السودان في علم النفس الجمعي ليس مجرد حدود جغرافية بل هو هوية متشكلة عبر الذاكرة المشتركة والقيم المتوارثة فالشعوب التي عاشت قرونا على ضفاف النيلين طورت شخصية جماعية قوامها التضامن وقت الشدة والتسامح وقت السلم وعندما تتعرض هذه الشخصية الجمعية لخطاب كراهية او لسياسات تقسيم فإنها تصاب بالاضطراب ويضعف الشعور بالانتماء ويحل محله الخوف والشك لذلك فإن ترميم الوجدان الوطني يبدأ بإعادة الاعتبار للقيم التي صنعت السودان عبر تاريخه الطويل السودان بلد متعدد الثقافات والاعراق واللغات يمتد في جذوره الى حضارات مملكة كوش ومروي ثم الممالك المسيحية في دنقلا وسوبا ثم السلطنة الزرقاء وسلطنة دارفور وصولا الى الدولة الحديثة هذا الامتداد التاريخي لم يكن صراعا دائما بل كان تفاعلا وتداخلا اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا بين القبائل العربية والافريقية والنوبية والبجاوية وغيرها حيث نشأت المصاهرات وتبادلت المنافع وتشكلت اسواق مشتركة ومراحيل للرعاة ومواسم للحصاد يشارك فيها الجميع عرف السودانيون الكرم والجود كقيمة عليا فبيت الضيافة مفتوح لكل عابر سبيل وعرفوا الشجاعة في حماية الجار ونصرة المظلوم وعرفوا حب الاخر مهما اختلف لونه او قبيلته فالتداخل بين القبائل لم يكن شعارا بل ممارسة يومية في الافراح والاتراح وفي الزراعة والرعي والتجارة فصار النسيج الاجتماعي شبكة ممتدة من العلاقات يصعب فصل خيوطها من الناحية القانونية والسياسية فإن الدولة السودانية الحديثة قامت على مبدأ المواطنة المتساوية امام القانون وهو مبدأ يجد سنده في الدساتير المتعاقبة وفي الاعراف الراسخة التي ترفض التمييز على اساس العرق او القبيلة غير ان التجربة السياسية شهدت انحرافات خطيرة حين تبنت السلطة خطابا ايديولوجيا ضيقا اقصى المخالفين واستثمر في الانقسام الاجتماعي لقد مارست الحركة الاسلامية خلال فترة سيطرتها على الحكم سياسة تمكين حزبي واقصاء سياسي وافراغ مؤسسات الدولة من مهنيتها وحيادها مما اسهم في اضعاف الجيش والخدمة المدنية وتسييس المجتمع كما اسهم خطابها التعبوي في تكريس الاستقطاب الحاد بين مكونات الشعب وعندما اندلعت حرب 15 ابريل لم تكن معزولة عن تراكمات هذا النهج بل جاءت نتيجة طبيعية لسنوات من عسكرة السياسة وتسييس المؤسسة العسكرية وتغذية الشكوك بين المكونات الاجتماعية ان اخطر ما صاحب حرب 15 ابريل هو السعي الى تحويلها من صراع على السلطة الى حرب مجتمعات عبر بث خطاب الكراهية والتحريض القبلي واستدعاء الهويات الضيقة وهو مسار يتحمل مسؤوليته كل من اسهم في تغذية الانقسام او وفر له الغطاء السياسي والاعلامي ان تجريم هذا الدور لا يقوم على الخصومة السياسية بل على مبدأ قانوني واضح مفاده ان كل فعل او تحريض يؤدي الى تقويض السلم الاجتماعي او تعريض وحدة الدولة للخطر يمثل اعتداء على الحق العام وعلى اسس الدولة الوطنية ان الزج بالقبائل في معارك سياسية او عسكرية يمثل اخلالا جسيما بمبدأ المواطنة وتهديدا مباشرا للسلم الاجتماعي ويقوض فكرة الدولة التي تحتكر وحدها استخدام القوة وفق القانون ويخضع الجميع فيها لسلطة مدنية شرعية لذلك فإن اي مشروع سياسي يقوم على تعبئة المجتمع ضد بعضه او على استثمار الدين لتبرير الاقصاء والعنف هو مشروع يتعارض مع مبادئ الدولة المدنية الديمقراطية ومع القيم السودانية الراسخة التاريخ السوداني يقدم دروسا واضحة ففي ثورة اكتوبر 1964 وفي انتفاضة ابريل 1985 توحد السودانيون بمختلف انتماءاتهم واسقطوا انظمة عسكرية عبر حراك مدني سلمي استند الى وحدة الصف والوعي الوطني تلك اللحظات اثبتت ان قوة السودان في تماسك شعبه لا في سطوة سلاحه وان الشرعية السياسية لا تستمد الا من ارادة الجماهير اليوم يقف السودان امام منعطف تاريخي يتطلب اعادة بناء الدولة على اسس دستورية تقوم على المواطنة والعدالة الانتقالية والمحاسبة وعدم الافلات من العقاب ويتطلب كذلك تفكيك البنية الفكرية والسياسية التي شرعنت الانقسام وعسكرة المجتمع واعادة الاعتبار لدور القبيلة بوصفها حاضنة اجتماعية وثقافية لا اداة للصراع ان الدعوة الى الوحدة ليست خطابا عاطفيا بل ضرورة قانونية وسياسية لحماية كيان الدولة فالتنوع السوداني ثروة وطنية ينبغي صونها عبر سياسات تعليمية وثقافية تعزز التعايش والاحترام المتبادل وتكرس قيم الكرم والشجاعة والتكافل التي شكلت ضمير المجتمع عبر القرون السودانيون قادرون على استعادة روحهم الجمعية متى ما رفضوا تحويل خلافات السياسة الى عداوات اجتماعية ومتى ما تمسكوا بدولة مدنية ديمقراطية تعترف بالجميع وتساوي بينهم امام القانون وتجرم التحريض على الكراهية وتقويض النظام الدستوري الوحدة في التنوع ليست مجرد شعار بل هي حقيقة تاريخية وواجب وطني ومسؤولية اخلاقية فليكن المستقبل امتدادا لاجمل ما في ماضينا ولتكن الدولة القادمة دولة قانون وعدالة وسلام تحفظ كرامة كل سوداني وتصون نسيجه الاجتماعي من كل مشروع يقسمه او يفتته نواصل بمشيئة الله عبدالعزير بخات المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان بتاريخ ١٥ /فبراير /2026 شارك تصفّح المقالات صباح محمد الحسن تكتب في زاويتها ” أطياف” تحت عنوان : ثرثرة!!