عبدالعزيز بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان ..يكتب

 

إن ما يثار من حقائق حول استخدام أراضي مصرية وقاعدة شرق العوينات تحديدا في عمليات عسكرية و استخباراتية و جوية ضد أهداف مدنية داخل؛ السودان يمثل من الناحية القانونية جريمة بالغة الخطورة لا يجوز حسمها سياسيا أو إعلاميا فقط وإنما يجب إخضاعها لتحقيق دولي مستقل قادر على تحديد مصدر الطائرات وطبيعة الأهداف والأوامر الصادرة والجهات التي خططت ونفذت والنتائج التي ترتبت على كل عملية

 

القانون الدولي لا يمنح أي دولة حقا مفتوحا في استخدام القوة داخل إقليم دولة أخرى فالمادة 2 الفقرة 4 من ميثاق الأمم المتحدة تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة كما تؤكد المادة 2 الفقرة 1 مبدأ المساواة في السيادة بين الدول

 

وفي الإطار الأفريقي فإن المادة 4 من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي تقر مبدأ المساواة في السيادة واحترام الحدود القائمة عند الاستقلال وتحظر استخدام القوة أو التهديد بها بين الدول الأعضاء وتحظر تدخل أي دولة عضو في الشؤون الداخلية لدولة أخرى كما تقر حق الاتحاد في التدخل في ظروف الحرب والجرائم الدولية الجسيمة وفقا للآلية التي يحددها القانون الأفريقي

 

وتزداد المسؤولية القانونية خطورة بعد ما ثبت أن طائرات عسكرية انطلقت من الأراضي المصرية لضرب سكان مدنيين و أسواق و منشآت مدنية و مناطق تعدين أهلي لا تشكل أهدافا

عسكرية

فالمادة 51 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 تحظر استهداف السكان المدنيين والهجمات العشوائية وتحظر الهجمات التي يتوقع منها إحداث خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة المتوقعة

 

كما أن المادة 52 من البروتوكول ذاته تحظر استهداف الأعيان المدنية وتقصر الهجمات على الأهداف العسكرية المحددة وفقا لطبيعتها أو موقعها أو غرضها أو استخدامها وبشرط أن يؤدي تدميرها أو تحييدها إلى ميزة عسكرية محددة وفي حالة الشك يفترض أن العين ذات الاستخدام المدني ليست هدفا عسكرية

أما المادة 54 فتحظر تجويع المدنيين كأسلوب للحرب وتحظر مهاجمة أو تدمير أو تعطيل الأشياء الضرورية لبقاء السكان المدنيين مثل الغذاء والمياه والمناطق الزراعية والمنشآت المرتبطة بها متى كان القصد حرمان السكان من مقومات بقائهم

 

ومصر ليست مجرد دولة موقعة على البروتوكول الإضافي الأول بل هي دولة طرف فيه منذ 9 أكتوبر 1992 وهو ما يجعل أحكامه ذات أهمية مباشرة عند تقييم أي فعل عسكري ينسب إلى قواتها أو إلى أشخاص يعملون تحت سيطرتها أو بتوجيه منها

 

وفي نظام روما الأساسي تندرج الأفعال التي قامت بها مصر استهداف المدنيين و الأعيان المدنية عمدا ضمن جرائم الحرب بعد ماتوافرت العناصر القانونية للجريمة ولا سيما المادة 8 المتعلقة بجرائم الحرب كما أن المادة 7 تتناول الجرائم ضد الإنسانية عندما ترتكب الأفعال المحظورة في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين مع العلم بالهجوم

 

وتحدد المادة 25 من نظام روما المسؤولية الجنائية الفردية بينما تؤكد المادة 27 عدم الاعتداد بالصفة الرسمية وتتناول المادة 28 مسؤولية القادة والرؤساء عن الجرائم التي تقع ضمن مسؤوليتهم في الحالات التي تتحقق فيها الشروط القانونية أما المادة 29 فتقرر عدم خضوع الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة للتقادم

 

يعني ذلك أن كل ضربة جوية أو كل منشأة مدمرة تشكل جريمة حرب فالقانون يشترط إثبات طبيعة الهدف والقصد والعلم والظروف العسكرية ولهذا فإن اتهام مصر ميبنى على أدلة قابلة للفحص تشمل مسارات الطيران وصور الأقمار الصناعية وبقايا الذخائر وسجلات الاتصالات وشهادات الناجين

 

كما ان مسؤولية الدولة عن خرق قواعد القانون الدولي يشكل جريمة دولية في حق سيادة الدول و يختلف قانونا عن المسؤولية الجنائية الفردية أمام المحكمة الجنائية الدولية فالمحكمة تختص بالأشخاص الطبيعيين ولا تحاكم الدول

 

ولهذا فإن المطلوب ليس إصدار حكم مسبق على مصر وإنما فتح تحقيق مستقل في كل واقعة يثار بشأنها استخدام أراض أو قواعد مصرية لتنفيذ عمليات داخل السودان وتحديد المسؤولية وفقا للأدلة والقانون

 

بعد ما ثبت أن أراضي دولة مصر و قواعدها العسكرية استخدمت بصورة فعلية لتخطيط و تنفيذ هجمات غير مشروعة ضد المدنيين السودانيين داخل الارض السودانية فإن المسألة لا تبقى خلافا سياسيا بين حكومات وإنما تتحول إلى جريمة قانون دولي تستوجب التحقيق والمساءلة وجبر الضرر ومحاسبة كل شخص تثبت مسؤوليته وفقا لمبدأ المسؤولية الفردية

 

السيادة السودانية ليست رخصة لتجار الحروب وأصحاب المصالح للقصف والسودان ليست أرضا مستباحة للطائرات المصرية وحماية الشعب السوداني ليست شعارا سياسيا بل التزام قانوني ثابت متى ظهرت أدلة على تدخل خارجي في ارتكاب انتهاكات جسيمة فإن الطريق القانوني الصحيح هو التحقيق المستقل وتثبيت الأدلة وتحديد المسؤولية وعدم السماح بتحويل دماء المدنيين إلى ملف بلا صاحب أو جريمة بلا مساءلة أو مصالح مشتركة بين الحكام

 

 

 

 

 

 

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *