د. دقاش حسب الله دقاش..يكتب

 

منذ اشتعال الحرب في السودان ظل الفشل عاملا ملازما لحكومة بورتسودان في مقدرتها للسيطرة على سوق النقد الأجنبي وعلى سعر الدولار. فبدلاً من أن تكون هناك سياسات واضحة لحماية العملة الوطنية وإدارة الموارد، تحول الوضع إلى فوضى سعرية انعكست مباشرة على حياة المواطن. ولم تعد الأزمة مقتصرة على الجانب العسكري أو السياسي، بل تحولت إلى أزمة اقتصادية واجتماعية شاملة كانت محل تأثير بالغ على قيمة العملة وارتفاع الأسعار وتراجع الإنتاج وضعف الصادرات وتدهور الخدمات وانخفاض القدرة الشرائية. ومع استمرار الحرب تعقدت الأزمة أكثر، وأصبح المواطن يتحمل الجزء الأكبر من نتائجها عبر ارتفاع تكلفة المعيشة وتآكل دخله ومدخراته.

وعاد سعر صرف الجنيه إلى الواجهة بقوة بعد أن وصل الدولار في السوق الموازية إلى نحو 6,400 جنيه. وهذا المستوى لا ينبغي النظر إليه كمجرد رقم، بل كمؤشر على اختلالات أعمق تتمثل في تراجع الإنتاج وانخفاض الصادرات وشح النقد الأجنبي وضعف الإيرادات العامة واستمرار الحرب وتراجع الثقة في الاقتصاد. فكلما انخفض الإنتاج المحلي وتراجعت الصادرات تقلصت قدرة الاقتصاد على توفير العملات الأجنبية، بينما تظل الحاجة قائمة لاستيراد الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج. ومع اتساع الفجوة بين الطلب على النقد الأجنبي والمعروض منه يزداد الضغط على الجنيه وتنعكس النتيجة مباشرة على أسعار السلع وحياة الناس.

وقد اتجه بنك السودان إلى منح المصارف مرونة أكبر في تحديد أسعار الصرف في محاولة لتقليل الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية. إلا أن إصلاح سعر الصرف لا يمكن أن ينجح بمعزل عن بقية عناصر الاقتصاد، فالعملة لا تستقر بقرار إداري وحده، وإنما تحتاج إلى إنتاج حقيقي وصادرات متزايدة واحتياطيات من النقد الأجنبي وسياسة مالية ونقدية منضبطة واستقرار سياسي وأمني. لذلك فإن تحرير سعر الصرف وتوحيده مهما كانت أهميته لا يمثل علاجاً شاملاً، بل يجب أن يكون جزءاً من برنامج متكامل يهدف إلى زيادة الإنتاج وتحسين إدارة الموارد واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي.

إن أخطر ما في انهيار العملة أن الأثر لا ينحصر ظهوره في أرقام السوق وحدها، وإنما في حياة المواطن اليومية. فمع ارتفاع الدولار ترتفع تكلفة السلع المستوردة ثم تنتقل الزيادة إلى السلع المحلية بسبب الوقود والنقل ومدخلات الإنتاج، بينما تظل دخول معظم المواطنين محدودة ولا تواكب سرعة ارتفاع الأسعار. فالعامل الذي يتقاضى نحو 300 ألف جنيه لا تتجاوز قيمة راتبه 47 دولاراً بسعر اليوم، لكن القضية ليست في تحويله للدولار وإنما في مقدار السلع والخدمات التي يمكن لهذا الدخل أن يشتريها. ومع تسارع ارتفاع أسعار الغذاء والسكن والنقل والدواء والتعليم يتراجع الدخل الحقيقي للمواطن حتى لو بقي راتبه الاسمي ثابتاً، ويتحول انخفاض قيمة العملة إلى انخفاض مباشر في مستوى المعيشة.

و قد شهد الاقتصاد خلال سنوات الحرب تراجعاً حاداً في النشاط والإنتاج أضعف القاعدة الاقتصادية وأثر على قدرة الدولة في توفير الإيرادات وتمويل الخدمات. وفي ظل هذه الظروف يصعب تحقيق استقرار حقيقي للعملة أو الأسعار ما لم تتم معالجة الأسباب الجذرية لضعف الاقتصاد.

وفي المقابل يمتلك السودان موارد طبيعية ضخمة في مقدمتها الذهب الذي أصبح من أهم مصادر النقد الأجنبي بعد فقدان جزء كبير من العائدات النفطية. وتشير تقديرات 2025 إلى أن السودان أنتج نحو 70 طناً من الذهب، غير أن الكميات التي دخلت القنوات الرسمية محدودة جداً. وتكمن المشكلة ليس في وجود الذهب وإنما في طريقة إدارته، فضعف الرقابة واتساع التعدين الأهلي والتهريب وتعدد قنوات التجارة والحرب كلها عوامل قللت من استفادة الدولة من هذا المورد. وهنا تظهر المفارقة، فبلد يمتلك كميات كبيرة من الذهب يعاني في الوقت ذاته من شح العملات الأجنبية وانهيار العملة وارتفاع الأسعار. والسبب أن الذهب لا يتحول إلى قوة اقتصادية بمجرد وجوده، وإنما يحتاج إلى مؤسسات فعالة تعمل على شرائه وتصديره بشفافية وتدخل عائداته النظام المصرفي لتستخدم في دعم الإنتاج وتمويل الواردات وتعزيز الاحتياطيات. وقد زادت الحرب من تعقيد الأمر إذ ارتبط الذهب بدرجات مختلفة باقتصاد الصراع، مما يجعل تنظيمه ضرورة وطنية ليس لزيادة الإيرادات فقط بل لمنع تحول الموارد إلى وسيلة لإطالة أمد الحرب.

ولا تقتصر المشكلة على الذهب، فالسودان يمتلك موارد زراعية وحيوانية ومعدنية وموقعاً جغرافياً مهماً، لكنها لم تتحول بالقدر الكافي إلى إنتاج وصادرات وفرص عمل بسبب ضعف البنية التحتية وارتفاع تكلفة التمويل وضعف الاستثمار وعدم استقرار السياسات إلى جانب الحرب التي عطلت قطاعات واسعة. لقد غيرت الحرب طبيعة النشاط الاقتصادي فبدل أن يكون موجهاً نحو الإنتاج والاستثمار أصبحت الأولوية هي البقاء وتأمين الغذاء والهروب من مناطق القتال. وهذا التحول من اقتصاد الإنتاج إلى اقتصاد البقاء هو من أخطر ما يصيب أي دولة لأنه يفقد الاقتصاد قدرته على خلق الثروة بصورة مستدامة.

إن فاتورة الحرب لا يدفعها طرف واحد بل يدفعها المجتمع كله. يدفعها العامل بتراجع القوة الشرائية لراتبه، والمزارع بارتفاع تكلفة المدخلات، والتاجر بارتفاع تكاليف النقل والتمويل، والمستثمر بارتفاع المخاطر، والدولة بتراجع الإيرادات. لكن المواطن البسيط يظل الحلقة الأضعف لأنه لا يملك وسائل لحماية دخله من التضخم وانهيار العملة.

ولهذا فإن أزمة الجنيه ليست أزمة نقدية فقط، والتضخم ليس منفصلاً عن الحرب والإنتاج. الأزمة متكاملة تشمل الإنتاج والمالية والتجارة والنقد والموارد والثقة والمؤسسات. لذلك فإن معالجة سعر الصرف وحده لن يحقق استقراراً مستداماً، وحتى لو حدث استقرار مؤقت في سعر الدولار فلن تستقر الأسعار ما لم يرتفع الإنتاج وتتوسع الصادرات وتتحسن إدارة الموارد.

إن السودان يحتاج اليوم إلى رؤية وطنية شاملة تبدأ بوقف الحرب باعتباره المدخل الأساسي لإعادة البناء، ثم إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية في الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية والتعدين مع دعم المنتجين وتحسين البنية التحتية وتوفير التمويل. كما يحتاج إلى إصلاح شامل لسوق الصرف يقوم على الشفافية وتقليل الفجوة مع السوق الموازية وزيادة المعروض من العملات الأجنبية عبر تنشيط الصادرات وتشجيع تحويلات المغتربين واستعادة الثقة في المصارف. ويأتي إصلاح قطاع الذهب في المقدمة من خلال تنظيم التعدين الأهلي وتطوير الشركات الوطنية وتشديد الرقابة ومكافحة التهريب وضمان دخول العائدات النظام المصرفي، فالذهب يمكن أن يكون أداة لإنقاذ الاقتصاد إذا أُدير كمورد وطني وليس لتمويل الصراع. ولا بد كذلك من إصلاح المالية العامة برفع كفاءة التحصيل وترشيد الإنفاق وتوجيه الموارد للخدمات الأساسية وإعادة الإعمار، مع وضع سياسات اجتماعية تحمي الفئات الأكثر تضرراً.

إن السودان لا يعاني نقص الموارد بقدر ما يعاني من ضعف إدارتها وتدمير الإنتاج واستمرار الحرب واتساع الاقتصاد غير الرسمي. فالذهب موجود والأرض موجودة والثروة الحيوانية موجودة، إلا أن هذه الموارد لا تتحول تلقائياً إلى تنمية. فالدولة القوية هي التي تحول مواردها إلى إنتاج، وإنتاجها إلى صادرات، وصادراتها إلى نقد أجنبي، وعائداتها إلى خدمات وفرص عمل.

ومن هنا فإن وصول الدولار إلى نحو 6,400 جنيه يجب أن يُقرأ كإنذار اقتصادي يستوجب مراجعة شاملة للسياسات وطريقة إدارة الموارد وعلاقة الدولة بالإنتاج. فالمعركة الحقيقية ليست مع سعر الدولار وحده، وإنما مع الأسباب التي جعلت الجنيه يفقد قيمته والإنتاج يتراجع والموارد لا تحقق عائدها الكامل والمواطن يتحمل الجزء الأكبر من تكلفة الأزمة.

إن السودان يحتاج إلى الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام، ومن اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الإنتاج، ومن اقتصاد الموارد المهدرة إلى اقتصاد القيمة المضافة، ومن القرارات المؤقتة إلى السياسات والمؤسسات المستدامة. وفي النهاية فإن فاتورة الحرب لا تُقاس بما أنفقته الدولة أو ما فقده الاقتصاد من إنتاج فقط، وإنما بما فقده المواطن من دخله وقوته الشرائية وأمنه الاقتصادي ومستقبل أسرته.

ويبقى السؤال الأكبر أمام السودانيين وصناع القرار: هل نستمر في إدارة اقتصاد الأزمة والحرب، أم نبدأ في بناء اقتصاد السلام والإنتاج الذي يحول ثروات السودان إلى رفاه واستقرار وفرص حقيقية للمواطن؟

 

الموافق 3 سبتمبر 2026م

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *