آدم الحاج أديب…يكتب

29 أغسطس 2026م

ليس كل من يقاوم التغيير يقاوم الحاضر؛ فبعضهم يقاوم المستقبل.

هذه المفارقة تتكرر في حياة الشعوب: قوى تشارك في صناعة التغيير، ثم تنقلب عليه عندما تكتشف أن التغيير الذي أرادته بالأمس لن يتوقف عند خصومها، بل سيمتد إلى مصالحها ومواقعها وامتيازاتها.

والتغيير، في جوهره، ليس مجرد استبدال حكومة بأخرى أو أشخاص بآخرين، وإنما انتقال من واقع إلى واقع جديد، بفعل تغير في الوعي والمصالح والقيم وموازين القوة. ولذلك فإن مقاومة التغيير لا تستطيع إلغاءه بالضرورة، لكنها قد تؤخره، أو تحرف مساره، أو ترفع كلفته.

مقاومة تصنع التغيير

المقاومة التي تقود إلى التغيير تبدأ بالوعي. فالإنسان لا يقاوم واقعًا لا يدرك عيوبه، ولا يبني مستقبلًا لا يتخيله.

ولهذا تقوم المقاومة الواعية على مبادئ واضحة: تشخيص المشكلة، تحديد الهدف، بناء التنظيم، امتلاك البديل، وتحويل الفكرة إلى فعل.

أما المقاومة التي تكتفي بالهدم دون أن تمتلك تصورًا للبناء، فقد تسقط نظامًا لكنها لا تؤسس دولة.

وهنا تبدأ المفارقة الكبرى.

قد تتفق قوى مختلفة على إسقاط نظام قديم، لكنها لا تتفق بالضرورة على شكل النظام الجديد. فبعضها يريد تغيير قواعد الدولة، بينما يريد بعضها تغيير من يجلس على مقاعد السلطة فقط.

وعندما تنتقل المعركة من إسقاط القديم إلى إعادة تأسيس الجديد، تبدأ المصالح في كشف المواقف.

من الثورة إلى مقاومة التغيير

قد يكون الشخص أو الجماعة جزءًا من حركة التغيير، ثم يتحول إلى مقاومتها عندما يصبح التغيير الحقيقي مهددًا لمصالحه.

فالذي كان يطالب بالأمس بإزالة الامتيازات التي منحها النظام القديم لغيره، قد يصبح اليوم مدافعًا عن الامتيازات عندما يجد نفسه مستفيدًا منها.

وهنا لا يعود السؤال: هل نريد التغيير؟

بل يصبح السؤال الأكثر صدقًا:

أي تغيير نريد، ومتى نتوقف عن دعمه؟

إن أخطر ما يواجه مشاريع التغيير ليس خصومها التقليديون فقط، وإنما كتلة المصالح التي تستطيع أن تدخل من أبواب التغيير ثم تستخدم أدواته لحماية ما تريد الإبقاء عليه من الماضي.

ولهذا يجب التمييز بين العقل النقدي والعقل المصلحي.

العقل النقدي يعترض لأنه يريد تصحيح المسار.

أما العقل المصلحي فيعترض لأن نجاح المسار يهدد موقعه.

الأول ضروري لأي تغيير صحي، والثاني قد يتحول إلى عائق أمام المستقبل.

السودان: هل نغير السلطة أم نعيد تأسيس الدولة؟

في السودان، تبدو المسألة أكثر تعقيدًا.

فالمشكلة ليست فقط في تغيير سلطة بأخرى، وإنما في السؤال الأعمق: هل نريد تغيير الحكام، أم تغيير القواعد التي أنتجت الأزمة؟

إذا بقيت بنية الدولة كما هي، وبقيت ثقافة الإقصاء والولاء والامتياز، وبقيت المؤسسات خاضعة لمراكز القوة، فإن تغيير الوجوه لن يكون سوى إعادة إنتاج للماضي بملامح جديدة.

إن التغيير الحقيقي يعني الانتقال من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات، ومن الولاءات إلى المواطنة، ومن الإفلات من العقاب إلى سيادة القانون، ومن احتكار السلطة إلى التداول السلمي.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لقوى التغيير.

فمن يريد التغيير من أجل الوطن سيقبل أن يمس التغيير مصالحه هو أيضًا.

أما من يريد التغيير من أجل موقعه، فسيتحول إلى خصم عندما يصل التغيير إلى ذلك الموقع.

هل تستثني قوانين التغيير أحدًا؟

لا أحد يستطيع أن يوقف الزمن.

قد تؤجل القوى المحافظة التغيير، وقد تقاومه، وقد تعيد إنتاج الماضي لفترة، لكنها لا تستطيع إلى الأبد إلغاء التحولات التي فرضتها شروط المجتمع.

والتاريخ لا يسأل فقط: من انتصر؟

بل يسأل أيضًا: من استطاع أن يبني ما بعد الانتصار؟

لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين من يريد التغيير ومن لا يريده، وإنما بين تغيير يعيد إنتاج الماضي، وتغيير يؤسس للمستقبل.

فالمستقبل لا يستأذن الماضي.

ومن يقف أمام الموجة يستطيع أن يؤخرها قليلًا، لكنه لا يستطيع أن يأمر البحر بالتوقف.

ولهذا فإن السؤال الأكثر إلحاحًا ليس: هل سيحدث التغيير؟

بل:

هل سنكون صُنّاعًا للمستقبل، أم حُرّاسًا لمصالح الماضي؟

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *