عمار سعيد …يكتب

 

هناك مقولة سودانية ساخرة تقول: «الحراثة في البحر»؛ أي بذل جهد كبير في مكان لا يمكن أن ينبت فيه شيء. ولعلها الوصف الأدق لما فعله مندوب السودان لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس عندما حاول إعادة تقديم انقلاب 25 أكتوبر 2021 باعتباره شيئاً آخر، وكأن السودانيين والعالم فقدوا ذاكرتهم.

 

بحسب ما نُقل عن مداخلته أمام مجلس الأمن، حاول إدريس القول إن الجيش لم يصل إلى السلطة عبر انقلاب، وإن الحكومة المدنية استقالت وخلّفت فراغاً اضطر الجيش إلى ملئه.

 

لكن هناك مشكلة صغيرة في هذه الرواية: التاريخ لديه ذاكرة.

 

في 25 أكتوبر أعلن البرهان حل الحكومة ومجلس السيادة واتخذ إجراءات استثنائية، وجرى اعتقال رئيس الوزراء وعدد من المسؤولين. أما استقالة عبد الله حمدوك فجاءت في 2 يناير 2022، أي بعد أكثر من شهرين من تلك الإجراءات.

 

فكيف يتحول التسلسل من:

 

انقلاب → اعتقالات → احتجاجات → أزمة سياسية → استقالة حمدوك

 

إلى:

 

استقالة → فراغ → تدخل الجيش؟

 

هل كان ملايين السودانيين الذين خرجوا إلى الشوارع يحتجون على «الفراغ»؟ وهل كانت الدبابات التي ظهرت في الخرطوم جزءاً من عملية دستورية لملء الفراغ؟

 

المفارقة أن المجتمع الدولي نفسه تعامل مع أحداث 25 أكتوبر باعتبارها استيلاءً عسكرياً وانقلاباً، وبالتالي فإن محاولة إعادة تسمية الحدث بعد سنوات لا تغيّر من طبيعته.

 

والأخطر أن رواية «ملء الفراغ» تفتح باباً خطيراً: فإذا أصبح بإمكان أي جيش أن يطيح بحكومة مدنية ثم يبرر ذلك بوجود «فراغ»، فإن الانقلابات لن تعود انقلابات؛ ستصبح مجرد خدمات طوارئ سياسية!

 

لكن مهمة الحارث إدريس لم تتوقف عند تبرير انقلاب البرهان، بل امتدت إلى الدفاع عن سردية السلطة العسكرية في مواجهة الاتهامات المتعلقة بانتهاكات المدنيين.

 

وهنا يجب التمييز بين الدفاع عن الدولة والدفاع عن كل ما تفعله سلطة أو مؤسسة داخل الدولة.

 

الدبلوماسية الحقيقية لا تعني إنكار الانتهاكات أو تحويل كل سؤال عن استهداف المدنيين إلى مؤامرة سياسية، وإنما تعني المطالبة بتحقيق مستقل ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، أياً كان موقعه أو انتماؤه.

 

والسؤال البسيط أمام رواية الحارث إدريس هو:

 

إذا كانت الحكومة قد استقالت قبل الانقلاب، فأين وثيقة الاستقالة؟ وإذا لم يكن ما حدث انقلاباً، فلماذا حُلّت الحكومة واعتُقل رئيس الوزراء؟ ولماذا تعامل المجتمع الدولي معه باعتباره استيلاءً عسكرياً؟

 

هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطب طويلة في مجلس الأمن.

 

تحتاج فقط إلى ذاكرة ووثائق وتسلسل زمني.

 

لذلك يستطيع الحارث إدريس أن يحرث كما يشاء، وأن يعيد صياغة الرواية الرسمية كما يشاء، لكن عليه أن يتذكر أن الجمهور السوداني كان حاضراً في المشهد.

 

لقد عاش الأحداث، وصوّرها، واحتج عليها، ودفع ثمناً لها.

 

ولهذا فإن محاولة إقناعه بأن الانقلاب لم يكن انقلاباً تشبه تماماً الحراثة في البحر:

 

يمكنك أن تحرث طويلاً، فالبحر لا ينبت شرعية، والتاريخ لا يتغير بمجرد تغيير الرواية.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *