عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان ..يكتب إلى بنات وأبناء الشعب السوداني عندما توحد الشعب السوداني في ثورة ديسمبر المجيدة لم تكن الثورة ثورة قبيلة ضد قبيلة ولا اقليم ضد اقليم ولم تكن ثورة جهة على جهة بل كانت ثورة شعب كامل خرج من مختلف مدن السودان وقراه واقاليمه مطالبا بالحرية والكرامة والعدالة والسلام والدولة المدنية كان السودانيون يومها شعبا واحدا وكانت حناجر الثوار اقوى من اصوات المدافع وكانت ارادة الجماهير اقوى من الخوف والاستبداد ولذلك نجح الشعب السوداني في اسقاط نظام الانقاذ في واحدة من اعظم لحظات الوحدة الوطنية في تاريخ السودان الحديث لم يسأل الثوار بعضهم بعضا من اي قبيلة جئت ولا من اي اقليم انت ولا ما هي جهتك السياسية كان الرابط بينهم هو السودان وكان الحلم واحدا والهدف واحدا والمصير واحدا لكن بعد اندلاع الحرب في ١٥ ابريل 2023 تغيرت حياة السودانيين بصورة مأساوية فاصبح الموت لا يفرق بين قبيلة وقبيلة ولا بين اقليم واقليم واصبح الجوع يطرق ابواب الجميع واصبح النزوح واللجوء واقعا يعيشه ملايين السودانيين واصبحت الاسرة السودانية تدفع ثمن حرب لم تخترها ولم تكن طرفا في اشعالها لقد مات السودانيون كسودانيين وجاع السودانيون كسودانيين ونزح السودانيون كسودانيين ولجأ السودانيون كسودانيين ولم يسأل الموت الضحية عن قبيلتها ولم يسأل الجوع عن اقليمها ولم يسأل النزوح عن لونها او لغتها ولهذا يجب ان يعرف الشعب السوداني ان وحدته واجب لم تكن شعارا عابرا بل هي شرط اساسي لبقاء السودان نفسه كل خطاب يدعو الى الكراهية والعنصرية والجهوية والتخوين والتحريض على ابناء الوطن بسبب القبيلة او الاقليم هو خطاب خطير يخدم تفكيك المجتمع السوداني ويعمق الحرب ويحول الضحية الى عدو لاخيه ان اخطر ما يمكن ان يحدث للسودان ليس فقط استمرار صوت الرصاص وانما ان تتحول الحرب الى كراهية دائمة بين السودانيين وان يتحول الوطن الواحد الى مجموعات متناحرة يرى كل طرف فيها الاخر عدوا وهنا يجب ان يكون الوعي اكبر من الحرب فالحركة الاسلامية ومنظومة الحكم التي اسقطتها ثورة ديسمبر لا يمكن ان تعود الى السلطة على انقاض الدولة وعلى جماجم السودانيين ودمائهم ولا يمكن ان يكون مستقبل السودان رهنا بمشروع سياسي يسعى الى اعادة انتاج الماضي عبر اشعال الفتن وتوسيع دائرة الخوف والكراهية الشعب السوداني الذي اسقط نظام الانقاذ قادر ايضا على اسقاط ثقافة الحرب والكراهية والاقصاء ولذلك يجب على السودانيين جميعا ان يسألوا انفسهم سؤالا بسيطا ولكنه عميق من الذي يدفع ثمن الحرب؟ هل هم ابناء المسؤولين وذوو النفوذ! هل هم ابناء اصحاب السلطة والمال؟ هل هم ابناء الوزراء والسفراء والدستوريين ؟ ام ان الذين يدفعون الثمن الحقيقي هم ابناء الشعب السوداني الذين فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم وابناءهم واهلهم ووجدوا انفسهم بين النزوح واللجوء والجوع والخوف؟ واذا كان الشعب هو الذي يموت ويجوع وينزح ويلجأ فمن حق الشعب ان يسأل ايضا الى متى يموت السودانيون نيابة عن غيرهم؟ والى متى يدفع المواطن ثمن صراعات السلطة واخطاء المركز ؟ والى متى يصبح الفقير وقودا للحرب بينما يبحث اصحاب المصالح عن اماكن اكثر امنا؟ السودان ملك لكل السودانيين ملك للطفل الذي ولد وسط الحرب وللام التي تبحث عن الامان ولاسرة فقدت منزلها وللنازح الذي يحمل ما تبقى من حياته في حقيبة وللاجئ الذي ترك وطنه مرغما وللعامل والمزارع والطالب والمعلم والطبيب والمحامي والمهندس والتاجر وكل مواطن سوداني يحلم بحياة طبيعية كريمة ولهذا فان معركتنا الحقيقية اليوم يجب ان تكون من اجل استعادة الانسان السوداني قبل استعادة السلطة نحتاج الى وطن لا يخاف فيه الانسان من قبيلته ولا من لهجته ولا من منطقته ولا من انتمائه السياسي نحتاج الى دولة يشعر فيها الجميع انهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات نحتاج الى دولة لا يكون فيها الانتماء القبلي سلما للسلطة ولا يكون الاختلاف السياسي سببا للاعتقال او القتل ولا يكون الاقليم سببا في التهميش ولا تكون الهوية سببا في التمييز أو القتل نحتاج الى سودان يتسع للجميع فالاختلاف بين السودانيين ليس سببا للحرب بل يمكن ان يكون مصدر قوة اذا احترمنا بعضنا بعضا وقبلنا حق الاخر في الوجود والاختلاف والتعبير واذا كانت ثورة ديسمبر قد اثبتت ان الشعب السوداني يستطيع ان يتوحد عندما يؤمن بهدف مشترك فان مسؤوليتنا اليوم ان نعيد بناء تلك الوحدة على اساس المواطنة والعدالة والحرية والسلام وقبول الاخر علينا ان نرفض كل من يحاول ان يقسمنا الى شمال وجنوب وشرق وغرب ووسط وكل من يحاول ان يجعل القبيلة وطنا بديلا عن السودان وكل من يحاول ان يجعل الجهوية بديلا عن المواطنة وكل من يحاول ان يجعل الكراهية بديلا عن السياسة السوداني ليس عدوا للسوداني والاختلاف لا يجعلنا اعداء والقبيلة ليست وطنا والاقليم ليس وطنا منفردا والوطن هو السودان فلنختلف سياسيا دون ان نتحارب ولنختلف فكريا دون ان نتخون ولنختلف في الرأي دون ان نقتل بعضنا ولنجعل من التنوع السوداني مصدر ثراء لا سببا للانقسام ان السودان لا يحتاج الى مزيد من البنادق بل يحتاج الى عقلاء ولا يحتاج الى مزيد من خطاب الكراهية بل يحتاج الى خطاب يجمع ولا يفرق ولا يحتاج الى المزيد من الموت بل يحتاج الى حياة ولا يحتاج الى انتقام بل يحتاج الى عدالة ولا يحتاج الى اقصاء بل يحتاج الى وطن يتسع للجميع يا بنات وابناء الشعب السوداني لقد عشنا معا لعقود طويلة في قرى ومدن وولايات مختلفة وتشاركنا الاسواق والافراح والاتراح والمصالح والذكريات فلا تسمحوا للحرب ان تسرق منا ما تبقى من انسانيتنا لا تسمحوا لمن يريد السلطة ان يحول الاخ الى عدو والجار الى خصم والقبيلة الى خندق والاقليم الى متراس لقد دفع السودان ثمنا باهظا من الدم والدمار وحان الوقت لكي نقول بصوت واحد كفى حربا كفى كراهية كفى عنصرية كفى جهوية كفى تخوينا كفى موتا ونزوحا ولجوءا لن يعيش السودان الا بوحدة ابنائه ولن تستقر الدولة الا بالمواطنة المتساوية ولن يتحقق السلام الا بقبول الاخر ولن يكون المستقبل افضل الا اذا اختار السودانيون الحياة بدلا من الحرب والوحدة بدلا من الانقسام والعدالة بدلا من الانتقام فلنعد الى روح ديسمبر روح الشعب الواحد روح السودان الذي يتسع للجميع ولنجعل شعارنا اليوم وغدا نحن ابناء وطن واحد نختلف ولكن لا نتقاتل نتنوع ولكن لا نتفرق نختلف في السياسة ولكن نتفق على السودان فالسلطة زائلة والاشخاص راحلون لكن السودان باق ولذلك لا ينبغي ان يموت السودانيون نيابة عن احد بل يجب ان يعيشوا جميعا في وطن واحد امن حر كريم تسوده المواطنة والعدالة والسلام. نواصل بمشيئة الله بتاريخ 25/أغسطس /2026 شارك تصفّح المقالات السودان في العقل الإنجيلي المعاصر؟! الحارث إدريس بوق السلطة المأزومة : من ناقد التمكين الي محامي الهوس الديني