يشكل دخول قوات محمد علي باشا إلى السودان عام 1821 نقطة تحول مفصلية في التاريخ السياسي والقانوني السوداني فقد جاءت الحملة بقيادة ابنه إسماعيل كامل باشا بتفويض من الدولة العثمانية في سياق مشروع توسعي يستهدف تأمين الموارد وتجنيد الرجال وتوسيع النفوذ جنوبا ورغم أن السودان آنذاك لم يكن دولة حديثة بمفهوم القانون الدولي المعاصر إلا أنه كان كيانا سياسيا قائما بسلطناته ونظمه المحلية وهو ما يجعل إخضاعه لسلطة خارجية عملا ذا طبيعة استعمارية من منظور القانون التاريخي

 

ترتب على ذلك قيام نظام مركزي عرف بالحكم التركي المصري 1821 1885 اتسم بجبايات مكثفة وسخرة وتجنيد إجباري وتوجيه موارد البلاد من الذهب والصمغ العربي والعاج والمحاصيل لخدمة مركز الحكم في مصر وقد أدى هذا النمط من الإدارة إلى اختلالات اقتصادية واجتماعية عميقة ومظالم موثقة في الذاكرة الوطنية السودانية وهو ما مهد لاندلاع الثورة المهدية بقيادة محمد أحمد المهدي التي أسقطت الحكم التركي المصري عام 1885 وأقامت دولة وطنية مستقلة حتى عام 1898

 

في عام 1899 أبرمت بريطانيا ومصر اتفاقية الحكم الثنائي المعروفة باتفاقية 19 يناير 1899 التي دشنت ما عرف بالحكم الثنائي 1899 1956 ورغم أن الإدارة كانت باسم الحكومتين المصرية والبريطانية فإن السلطة الفعلية كانت بيد بريطانيا ممثلة في الحاكم العام بينما احتفظت مصر بحضور إداري وتعليمي وديني مؤثر وقد أوجدت هذه الصيغة وضعا قانونيا ملتبسا بين السيادة والوصاية وأبقت السودان في دائرة النفوذ الخارجي حتى إعلان الاستقلال في الأول من يناير 1956

 

يثار في الخطاب السياسي سؤال جوهري حول توصيف مرحلة 1821 هل هي امتداد للسلطنة العثمانية أم استعمار مصري للسودان تاريخيا كانت مصر طرفا فاعلا في إدارة السودان وفي الاتفاقيات التي رسمت مصيره السياسي سواء في العهد التركي المصري أو في ظل الحكم الثنائي إذ شكلت البوابة الجغرافية والسياسية التي دخل عبرها النفوذ العثماني ثم البريطاني إلى السودان ومن منظور نقدي يرى بعض الباحثين أن مصر لم تكن مجرد وسيط بل شريكا أصيلا في ممارسة السلطة على السودان وما صاحبها من مظالم إدارية واقتصادية واستغلال للموارد

بعد الاستقلال دخل السودان مرحلة اضطراب سياسي اتسمت بتكرار الانقلابات العسكرية بدءا من انقلاب 17 نوفمبر 1958 بقيادة إبراهيم عبود ثم انقلاب 25 مايو 1969 بقيادة جعفر نميري ثم انقلاب 30 يونيو 1989 بقيادة عمر البشير وصولا إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021 بقيادة عبد الفتاح البرهان وقد ارتبطت هذه التحولات بسياقات إقليمية ودولية معقدة وظهرت الدور الواضح لمصر باحتضان أو دعم كل القيادات العسكرية السودانية عبر تنسيق سياسي وأمني أو علاقات استراتيجية غير أن توصيف أي دعم مزعوم يخضع لمعايير الإثبات في القانون الدولي ولمبدأ عدم التدخل المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة ولا سيما المادة 2 فقرة 4 المتعلقة بحظر التهديد أو استخدام القوة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة

 

إن الربط بين التاريخ والحاضر يكشف استمرارية إشكالية العلاقة بين السلطة المركزية في الشمال ووضع السودان السياسي فمنذ 1821 ظل السودان ساحة تنافس ونفوذ وتقاطعات إقليمية وقد أسهم ضعف البنية الدستورية الداخلية وتغول المؤسسة العسكرية في تكريس قابلية التدخل الخارجي سواء من مصر أو من غيرها

 

فيما يتعلق بحرب 15 أبريل 2023 التي اندلعت بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع فقد مثلت أخطر تهديد لوحدة الدولة منذ الاستقلال وأعادت طرح سؤال السيادة الوطنية والعلاقات الإقليمية وقد وجهت أطراف سودانية اتهامات لدول من بينها مصر بشأن مواقفها السياسية أو دعمها لأحد الأطراف بينما تؤكد مصر رسميا دعمها لوحدة السودان ومؤسساته الوطنية ويظل تقييم أي دور خارجي مرهونا بالوقائع الموثقة والتحقيقات المستقلة

 

من زاوية تحليلية يمكن القول إن السودان عانى تاريخيا من نمطين متداخلين من الظلم والاستبداد أولهما ظلم خارجي تمثل في إخضاع موارده وإرادته السياسية لسلطات وافدة منذ الحكم التركي المصري مرورا بالحكم الثنائي الانجليزي المصري وثانيهما ظلم داخلي تمثل في أنظمة عسكرية واستبداد سياسي أضعف المؤسسات المدنية وكرس هشاشة الدولة مما فتح الباب لتأثيرات إقليمية

 

إن بناء علاقة متوازنة بين السودان ومصر يقتضي قراءة تاريخ 1821 وما تلاه قراءة نقدية تعترف بالمظالم التي لحقت بالسودانيين في ظل الإدارة التركية المصرية وبالتعقيدات القانونية للحكم الثنائي الانجليزي المصري

كما يقتضي في الحاضر التزاما صارما بمبدأ السيادة وعدم التدخل واحترام خيارات الشعوب وفقا للقانون الدولي وحسن الجوار

 

فالسودان منذ حملات القرن التاسع عشر حتى حرب 15 أبريل 2023 ظل يدفع ثمن اختلال معادلة السلطة بين الداخل والخارج ولن تنكسر دائرة الحروب إلا بترسيخ دولة مدنية دستورية قوية تحصن القرار الوطني وتؤسس لعلاقة ندية مع جميع دول الجوار وفي مقدمتها مصر قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل لا على الهيمنة أو الوصاية

نواصل

بمشيئة الله

عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان

بتاريخ

١٧ /فبراير /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *