د. دقاش حسب الله دقاش..يكتب لم يعد تدهور قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية مجرد حركة عابرة في سوق الصرف، بل صار انعكاساً مباشراً لفشل السياسات الاقتصادية لحكومة بورتسودان. فقدت العملة الوطنية جزءاً كبيراً من قوتها، وتوسعت الفجوة بين السعر المصرفي وسعر السوق الموازية، في وقت تواصل فيه الحكومة إصدار القرارات والتصريحات بينما يعاني المواطن من موجة متصاعدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع مستمر في قدرته على تلبية احتياجاته الأساسية. وتعود جذور هذا الوضع إلى استمرار الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، وإلى عجز الحكومة عن إدارة الأزمة اقتصادياً. فبدلاً من معالجة أسباب التدهور، اكتفت حكومة بورتسودان بمسكنات نقدية وإجراءات شكلية لم توقف الانهيار. وتسبب توقف قطاعات إنتاجية واسعة، وتضرر البنية التحتية، وتعطل طرق التجارة والنقل، وخروج العديد من المؤسسات والمصانع والمشروعات الزراعية عن النشاط، في استنزاف موارد النقد الأجنبي وزيادة الاعتماد على الاستيراد. فالعملة الوطنية تستمد قوتها من قوة الاقتصاد الذي يقف خلفها، وكلما كان الاقتصاد قادراً على الإنتاج والتصدير وتوفير النقد الأجنبي ازدادت فرص استقرار العملة. ولكن الحكومة الحالية فشلت في إعادة تشغيل الإنتاج، وفشلت في زيادة الصادرات، وفشلت في جذب الاستثمار. وفي المقابل استمرت حاجة البلاد إلى استيراد الغذاء والدواء والوقود والآلات ومدخلات الإنتاج، فتضاعفت الضغوط على الجنيه. وهنا يتضح أن المشكلة لا تبدأ من سعر الدولار نفسه، وإنما من عجز السياسة الاقتصادية لحكومة بورتسودان عن توفير العملات الأجنبية من مواردها الذاتية. وتوضح أسعار السوق الموازية حجم هذا الفشل. ففي 3 سبتمبر 2026 بلغ سعر الدولار الأمريكي نحو 6650 جنيهاً للبيع، واليورو نحو 7732.55 جنيهاً، والجنيه الإسترليني نحو 8986.48 جنيهاً. كما بلغ الدرهم الإماراتي نحو 1811.98 جنيهاً، والريال السعودي نحو 1759.25 جنيهاً، والريال القطري نحو 1816.93 جنيهاً. هذه الأرقام القياسية لم تصل إليها البلاد عبثاً، وإنما نتيجة مباشرة لغياب خطة اقتصادية واضحة، ولاستمرار تعدد أسعار الصرف الذي خلق حالة من الفوضى وعدم الوضوح وزاد من مخاطر التجار والمستثمرين. لقد اتخذ بنك السودان المركزي ببورتسودان ووزارة المالية بقيادة د. جبريل إبراهيم عدة إجراءات لتنظيم سوق النقد الأجنبي، بل وشكلت الحكومة مؤخراً “خلية لإدارة أزمة سعر الصرف” برئاسة وزير المالية نفسه. ولكن استمرار صعود الدولار إلى مستويات قياسية يثبت أن هذه الإجراءات كانت محدودة الأثر، وأن الأزمة تدار بعقلية رد الفعل لا بعقلية التخطيط المسبق. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: إذا كانت إجراءات وزارة المالية كافية، فلماذا يستمر الجنيه في الانهيار؟ وإذا كانت الحرب هي السبب الوحيد، فلماذا لم تنجح السياسات المالية والنقدية في التخفيف من آثارها؟ وأين الخطة العملية لزيادة الصادرات وتحسين حصيلة الذهب والثروة الحيوانية والمنتجات الزراعية؟ إن المواطن لا يقيس نجاح الحكومة بعدد الاجتماعات أو التصريحات، وإنما بما يحدث في السوق. وعندما يصعد الدولار يوماً بعد يوم، ويستمر التضخم في سحق الأسر، وتتراجع القوة الشرائية للجنيه، فهذا يعني ببساطة أن السياسات المتبعة فشلت، مهما كانت المبررات. إن أخطر نتائج هذا الفشل لا تظهر في شاشات الصرف فقط، وإنما في معاناة الناس. فارتفاع تكلفة العملات الأجنبية يعني ارتفاع تكلفة استيراد الغذاء والدواء والوقود والآلات، وتنتقل هذه الزيادة مباشرة إلى ظهر المواطن. وحتى الإنتاج المحلي لم يسلم، لأنه يعتمد على مدخلات مستوردة. وبذلك وجدت الأسر نفسها عاجزة عن توفير أبسط الاحتياجات، بينما بقيت الأجور والدخول تراوح مكانها. واستمرار هذا الوضع يدفع أصحاب المدخرات للهروب إلى الدولار، مما يزيد الضغط على الجنيه ويعمق الأزمة. إن الطريق لاستعادة قوة الجنيه يبدأ باعتراف الحكومة بفشلها في إدارة الاقتصاد الحقيقي. فلا يمكن أن يستقر سعر الصرف والإنتاج متوقف، والصادرات محدودة، والحرب مستمرة. المطلوب من حكومة بورتسودان الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء استراتيجية واضحة: وقف الحرب، إعادة تشغيل المصانع والمشروعات الزراعية، تأهيل البنية التحتية، توحيد سعر الصرف تدريجياً، محاربة المضاربة والفساد، وإدارة موارد الذهب والثروات بشفافية حتى تدخل عائداتها للبنوك بدلاً من تهريبها. السودان يمتلك أراضٍ زراعية وثروة حيوانية وموارد معدنية وموقعاً استراتيجياً، لكن هذه الموارد تحتاج إلى حكومة قادرة على إدارتها. ومن الخطأ أن تختزل الحكومة الأزمة في سؤال: كم بلغ سعر الدولار اليوم؟ وتتجاهل السؤال الأهم: لماذا فشلنا في توفير العملات الأجنبية من الإنتاج والصادرات؟ وفي الختام، إن استعادة قيمة الجنيه ليست مهمة مصرفية فقط. إنها مسؤولية سياسية واقتصادية كاملة تقع على عاتق حكومة بورتسودان ووزارة المالية وبنك السودان. واستمرار انهيار الجنيه في ظل هذه الحكومة يمثل دليلاً واضحاً على أن السياسات الحالية غير قادرة على حماية الاقتصاد والمواطن. فإما أن تتحول الحكومة إلى خطة إنتاجية إصلاحية حقيقية، أو سيظل انهيار الجنيه هو العنوان الأبرز لمرحلة حكمها. شارك تصفّح المقالات وزير الثروة الحيوانية يلتقي قيادات المجتمع الرعوي ويكشف عن خطة الوزارة لدعم الرعاة الدكتور الهادي إدريس من معسكر “بيالي”: أوضاع اللاجئين السودانيين تستدعي تحركاً عاجلاً.