آدم الحاج أديب…يكتب

 

ليست المشكلة في الحوار؛ فالحوار في ذاته أحد أبواب التغيير، ولا يمكن لمجتمع أنهكته الحرب والانقسامات أن يعبر إلى المستقبل دون أن يتحاور أبناؤه.

 

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحوار من وسيلة لبناء المستقبل إلى وسيلة لإعادة إنتاج الماضي، ومن بحث عن حلول للأزمة إلى محاولة لإعادة ترتيب مواقع النخب ومصالحها، وكأن السودان لم يتغير، وكأن عقارب الساعة يمكن إعادتها إلى الوراء.

 

وهنا تستوقفنا بعمق الآيات الأولى من سورة البقرة، وهي ترسم صورًا مختلفة للإنسان أمام الحقيقة:

 

﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾.

 

إنها صورة إنسان لا تكمن أزمته في غياب الحقيقة، وإنما في فقدان القدرة على استقبالها؛ فلا يعود يسمع ما لا يوافق قناعته، ولا يرى ما لا يخدم موقفه، ولا يراجع ما استقر في ذهنه من أفكار ومصالح.

 

وفي السياسة، تبدأ مقاومة التغيير أحيانًا من هذه النقطة تحديدًا: حين تصبح النخبة عاجزة عن رؤية أن المجتمع قد تغير، وأن الأسئلة القديمة لم تعد قادرة على إنتاج إجابات جديدة.

 

ثم تأتي الآية الأكثر إثارة للتأمل:

 

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

 

إنها ليست دعوة إلى اتهام الناس بالنفاق، وإنما تحذير من خداع الذات؛ حين يصبح الإنسان أسيرًا للفجوة بين ما يقول وما يفعل.

 

وهنا يصبح السؤال السوداني مشروعًا:

 

هل يمكن أن نتحدث عن التغيير، بينما نعيد إنتاج ذات البنية التي أنتجت الأزمة؟

 

هل يمكن أن نتحدث عن دولة المواطنة، بينما تبقى المحسوبية والجهوية والامتيازات القديمة حاضرة؟

 

هل يمكن أن نتحدث عن السلام، بينما نتجنب معالجة جذور المظالم التي صنعت الحرب؟

 

وهل يمكن أن نسمي إعادة توزيع المواقع بين النخب تغييرًا، إذا بقي المواطن خارج معادلة صناعة الدولة؟

 

المشكلة إذن ليست في أن تجلس النخب إلى طاولة واحدة، وإنما في ما الذي تحمله هذه النخب إلى الطاولة، وما الذي تريد أن تخرج به منها.

 

وفي أبسط قواعد التفاوض، يكون الحوار بين أطرافٍ متصارعة أو مختلفة تملك تفويضًا حقيقيًا للتفاوض. فكيف يستقيم حوارٌ يتجاوز هذه القاعدة، فيتحول إلى حوار الذات مع الذات، ثم يُقدَّم باسم القوى السياسية الممثلة للشعب السوداني، بينما الشعب نفسه هو صاحب المصلحة وصاحب الحق في تحديد من يمثله؟

 

فإذا كان الحوار يبحث عن دولة جديدة، وعن عقد اجتماعي جديد، وعن عدالة ومواطنة ومؤسسات لا تخضع للأشخاص والأحزاب ومراكز النفوذ، فهو حوار يصنع المستقبل.

 

أما إذا كان الهدف هو إعادة تدوير القوالب القديمة بأسماء جديدة، فإن الحوار يتحول من أداة للتغيير إلى أداة لمقاومة التغيير.

 

والأخطر أن النخبة قد تقنع نفسها بأنها تتحرك إلى الأمام، بينما هي في الحقيقة تدور حول الماضي.

 

وهنا يصبح معنى:

 

﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾

 

أشد حضورًا في واقعنا؛ لأن المجتمع الذي تغير وعيه لن يعود بسهولة إلى القوالب التي تجاوزها.

 

لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا من الحروب والانقسامات والاستبداد والفشل السياسي. ولذلك فإن أي حوار جديد لا يضع جذور هذه الأزمات في قلب النقاش، ولا يعترف بأن السودان يحتاج إلى إعادة تأسيس حقيقية، سيظل معرضًا لأن يصبح مجرد فصل جديد من فصول الأزمة.

 

التغيير الحقيقي لا يعني تغيير الوجوه فقط، ولا تبديل الشعارات، ولا إعادة توزيع المقاعد.

 

التغيير هو تغيير القواعد التي أنتجت الأزمة.

 

وهو أن تنتقل الدولة من منطق الامتياز إلى المواطنة، ومن المحسوبية إلى الكفاءة، ومن الإقصاء إلى المشاركة، ومن الإفلات من العقاب إلى سيادة القانون، ومن إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها.

 

ومتى يتحررون من خوف الطغيان؟

 

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ والذين آمنوا بالتغيير في السودان هم الذين صنعوا الثورة على الطغيان، وما زالوا متمسكين بحقهم في الوصول إلى مبتغاهم كثوار أحرار، لا كأتباع لنخبٍ تعيد إنتاج الماضي.

 

لكن آخرين انكسرت إرادتهم تحت وطأة الخوف، فتحولوا من قوةٍ تدفع التغيير إلى أصواتٍ تسبح بحمد النخب، وتسبح عكس تيار المستقبل، وكأنهم لم يتحرروا بعد من خوف الطغيان الذي ثاروا عليه.

 

وهنا يصبح السؤال: متى يتحرر الإنسان السوداني من خوف السلطان؟

 

فالثورة لا تكتمل بسقوط الطاغية، وإنما تكتمل حين يتحرر الإنسان من الخوف الذي كان الطاغية يستمد منه قوته.

 

ولهذا فإن المعيار الحقيقي لأي حوار سوداني ليس عدد المشاركين فيه، ولا حجم البيانات التي تصدر عنه، وإنما سؤال واحد:

 

هل يقودنا هذا الحوار إلى المستقبل، أم يعيدنا إلى الماضي؟

 

فالتغيير لا يُقاس بما تقوله النخب عن المستقبل، وإنما بما تستعد للتخلي عنه من امتيازات الماضي.

 

ومن هنا، فإن أخطر مقاومة للتغيير ليست التي ترفع شعار الرفض صراحة، وإنما التي ترتدي ثوب التغيير، وتتحدث بلغة المستقبل، ثم تعمل في العمق على إعادة إنتاج الماضي.

 

عندها لا يكون الخداع للآخرين هو الخطر الأكبر.

 

الخطر أن يخدع الإنسان نفسه.

 

والسودان اليوم لا يحتاج إلى حوارٍ يطمئن النخب، وإنما إلى حوارٍ يوقظ الوعي، ويواجه الحقيقة، ويفتح الطريق أمام المستقبل.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *