عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان …يكتب

 

لم تكن حرب 15 ابريل 2023 حربا سودانية عادية تشبه الحروب التي عرفها السودان خلال العقود الماضية ولم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين مسلحتين كما يحاول البعض اختزالها اليوم في هذا الوصف البارد والمجرد من المعنى الانساني والسياسي

 

كانت هذه الحرب مختلفة منذ يومها الاول لانها اندلعت في زمن مختلف تماما عن كل الحروب السابقة

 

في الحروب القديمة كان المركز يمتلك المنبر ويمتلك الميكروفون ويمتلك التلفزيون ويمتلك القدرة على صناعة الرواية وتحديد ما يجب ان يعرفه المواطن وما يجب ان يجهله

 

كان المواطن يسمع رواية واحدة ويرى صورة واحدة ويقرأ خبرا واحدا ثم يطلب منه ان يصدق

 

اما حرب 15 ابريل فقد اندلعت في عصر لم يعد فيه المركز قادرا على احتكار الحقيقة

 

اصبح الهاتف في يد الجندي والمدني والنازح والام والطفل والصحفي والطبيب

 

اصبحت الكاميرا شاهدا لا يمكن اسكاته

 

واصبح الانترنت محكمة مفتوحة لا تغلق ابوابها بانتهاء نشرة الاخبار

 

ولهذا لم تكن حرب 15 ابريل حربا على الارض وحدها بل كانت ايضا حربا على الرواية

 

والذين اعتادوا صناعة الرواية من خلف المكاتب لم يدركوا ان السودان تغير

 

لقد تغيرت ادوات المعرفة وتغير وعي الناس وتغيرت قدرة المواطن على المقارنة والتحقق وكشف التناقض بين ما يقال وما يحدث

 

في حرب الجنوب كانت تصلنا صورة الحرب عبر ساحات الفداء

 

كان التلفزيون الرسمي يقدم لنا المجاهدين باعتبارهم ابطالا لا يهزمون ويصور الحرب باعتبارها معركة دينية ويخبرنا ان الانتصارات تتوالى وان الملائكة تقاتل الى جانب المجاهدين

 

وكان المواطن بعيدا عن الميدان لا يملك وسيلة حقيقية تمكنه من اختبار هذه الرواية

 

اما حرب اليوم فلم تدخل علينا من بوابة ساحات الفداء

 

دخلت علينا من ساحات الفضاء

 

دخلت الى هواتفنا والى بيوتنا والى غرف نومنا والى مخيمات النزوح واللجوء

 

الكاميرا الصغيرة التي حملها المواطن البسيط كانت اقوى من عشرات البيانات العسكرية

 

والهاتف الذي صور الجريمة هو ذاته الذي صور حياة من يتحدثون باسم الكرامة بينما يعيشون بعيدا عن الخراب

 

الهاتف الذي نقل صورة جثة ابن سوداني ملقاة في الشارع نقل ايضا صور موائد افطار التنظيم في اسطنبول والقاهرة والدوحة

 

والهاتف الذي نقل دموع امهاتنا في معسكرات النزوح نقل اعراس وحفلات وتخاريج ابناء بعض رموز النظام في الفنادق والقاعات الفاخرة خارج السودان

 

والهاتف الذي نقل مستشفى ام درمان وهو يتعرض للقصف نقل في الوقت نفسه صور الفلل والقصور وحياة الرفاهية لمن يريدون من المواطن السوداني ان يدفع ثمن الحرب بدمه وصبره وفقره

 

وهنا تكمن المفارقة التي يصعب على دعاة التضليل ان يهربوا منها

 

لم تعد المشكلة ان الشعب السوداني لا يسمع

 

المشكلة ان الشعب السوداني اصبح يرى

 

ويرى كثيرا

 

ويرى الصورة قبل ان يسمع البيان

 

ويرى الضحية قبل ان يسمع تبرير الجاني

 

ويرى الخراب قبل ان يسمع خطبة الكرامة

 

ويرى حياة من يدفعون ثمن الحرب وحياة من يطلبون منهم الاستمرار فيها

 

لقد اشعلوا الحرب عندما رفضوا الاتفاق الاطاري ووضعوا القوى المدنية في السجون واغلقوا الطريق امام الانتقال المدني الديمقراطي

 

كان الاتفاق الاطاري بالنسبة لهم اكثر من مجرد وثيقة سياسية

 

كان يمثل خطرا على منظومة كاملة اعتادت ان تجعل المؤسسة العسكرية فوق السياسة وان تجعل الدولة اداة لحماية التنظيم

 

وكانت العبارة التي لم يستطيعوا احتمالها واضحة

 

العسكر والسلاح خارج السياسة والسلطة للشعب

 

لم يحتملوا ان تكون الدولة دولة مواطنين لا دولة تنظيم

 

ولذلك كان الخيار بالنسبة لهم واضحا

 

اما ان تبقى السلطة في ايديهم او يحترق السودان

 

فاحترق السودان

 

واحترقت المدن والقرى

 

واحترقت المدارس

 

واحترقت المستشفيات

 

وتوقفت المصانع

 

وتعطلت الزراعة

 

وتقطعت الطرق

 

وانهارت الاسواق

 

وتوقفت مصادر الرزق

 

وتشتت الاسر

 

ونزح الملايين

 

ولجأ الملايين

 

ومات السودانيون في الشوارع وفي البيوت وفي المستشفيات وفي طرق النزوح

 

وبعد كل هذا الخراب يعودون اليوم ليحدثونا عن الحوار

 

يا لها من ذاكرة سياسية قصيرة

 

كأن السودان لم يدفع الثمن

 

وكأن ملايين النازحين لا وجود لهم

 

وكأن المقابر لا تتسع

 

وكأن الامهات لا ينتظرن ابناء لن يعودوا

 

وكأن الطفل السوداني الذي حرم من المدرسة يستطيع ان يفهم لماذا يجب ان تستمر الحرب حتى ينجح الحوار

 

اي حوار هذا

 

حوار بعد كل هذا الموت

 

حوار بعد تدمير الدولة

 

حوار بعد تفكيك المجتمع

 

حوار بينما لا تزال البنادق تتحدث

 

حوار بينما لا يزال المواطن يبحث عن الماء والدواء والغذاء والامان

 

حوار بينما السودان نفسه لم يجلس الى الطاولة

 

هذه ليست مفارقة سياسية فقط

 

هذه مأساة اخلاقية وقانونية

 

فالحوار الوطني الحقيقي لا يمكن ان يكون اداة لادارة الحرب او اعادة انتاج السلطة بالقوة

 

ولا يمكن ان يتحول الى وسيلة تمنح الشرعية السياسية لمن استخدم السلاح لفرض رؤيته

 

ولا يمكن ان يكون حوارا حقيقيا اذا كان هدفه اعادة ترتيب موازين القوى بدلا من ايقاف الحرب ومعالجة جذورها

 

فالسلام ليس مجرد اجتماع في قاعة مكيفة

 

والحوار ليس صورة جماعية امام الكاميرات

 

والديمقراطية ليست بيانا سياسيا يقرأه رجل يحمل سلطة السلاح

 

السلام الحقيقي يبدأ بوقف القتل وحماية المدنيين وفتح الممرات الانسانية وعودة النازحين واللاجئين ومعالجة الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها ثم بناء عملية سياسية شاملة لا تستثني السودانيين ولا تختطفها جماعة ولا مؤسسة عسكرية

 

اما ان تستمر الحرب ثم يطلب من الشعب ان يصفق للحوار فهذا ليس حوارا

 

هذا اشبه بمن يشعل المنزل ثم يعود بعد احتراقه ليقترح مؤتمرا لمناقشة لون الطلاء الجديد

 

المشكلة انهم نسوا شيئا مهما

 

نسوا ان الشعب السوداني لم يعد يعيش داخل الرواية التي تصنعها السلطة

 

التكنولوجيا كسرت احتكار الحقيقة

 

وصورة واحدة قد تهدم خطابا كاملا

 

وفيديو واحد قد يكشف تناقضا استمراره عشرات السنين

 

وتسجيل واحد قد يجعل خطاب الكراهية والتعبئة والتحريض الذي كان يقال في الغرف المغلقة شاهدا على اصحابه

 

لقد اصبحت خطابات التعبئة والكراهية والتحريض التي سبقت الحرب موثقة

 

واصبحت الكلمات محفوظة

 

والوجوه محفوظة

 

والاصوات محفوظة

 

والتصريحات محفوظة

 

ولم يعد ممكنا ان يقول احد للشعب السوداني لم نقل ذلك

 

فالكاميرا كانت هناك

 

والهاتف كان هناك

 

والانترنت كان هناك

 

والشعب كان شاهدا

 

ولهذا فإن محاولة اعادة كتابة تاريخ الحرب بعد اندلاعها لن تكون اكثر من محاولة متأخرة لطمس الحقيقة

 

والاخطر من ذلك ان الحرب لم تعد محصورة داخل السودان

 

لقد حملت التكنولوجيا المأساة السودانية الى دول الجوار

 

وصلت صور المخيمات الى العالم

 

وصلت اصوات النساء

 

وصلت وجوه الاطفال

 

وصلت صور الخيام التي لا تحمي من المطر ولا من البرد

 

وصلت صور المدارس الغائبة والدواء المفقود والطعام الشحيح

 

اصبح اللاجئ السوداني قادرا على ان يقول للعالم انا هنا

 

انا لست رقما في تقرير

 

انا انسان هربت من حرب لم اخترها

 

وهذا الجانب الانساني هو اكثر ما يجب ان يحضر في اي نقاش سياسي حول مستقبل السودان

 

فالسودان ليس خريطة تتنافس عليها التنظيمات

 

وليس غنيمة سياسية

 

وليس ثكنة عسكرية

 

وليس منصة لحزب او جماعة

 

السودان هو الام التي تبحث عن ابنها

 

وهو الطفل الذي يحمل حقيبة مدرسية ولا يجد مدرسة

 

وهو الطبيب الذي يعمل في مستشفى بلا كهرباء

 

وهو المزارع الذي ترك حقله

 

وهو العامل الذي اغلق مصنعه

 

وهو الطالب الذي انقطع عن جامعته

 

وهو اللاجئ الذي يحمل وثيقته في جيبه ولا يعرف اين سيكون غدا

 

هؤلاء هم اصحاب السودان الحقيقيون

 

ولهذا فإن اي حوار لا يبدأ من معاناتهم ولا يضع حياتهم وكرامتهم وحقوقهم في مقدمة اولوياته ليس حوارا وطنيا بالمعنى الحقيقي

 

بل هو محاولة جديدة لادارة الازمة من فوق رؤوس الضحايا

 

لقد طفح الكيل

 

وبلغ الشعب السوداني منتهى الصبر

 

كفاية كذبا على هذا الشعب

 

كفاية متاجرة بالدين

 

كفاية متاجرة بالكرامة

 

كفاية استخداما للجيش في الصراع السياسي

 

كفاية استخداما للمواطن وقودا لمعارك لا يدفع ثمنها من يشعلونها

 

كفاية جر لما تبقى من الدولة الى مغامرات سياسية وعسكرية جديدة

 

الشعب السوداني لا يحتاج الى حوار يعيد انتاج الحرب

 

يحتاج الى حوار ينهي الحرب

 

لا يحتاج الى مؤتمر يمنح الشرعية للامر الواقع

 

يحتاج الى عملية سياسية تعيد الشرعية للشعب

 

لا يحتاج الى خطابات جديدة

 

يحتاج الى خبز ودواء ومدرسة ومستشفى وامن

 

لا يحتاج الى شعارات عن الكرامة بينما كرامته تنتهك كل يوم

 

ولا يحتاج الى من يحدثه عن الوطنية بينما الوطن نفسه يتمزق امام عينيه

 

ومن الناحية القانونية والسياسية فإن اي عملية انتقالية جادة يجب ان تقوم على مبدأ جوهري وهو ان السلطة لا تستمد شرعيتها من السلاح ولا من السيطرة العسكرية ولا من القدرة على فرض الامر الواقع وانما من الارادة الشعبية والمؤسسات المدنية وسيادة القانون

 

كما ان الجرائم والانتهاكات التي وقعت خلال الحرب لا ينبغي ان تتحول الى اوراق مساومة سياسية

 

حقوق الضحايا ليست بندا تفاوضيا

 

والعدالة ليست عقوبة على السلام

 

بل هي احد شروط السلام المستدام

 

ومن يعتقد ان بامكانه صناعة سلام قائم على النسيان فهو لا يصنع سلاما بل يؤجل الانفجار القادم

 

ولهذا فإن اخطر ما يمكن ان يحدث للسودان هو ان تتحول كلمة الحوار الى غطاء سياسي لحرب جديدة

 

ان الحوار الذي لا يؤدي الى وقف الحرب ليس حوار سلام

 

والحوار الذي يستبعد قطاعات واسعة من الشعب ليس حوارا وطنيا

 

والحوار الذي يستخدم لتبرئة منتهكي الحقوق او لاعادة تدوير السلطة القديمة ليس مصالحة

 

والحوار الذي يهدف الى اعادة انتاج التنظيم نفسه تحت مسميات جديدة ليس انتقالا ديمقراطيا

 

بل هو اعادة تدوير للازمة

 

لقد تعلم الشعب السوداني الدرس بطريقة مؤلمة

 

تعلمه من الدم

 

ومن النزوح

 

ومن الجوع

 

ومن فقدان البيوت

 

ومن فقدان الاحبة

 

ومن انهيار التعليم والصحة والاقتصاد

 

وتعلمه ايضا من الهاتف الذي لم يعد مجرد جهاز للاتصال

 

اصبح شاهدا

 

واصبح ارشيفا

 

واصبح اداة لكسر احتكار الحقيقة

 

واصبح في كثير من الاحيان اقرب الى المحكمة من كثير من المنابر السياسية

 

ولهذا لن يستطيع احد ان يعيد عقارب الساعة الى الوراء

 

لن يستطيع احد ان يعيد الشعب الى زمن كانت فيه شاشة واحدة تقول له ماذا حدث في السودان

 

لقد اصبح الشعب يرى ويسأل ويقارن ويحاكم الروايات بعقله

 

وهنا تحديدا تكمن المفاجأة الكبرى

 

ان الذين اعتادوا ان يخيفوا الشعب بالحرب اكتشفوا ان الحرب نفسها كشفتهم

 

وان الذين ارادوا استخدام الاعلام لصناعة صورة المنتصر اكتشفوا ان الهاتف المحمول كان يصور الخاسرين الحقيقيين

 

وان الذين ارادوا ان يجعلوا الكرامة شعارا للحرب اكتشفوا ان المواطن اصبح يسأل سؤالا بسيطا جدا

 

اي كرامة هذه التي لا تحمي طفلا من الجوع ولا اما من فقدان ابنها ولا مريضا من الموت ولا مواطنا من الرصاصة

 

واي وطنية هذه التي تجعل الوطن رمادا ثم تطلب من الناس التصفيق لمن اشعل النار

 

السودان لا يحتاج الى اعادة انتاج الماضي

 

السودان يحتاج الى قطيعة حقيقية مع ثقافة الانقلاب والحرب والاقصاء واستخدام الدين في السياسة واستخدام المؤسسة العسكرية للوصول الى السلطة

 

ويحتاج الى دولة مدنية ديمقراطية تحكمها المؤسسات والقانون وتساوي بين مواطنيها وتحمي حقوقهم وتصون كرامتهم

 

اما الحوار المكذوب الذي يأتي بعد كل هذا الخراب دون اعتراف بالمسؤولية ودون ضمانات للسلام ودون مشاركة حقيقية ودون عدالة ودون تفكيك اسباب الحرب فهو ليس طريقا الى المستقبل

 

بل قد يكون الطريق الاقصر الى حرب جديدة

 

والسودانيون الذين دفعوا ثمن الحرب من دمائهم لن يكونوا مستعدين لدفع الثمن مرة اخرى من اجل ان يعود تنظيم او يستمر نفوذ او يعاد توزيع كراسي السلطة بين الذين اشعلوا الحريق

 

لقد انتهى زمن ساحات الفداء

 

وانتهى ايضا زمن احتكار الرواية

 

اليوم هناك ساحات الفضاء

 

وفيها ملايين الشهود

 

وفيها صور لا تنسى

 

واصوات لا تختفي

 

وقصص ضحايا لا يمكن دفنها مع اصحابها

 

والتاريخ الذي حاولوا كتابته من فوق لن يكون هو التاريخ الذي يرويه السودانيون من تحت الركام

 

الشعب السوداني لن ينخدع مرة اخرى

 

لن يخدع بشعار

 

ولا بخطاب ديني

 

ولا ببيان عسكري

 

ولا بمؤتمر سياسي

 

ولا بحوار مصنوع على مقاس الذين اشعلوا الحرب

 

لقد عرف الشعب الحقيقة بثمن باهظ جدا

 

ومن عرف الحقيقة بالدم لا يمكن ان تعيده الى الوهم الكلمات

 

السودان يستحق سلاما حقيقيا

 

ويستحق دولة حقيقية

 

ويستحق عدالة حقيقية

 

ويستحق مستقبلا لا يكون فيه السلاح هو الطريق الى السلطة

 

وهذه المرة لن يكون السؤال من انتصر في الحرب

 

بل السؤال الاكثر اهمية

 

من انقذ السودان من الحرب القادمة

 

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

3/سبتمبر /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *