الأمريكي، مع تداول معلومات موثوقة نسبياً عن توجه مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، إلى طرح مقترح يقضي بفرض حظر على استخدام الطيران في المناطق الخاضعة لسيطرة كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلى جانب مقترح موازٍ لتقييد توريد السلاح إلى الطرفين. وقد نقلت مصادر دبلوماسية هذه المعلومات إلى «الشرق بلومبرغ»، كما أعادت عدة وسائل إعلام سودانية وعربية نشرها.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن مجلس الأمن مدرج على جدول أعماله رسمياً اجتماع بشأن السودان في 24 أغسطس 2026. غير أن الوثيقة الرسمية للمجلس تصف الاجتماع بأنه إحاطة (Briefing) بشأن تقارير الأمين العام عن السودان وجنوب السودان، ولا تشير، حتى تاريخ إعداد هذا التقدير، إلى وجود مشروع قرار منشور بشأن إنشاء منطقة حظر جوي.

وعليه، ينبغي عدم مساواة طرح المقترح أمام مجلس الأمن بوجود قرار دولي بفرض حظر جوي. فالمرحلة الحالية أقرب إلى مبادرة سياسية أمريكية قيد الاختبار والتفاوض منها إلى عملية تنفيذية وشيكة.

ومع ذلك، فإن أهمية التطور لا ينبغي التقليل منها. فالمقترح يأتي في سياق تصاعد غير مسبوق في استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب السودانية، حيث وثقت الأمم المتحدة مقتل أكثر من ألف مدني نتيجة ضربات المسيّرات خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، مع استمرار ارتفاع وتيرة الهجمات الجوية.

ويخلص هذا التقدير إلى أن جدية التوجه السياسي الأمريكي مرتفعة، بينما لا تزال احتمالات تحوله إلى نظام حظر جوي عسكري قابل للتنفيذ تتراوح بين منخفضة إلى متوسطة. وسيعتمد انتقاله من مستوى المبادرة السياسية إلى مستوى القرار الملزم بصورة أساسية على موقف روسيا والصين، وعلى طبيعة الآلية التنفيذية التي ستقترحها واشنطن، وعلى مدى استعداد الولايات المتحدة وحلفائها لتحمل التكاليف والمخاطر العسكرية المترتبة على فرض الحظر.

ثانياً: طبيعة المقترح وما هو ثابت حتى الآن

تفيد المعلومات المتداولة نقلاً عن مصادر دبلوماسية بأن مسعد بولس طلب عقد جلسة لمجلس الأمن بشأن السودان، وأنه سيطرح خلالها مقترحاً بفرض حظر طيران في المناطق التي يسيطر عليها كل من الجيش السوداني والدعم السريع، إضافة إلى مقترح يتعلق بحظر توريد السلاح إلى الطرفين.

وتبرز هنا ثلاث ملاحظات أساسية.

أولاً، المقترح لا يبدو موجهاً رسمياً ضد القوات المسلحة السودانية وحدها، بل صيغ، وفق المعلومات المتاحة، ليشمل مناطق سيطرة الطرفين. وهذا يمنحه، من الناحية السياسية، مظهراً أكثر توازناً، ويتيح لواشنطن تقديمه باعتباره إجراءً لحماية المدنيين ووقف استخدام القوة الجوية، وليس أداة لتغيير ميزان القوى لمصلحة أحد طرفي النزاع.

ثانياً، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان المقصود بـ«حظر الطيران» هو منع الطائرات العسكرية التقليدية فقط، أم أنه سيشمل الطائرات المسيّرة، أو الطائرات اللوجستية، أو جميع أشكال الاستخدام العسكري للمجال الجوي. وهذه مسألة جوهرية، لأن طبيعة الحرب الجوية في السودان تغيرت بصورة كبيرة خلال عام 2026 نتيجة الانتشار المكثف للمسيّرات.

ثالثاً، لا توجد حتى الآن، في الوثائق المنشورة رسمياً من مجلس الأمن، مسودة قرار أمريكية معلنة تنص على إنشاء منطقة حظر جوي في السودان. ومن ثم فإن أي حديث عن صدور قرار وشيك يجب التعامل معه باعتباره استنتاجاً سياسياً لا حقيقة إجرائية مكتملة.

ثالثاً: لماذا ظهر المقترح في هذا التوقيت؟

لا يمكن فهم المقترح بمعزل عن التحول الذي طرأ على طبيعة الحرب السودانية. فقد أصبحت المسيّرات عنصراً مركزياً في العمليات العسكرية، وتسببت في تصاعد الخسائر بين المدنيين وفي استهداف البنية التحتية والمرافق المدنية والإنسانية. وقد وصف مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان الزيادة في استخدام المسيّرات بأنها حادة، محذراً من آثارها على السكان المدنيين.

كما أشار مسؤولون أمميون إلى أن الاستخدام المتزايد للمسيّرات أصبح أحد أهم مصادر الخطر على المدنيين والعاملين في المجال الإنساني.

 

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الحظر الجوي المقترح باعتباره جزءاً من محاولة أمريكية للانتقال من الضغط السياسي العام إلى استهداف أحد أهم أدوات استمرار الحرب. غير أن التطور لا ينفصل كذلك عن المسار التفاوضي الذي تقوده واشنطن. فقد قدمت الإدارة الأمريكية خلال يوليو 2026 مقترحاً لهدنة إنسانية لمدة 90 يوماً تفضي إلى مفاوضات بشأن وقف دائم لإطلاق النار وترتيبات سياسية لاحقة. إلا أن الجيش السوداني ربط موافقته بانسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي تسيطر عليها، بينما قبل الدعم السريع مبدأ الهدنة لكنه رفض الانسحاب بالشروط التي طرحتها الحكومة، بحسب رويترز. وعليه، فإن طرح الحظر الجوي يمكن أن يُقرأ في أحد مستويين متلازمين:

1. أداة لحماية المدنيين وتقليص الهجمات الجوية والمسيّرات؛

2. أداة ضغط إضافية لدفع الطرفين نحو قبول الهدنة والمسار السياسي الأمريكي.

والراجح أن الهدفين متداخلان.

رابعاً: هل يمثل المقترح تغييراً في السياسة الأمريكية؟

نعم، ولكن بصورة تدريجية، فواشنطن لم تبدأ من نقطة الصفر. فقد صعّد مسعد بولس خلال عام 2026 من انخراط الإدارة الأمريكية في الملف السوداني، سواء عبر مجلس الأمن أو من خلال الاتصالات المباشرة مع الأطراف السودانية والقوى الإقليمية.

كما أن الولايات المتحدة اتخذت خلال يونيو 2026 إجراءات عقابية جديدة ضد السودان على خلفية اتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية، بالتوازي مع اتهامات أمريكية لقوات الدعم السريع بارتكاب جرائم واسعة النطاق. ويشير ذلك إلى انتقال تدريجي من سياسة التركيز على الوساطة والهدنة إلى مزيج من الوساطة والضغط والعقوبات والأدوات الأمنية.

لكن ينبغي -بحسب مراقبين -عدم تفسير ذلك باعتباره قراراً أمريكياً بالحسم العسكري في السودان. فالمسار المعلن ما زال يركز على وقف إطلاق النار والوصول الإنساني والحوار السياسي.

خامساً: العقبة القانونية والسياسيةأمام الحظر الجوي

إن إنشاء منطقة حظر جوي حقيقية يختلف جذرياً عن إصدار بيان سياسي يدعو الأطراف إلى عدم استخدام الطيران.

فالحظر الجوي القابل للتنفيذ يحتاج إلى:

• مراقبة مستمرة للمجال الجوي

• قدرات استخبارية واستطلاع؛وسائل جوية لاعتراض الطائرات المخالفة؛

• قواعد اشتباك واضحة؛

• تحديد الجهة التي ستتولى التنفيذ؛

• وإرادة سياسية لاستخدام القوة عند الضرورة.

ومن الناحية القانونية، فإن مجلس الأمن يستطيع، بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، اتخاذ تدابير ملزمة عندما يرى أن الوضع يشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين. لكن الانتقال من العقوبات أو القيود الاقتصادية إلى تفويض باستخدام القوة العسكرية يمثل خطوة أكثر حساسية.

وتجربة ليبيا عام 2011 تُظهر بوضوح حجم الفارق بين إعلان منطقة حظر جوي وتنفيذها. فقد استندت العملية الدولية إلى قرار مجلس الأمن 1973، الذي أجاز اتخاذ «جميع التدابير اللازمة» لحماية المدنيين وإنفاذ منطقة حظر جوي، ثم قامت دول الناتو بتنفيذ العملية عسكرياً.
سادساً: الموقف المتوقع من روسيا والصين

يمثل موقف العضوين الدائمين في مجلس الأمن، روسيا والصين، أحد أهم محددات مصير المبادرة.

فكلا البلدين يتمتع بحق النقض، كما أن لديهما مصالح سياسية واقتصادية واستراتيجية في السودان والبحر الأحمر وأفريقيا. ومن غير المرجح أن تقبلا بسهولة بتفويض غربي مفتوح باستخدام القوة الجوية داخل السودان، خصوصاً إذا صيغ القرار بطريقة تسمح بتفسير واسع للتفويض العسكري.

كما أن تجربة ليبيا ما زالت حاضرة بقوة في الحسابات الروسية والصينية؛ فقد أدى تنفيذ القرار 1973 إلى تدخل جوي واسع النطاق انتهى بانهيار نظام القذافي، وهو ما عزز تحفظ موسكو وبكين تجاه التفويضات الدولية التي يمكن أن تتحول إلى تدخل عسكري واسع.

وعليه، فإن فرص تمرير قرار حظر جوي عسكري كامل ستكون أكبر إذا صيغ باعتباره إجراءً محدوداً ومؤقتاً لحماية المدنيين، وأقل بكثير إذا ارتبط بتفويض واسع باستخدام القوة أو بتغيير ميزان القوى بين الطرفين.
سابعاً: العامل الإقليمي

لا يمكن تنفيذ أي ترتيبات جوية واسعة في السودان من دون حساب الجغرافيا الإقليمية. فالسودان دولة شاسعة، وتشترك في حدود طويلة مع مصر وليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا. كما أن الحرب أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بشبكات إقليمية لتدفق الأسلحة والمقاتلين والتمويل. ومن ثم فإن أي حظر جوي فعال سيحتاج إلى مراقبة المجال الجوي والحدود وممرات الإمداد، الأمر الذي يجعل التعاون مع دول الجوار عاملاً مهماً.

وستكون مواقف مصر وتشاد وليبيا وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا ذات أهمية، فضلاً عن مواقف السعودية والإمارات، نظراً إلى ارتباط البحر الأحمر والأمن الإقليمي بالصراع السوداني.

ومن الناحية السياسية، فإن واشنطن ستواجه أيضاً سؤالاً حساساً: هل يمكن تقديم الحظر باعتباره إجراءً محايداً إذا كان تأثيره العسكري غير متساوٍ على الطرفين؟

ثامناً: من المستفيد ومن المتضرر عسكرياً؟

هذه النقطة هي الأكثر حساسية، إذا كان الحظر شاملاً فعلاً للطيران العسكري والمسيّرات، فإنه سيؤثر في الطرفين، ولكن ليس بالضرورة بالدرجة نفسها.

القوات المسلحة السودانية تمتلك قوة جوية تقليدية أكثر تطوراً، وبالتالي فإن منع الطيران الحربي سيحد من إحدى أهم أدواتها في مواجهة ضرب مواقع الدعم السريع.

وفي المقابل، يعتمد الدعم السريع بصورة متزايدة على المسيّرات والقدرات الجوية غير المأهولة، فضلاً عن شبكات الإمداد الأرضية. ومن ثم فإن النتيجة العسكرية الصافية ستعتمد بالكامل على تعريف «الطيران» الذي سيشمله الحظر. إذا شمل الطائرات المأهولة فقط، فقد يكون أثره النسبي أكبر على القوات المسلحة. أما إذا شمل المسيّرات أيضاً، فإن تأثيره على الطرفين سيكون أوسع، وقد يؤدي إلى خفض مستوى التصعيد الجوي بصورة ملموسة.

تاسعاً: هل يمكن تنفيذ الحظر فعلياً؟

من الناحية العسكرية البحتة، يمكن إنشاء نظام مراقبة وحظر جوي على السودان، لكن تكلفة العملية ستكون مرتفعة ومعقدة. فالسودان من أكبر دول أفريقيا مساحة، ولا يمكن التعامل مع مجاله الجوي كما لو كان منطقة محدودة. وإذا كان الهدف حماية مناطق المدنيين فقط، فإن إنشاء مناطق حظر محددة حول المدن والممرات الإنسانية سيكون أكثر واقعية من فرض حظر شامل على كامل المجال الجوي السوداني.

وهذا يقود إلى احتمال وجود صيغة وسطية أكثر قابلية للتطبيق، تتمثل في:

• مناطق حظر جوي محددة

• حظر استخدام الطيران العسكري والمسيّرات حول المدن والمناطق المكتظة؛

• حماية الممرات الإنسانية؛

• مراقبة دولية للمطارات؛

• نظام لتوثيق الخروقات؛

• وربط أي خرق بعقوبات تلقائية.

وقد يكون هذا النموذج أكثر قابلية للحصول على توافق دولي من نموذج «منطقة حظر جوي شاملة» بالمعنى العسكري التقليدي.
عاشراً: البعد السياسي للمبادرة

من الخطأ النظر إلى المبادرة باعتبارها عسكرية فقط.

إن توقيت طرحها، بالتزامن مع تعثر مقترح الهدنة الأمريكية، يرجح أنها تحمل وظيفة تفاوضية قوية.

فالولايات المتحدة تستطيع من خلال طرح الحظر أن تبعث برسالة إلى الطرفين مفادها أن استمرار الحرب الجوية لن يكون بلا تكلفة. وفي الوقت نفسه، تستطيع واشنطن استخدام المقترح للضغط على الأطراف الإقليمية التي يُتهم بعضها بتوفير السلاح أو الدعم اللوجستي.

وعليه، قد يكون مجرد طرح الحظر، حتى إذا لم يصدر قرار بشأنه، ذا قيمة سياسية. فإذا أدرك الجيش والدعم السريع أن واشنطن مستعدة للانتقال إلى أدوات أكثر صرامة، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة حسابات الطرفين في المفاوضات.

حادي عشر: تقدير درجة جدية التوجه

استناداً إلى المعلومات المتاحة حتى 23 أغسطس 2026، يمكن تصنيف الوضع على النحو الآتي:

المؤشر التقدير

وجود مبادرة أمريكية فعلية مرتفع

طرحها في إطار مجلس الأمن مرتفع

وجود قرار أممي جاهز للتصويت غير مثبت

وجود آلية عسكرية أمريكية معلنة للتنفيذ غير متوفر

احتمال حظر جوي شامل قريباً منخفض

احتمال فرض قيود جوية محددة كجزء من تسوية متوسط

استخدام المقترح كأداة ضغط تفاوضية مرتفع جداً

وبعبارة أخرى، فإن الجدية السياسية للمبادرة أكبر بكثير من جاهزيتها العسكرية.

ثاني عشر: السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: مبادرة ضغط دون قرار ملزم

تطرح الولايات المتحدة الفكرة في مجلس الأمن، وتواجه تحفظات من روسيا والصين أو من دول أخرى، ولا يتحول المقترح إلى قرار. هذا السيناريو، في تقديري، هو الأكثر احتمالاً على المدى القصير.

السيناريو الثاني: قرار سياسي أو بيان رئاسي

قد يتم التوصل إلى صيغة تدعو الطرفين إلى وقف استخدام الطيران والمسيّرات ضد المدنيين، وربط ذلك بالهدنة، دون إنشاء منطقة حظر جوي عسكرية.

وهذا أكثر قابلية للتحقق من السيناريو العسكري الكامل.

السيناريو الثالث: مناطق حظر جوي محددة

قد تتطور المبادرة إلى ترتيبات أكثر محدودية، تشمل مناطق مدنية أو ممرات إنسانية، مع آلية مراقبة دولية. وهذا السيناريو أكثر واقعية من فرض حظر جوي شامل على كامل السودان.

السيناريو الرابع: حظر جوي شامل مع تفويض باستخدام القوة

يمثل هذا السيناريو أقصى درجات التصعيد، ويتطلب توافقاً سياسياً كبيراً داخل مجلس الأمن واستعداداً دولياً لتوفير القوة العسكرية اللازمة. وفي الظروف الحالية، يبدو هذا السيناريو الأقل احتمالاً.

ثالث عشر: ماذا ينبغي مراقبته في جلسة مجلس الأمن؟

ستكون جلسة 24 أغسطس مؤشراً مهماً، لكن ينبغي قراءة نتائجها بعناية.وتبرز خمسة مؤشرات محددة:

أولاً: هل تستخدم الولايات المتحدة رسمياً مصطلح No-Fly Zone أم تكتفي بالدعوة إلى وقف استخدام الطيران؟

ثانياً: هل يشمل المقترح المسيّرات، أم الطائرات المأهولة فقط؟

ثالثاً: هل ستطرح واشنطن نصاً مكتوباً لمشروع قرار؟

رابعاً: هل سيُربط الحظر بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة؟

خامساً: ما موقف روسيا والصين، وهل تعارضان المبدأ نفسه أم تعترضان على آلية التنفيذ؟

رابع عشر: التقييم النهائي

إن التوجه الأمريكي الجديد يمثل، بلا شك، تطوراً نوعياً في إدارة الأزمة السودانية. فالولايات المتحدة لم تعد تكتفي بالدعوة إلى وقف إطلاق النار والوصول الإنساني، وإنما بدأت تبحث في أدوات يمكنها التأثير مباشرة في القدرات العسكرية التي تسمح باستمرار الحرب. غير أن الانتقال من مبادرة سياسية إلى منطقة حظر جوي فعلية يحتاج إلى سلسلة من القرارات والتوافقات غير المتحققة حتى الآن.

ومن ثم، فإن التوصيف الأدق في هذه المرحلة هو:

«مبادرة أمريكية جدية لبحث فرض قيود على استخدام الطيران في الحرب السودانية، يجري اختبارها سياسياً داخل مجلس الأمن، لكنها لم تتحول بعد إلى قرار أممي بفرض منطقة حظر جوي أو إلى عملية عسكرية لتنفيذها.»

ولا ينبغي، في المقابل، التقليل من أهميتها؛ فالمبادرة تكشف عن استعداد واشنطن للنظر في أدوات ضغط أكثر صرامة إذا فشل المسار الحالي للهدنة. والأرجح أن القيمة الفورية للمبادرة ستكون تفاوضية أكثر منها عسكرية. فإذا نجحت في دفع الجيش والدعم السريع إلى قبول هدنة قابلة للمراقبة، فقد لا تكون هناك حاجة أصلاً إلى إنشاء منطقة حظر جوي واسعة. أما إذا استمر رفض التسوية السياسية وتصاعد استخدام المسيّرات والهجمات الجوية، فقد تنتقل الفكرة تدريجياً من أداة ضغط إلى مقترحات أكثر تحديداً بشأن حماية المدنيين والممرات الإنسانية.

وفي ضوء ذلك، فإن التطور الحالي ينبغي أن يُقرأ باعتباره مرحلة اختبار للسياسة الأمريكية تجاه الحرب السودانية، وليس بعدُ قراراً أمريكياً بخوض مواجهة جوية في السودان.

ويظل العامل الحاسم هو ما إذا كانت واشنطن ستنجح في تحويل المبادرة إلى توافق دولي قابل للتنفيذ. فإذا اصطدمت المبادرة بالفيتو الروسي أو الصيني، أو لم تجد واشنطن شركاء مستعدين لتوفير القدرة العسكرية اللازمة، فمن المرجح أن تبقى في إطار الضغط السياسي والعقوبات والتهديدات.

أما إذا ظهرت خلال الأيام المقبلة مسودة قرار بموجب الفصل السابع، تتضمن آلية واضحة لمراقبة المجال الجوي وتفويضاً باستخدام القوة، فإن ذلك سيكون مؤشراً على انتقال الملف إلى مرحلة مختلفة جذرياً، وعندها ينبغي إعادة تقييم احتمالات التدخل الدولي بصورة فورية.

 

( انتهى الرصد)

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *