أدم الحاج أديب..يكتب لم تعد الأزمة السودانية أزمة داخلية يمكن إدارتها بالشعارات، أو كسب الوقت، أو تعليق الفشل على مؤامرات الخارج. فبعد سنوات من الانسداد السياسي والحرب والانهيار الإنساني، يبدو أن القوى الأكثر تصلباً في المشهد السوداني، وفي مقدمتها التيارات الإسلاموية وحلفاؤها داخل سلطة بورتسودان، قد أوصلت الدولة إلى مرحلة أصبح فيها المجتمع الدولي يلجأ إلى أدوات الضغط والعقوبات والعزل السياسي بحثاً عن وسيلة لفرض تغيير في حسابات الأطراف المتحاربة. لكن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في التدخل الخارجي، بل في عقلية الاستنعاش السياسي التي تراهن على الفاعلين الدوليين والمناورات الدبلوماسية لضمان البقاء، متجاهلةً أن استدعاء الخارج لا يبني دولة، ولا يصنع شرعية وطنية. وهنا لا بد من طرح السؤال بوضوح: كيف وصلت الدولة السودانية إلى هذه اللحظة؟ إن جزءاً كبيراً من الإجابة يكمن في السياسة العدمية التي ظلت ترفض التسويات عندما تكون ممكنة، ثم تكتشف بعد فوات الأوان أن كلفة الرفض أصبحت أكبر من كلفة التنازل. فمنذ سقوط نظام عمر البشير، تعاملت قوى الإسلام السياسي مع التحولات السودانية بعقلية استعادة السلطة أكثر من عقلية إنقاذ الدولة. وظل منطق الإقصاء والشروط الصفرية وتخوين الخصوم حاضراً، حتى انفجرت البلاد في حرب لم تترك مؤسسة إلا وأصابتها بالشلل أو التدمير. واليوم يبدو عبد الفتاح البرهان، وهو يقود سلطة الأمر الواقع باسم الجيش، وكأنه يعيد إنتاج بعض أخطاء سلفه المخلوع عمر البشير. فالبشير كان يخاطب العالم بعنجهية سياسية، ويواجه الضغوط الدولية بالحديث عن السيادة والإرادة الشعبية، بينما كانت الدولة تتآكل من الداخل. والبرهان، في ظل استمرار الحرب، يرفع بدوره سقف الشروط ويرفض كثيراً من الضغوط، مستنداً إلى خطاب يقول إنه يمثل إرادة الشعب السوداني. لكن أي إرادة شعبية يمكن الحديث عنها بينما ملايين السودانيين يعيشون النزوح والجوع وفقدان التعليم والعلاج والأمن؟ إن أخطر ما يمكن أن تفعله سلطة سياسية في زمن الحرب هو أن تخلط بين امتلاك السلاح وامتلاك التفويض الشعبي، وأن تحول مفهوم «الإرادة الشعبية» إلى مجرد دروع بشرية سياسية تُستغل لتبرير استمرار القتال، بدلاً من كونها مصدراً أصيلاً للحكم والتشريع. فالشعب الذي يدفع ثمن الحرب ليس مجرد جمهور يمكن استدعاؤه إلى الخطب السياسية كلما اشتد الضغط الدولي. ما جدوى الفيتو؟ في هذا السياق، يعود الحديث عن الدول التي يمكن أن تستخدم حق النقض، أو «الفيتو»، لحماية حلفائها داخل مجلس الأمن، وفي مقدمتها روسيا والصين. ويبدو أن بعض القوى السودانية تراهن على أن الصراع بين القوى الدولية الكبرى وتحالفاتها يمكن أن يوفر لها مظلة سياسية تمنع صدور قرارات دولية أكثر قسوة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يتعلم منه الإسلاميون قبل غيرهم هو: هل يستطيع الفيتو أن يحل أزمة وطنية؟ التاريخ السوداني يقدم إجابة واضحة. فقد استطاع نظام البشير، في فترات مختلفة، كسب مواقف دول وحكومات، ونجح أحياناً في تعطيل بعض الضغوط، لكنه لم يستطع أن يمنع سقوطه عندما اكتملت عوامل الانهيار الداخلي. لم تنقذه التحالفات، ولم تنقذه الشعارات، ولم تنقذه المناورات الدبلوماسية، لأن الأزمة الحقيقية كانت داخل السودان. الفيتو يمكن أن يؤجل قراراً، لكنه لا يستطيع إطعام شعب جائع. ويمكنه تعطيل عقوبة، لكنه لا يستطيع إعادة بناء مؤسسة منهارة. ويمكنه حماية حليف في مجلس الأمن، لكنه لا يستطيع صناعة شرعية سياسية مفقودة. وهذه هي العبرة المجانية التي يبدو أن ورثة النظام القديم لم يستفيدوا منها: التأجيل ليس حلاً، والحماية الدولية المؤقتة ليست بديلاً عن السلام الداخلي. تحالف بورتسودان أمام رياح الداخل والخارج إن واقع تحالف بورتسودان اليوم أكثر تعقيداً مما تحاول خطابات التعبئة تصويره. فهو تحالف يجمع قوى عسكرية وسياسية وأيديولوجية ومصالح متناقضة، ولا يعني اجتماع هذه القوى في خندق واحد أنها تمتلك رؤية واحدة لمستقبل السودان. فالضغط الخارجي يتزايد، والأزمة الاقتصادية والإنسانية تتعمق، والحرب تستنزف الموارد والقدرات، بينما تظهر التناقضات داخل المعسكر نفسه. وكلما طال أمد الحرب، أصبحت إدارة هذه التناقضات أكثر صعوبة. ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل يستطيع هذا التحالف الصمود أمام رياح العزلة والضغوط الدولية والتصدعات الداخلية؟ إن المقارنة مع عهد البشير تكشف مفارقة مهمة. فعلى الرغم من عزلة نظام البشير في سنواته الأخيرة، فإنه كان يمتلك حزباً حاكماً أكثر تنظيماً، وأجهزة دولة أكثر تماسكا، وهيكلاً عسكرياً وأمنياً أكثر استقراراً، كما كان يسيطر على مؤسسات الدولة المركزية بصورة أكبر. أما عهد البرهان فقد جاء في دولة منهكة، ومجتمع منقسم، ومؤسسات ممزقة، وحرب مفتوحة، وتحالفات متحركة. ولهذا فإن الرهان على أن الزمن وحده سيعمل لصالح سلطة بورتسودان قد يكون رهانا خطيرا. البرهان: صانع قرار أم واجهة لمصالح أكبر؟ تبقى المسألة الأكثر تعقيداً: هل البرهان يملك فعلاً حرية اتخاذ القرار، أم أنه جزء من لعبة إقليمية ودولية أكبر؟ الحقيقة أن السودان أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية عديدة. ولذلك لا يمكن تفسير مواقف البرهان بمعزل عن حسابات حلفائه وخصومه. لكن تحويل السودان إلى ورقة في لعبة الدول الكبرى يحمل خطراً آخر: أن يصبح القرار الوطني رهينة مصالح لا علاقة لها بمصلحة المواطن السوداني. وقد يجد البرهان في التحالفات الخارجية مساحة للمناورة، لكنه لن يجد فيها ضماناً دائماً للبقاء. فالدول تغير مواقفها عندما تتغير مصالحها، والحلفاء الذين يقدمون الدعم اليوم قد يطالبون غداً بثمن سياسي أو استراتيجي أكبر. وهنا تكمن الحقيقة التي ينبغي أن يسمعها الجميع: لا عصا الأمريكان وحدها تصنع السلام، ولا فيتو الدولتين وحده يحمي سلطة إلى الأبد. فالسلام لن تصنعه العقوبات وحدها، كما لن يصنعه التصلب والمكابرة. والعقوبات قد تصبح وسيلة ضغط، لكنها ليست مشروعاً وطنياً. أما الفيتو فقد يوقف قراراً في نيويورك، لكنه لن يوقف نزيف الدم في السودان. إن الطريق الوحيد للخروج من هذا النفق يبدأ عندما تدرك القوى المتصارعة أن السودان أكبر من مشروع أي جماعة، وأن الجيش ليس ملكاً لتنظيم، وأن الدولة لا يمكن أن تدار بعقلية الغلبة الدائمة. لقد كان البشير يظن أن السلطة ستبقى لأن أدوات القوة بين يديه، ثم سقط. واليوم ينبغي للبرهان ومن حوله أن يفهموا أن التاريخ لا يكرر نفسه بصورة متطابقة، لكنه يعاقب الذين يصرون على تجاهل دروسه. السؤال لم يعد: من يستطيع أن يستخدم الفيتو لحماية سلطة بورتسودان؟ بل: هل تصنع عصا الأمريكان وفيتو الدولتان سلام السودان، أم يمنحان السلطان عمراً إضافياً حتى تأتي لحظة الحساب؟ آدم الحاج أديب 23 أغسطس 2026م شارك تصفّح المقالات حكومة السلام والرهان على العودة الطوعية للاجئين (2) الأستاذة رشا عوض وتكييف العدالة التاريخية في قالب العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية من يملك حق تعريف الماضي السوداني، ومن يحدد استحقاقات المصالحة؟