في “مؤتمر ميونخ للأمن”، حيث تُصاغ أبجديات السياسة الدولية وتُرسَّخ تراتبية القوى، لم تكن مشاركة كامل إدريس – بصفته واجهة مدنية لسلطة الأمر الواقع في بورتسودان العسكر- كيزانية – مجرد إخفاق بروتوكولي، بل كانت تجسيدًا واقعيًا لخزي الدنيا والآخرة،

 

فإذا استطاعوا قتل الشعب وتجويعه وتشريده فإنَّ الله حيٌّ لا يموت: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون).

 

لقد ساق الرجل قدميه إلى ميونخ بحثًا عن شرعية دولية متوهَّمة، فإذا بلسانه ينطق بما يُدينه، ليعود مثقلًا باعترافات فظيعة تضع سلطته خلف قضبان المساءلة الأخلاقية والتاريخية قبل القانونية.

 

إن إقراره الصريح بارتكاب الجيش فظائع ترقى إلى توصيف “الجرائم ضد الإنسانية”، ومحاولته البائسة لتبريرها بذريعة “الدفاع عن النفس” أو “الذود عن كيان الدولة”، هو تبرير يجمع بين السخافة والتواطؤ؛ فهو لا يعكس ضحالةً مخيفةً في فقه القانون الدولي وعبثيةً في إدارة الأزمة فحسب، بل يكشف بوضوح طبيعة الشخوص المرتبطة بمشروع (الكيزان/البرهان) في بورتسودان وضحالتهم.

 

إن القواعد الآمرة في نظام روما الأساسي واتفاقيات جنيف لا تعترف بما يمكن تسميته “الاستثناء القمعي”؛ فقتل المدنيين العُزَّل عمدًا، والتهجير القسري، واستباحة القرى، وتكميم الأفواه، واستخدام السلاح الكيماوي، ليست مجرد “أعراض جانبية” لحربٍ مهما كانت عادلة، بل هي جرائم مكتملة الأركان لا يمحوها منطق “الدفاع عن النفس” الذي يتشدق به كيزان بورتسودان وعسكرهم وسدنتهم.

 

إن الأنظمة التي تبدأ بتبرير الجرائم،

 

تنتهي بتوسيعها، كما أن هذا النوع من “الاعتراف المجاني” أمام محفل دولي يراقب أدق التفاصيل، يشي بأن الطغمة الحاكمة قد فقدت بوصلة الأخلاق والمناورة معًا، وباتت تتخبط في تبرير الفوضى بوسائل تُكرِّس عزلتها وتؤكد حتمية ملاحقتها جنائيًا.

 

لم يكن إبعاد الوفد المتطفل عن المنصات الرئيسية للمؤتمر مجرد صدفة تنظيمية، بل رسالة سياسية مباشرة مفادها أن “سلطة الأمر الواقع” لا تملك مقعدًا في نادي الدول الراشدة.

 

لقد حُشر كامل إدريس في زوايا التهميش الإعلامي، ليتلقى صفعةً مهينةً من مديرة الجلسة التي لم تكتفِ بوصف إفاضته في الحديث بـ”الثرثرة والهذر غير المنتج”، بل تجاوزت ذلك إلى تسفيه محتواه المنفصل عن الواقع جملةً وتفصيلًا.

 

هذا الامتهان الدبلوماسي لم يطل شخص الرجل فحسب، بل انسحب على وزن السودان وطنًا، الذي تحوّل في ظل هذه السلطة الانقلابية إلى “كيان منبوذ” يُسمح لمنتسبيه بالثرثرة في الردهات الخلفية دون أن يُؤخذ كلامهم بمحمل الجد.

 

أما المشهد الأكثر سريالية، فهو ذلك الوفد التابع من الصحفيين – “صحافة ريا وسكينة” – الذين حشدهم كامل إدريس في رحلة شتوية باذخة، والبلاد مسغبة وشعبها يفترش الأرض ويلتحف السماء!

 

هؤلاء الذين سافروا ببدلات السفر ونثريات “الجوعى والحزانى”، لم يكونوا سوى كومبارس في مسرحية عبثية؛ فقد حُرِّم عليهم حتى ممارسة دور الصحافة الصفراء بطرح أسئلة مُعدَّة سلفًا، ليعودوا بخُفَّي حنين، مكللين بالعار والشنار.

 

إن منعهم حتى من سؤال “رئيس وزرائهم” في قلب أوروبا، وإحالتهم إلى “بورتسودان” حيث تُمارَس صحافة الترغيب والترهيب، هو شهادة وفاة لأي ادعاء بالانفتاح أو أي شكل من أشكال مدنية الدولة، ناهيك عن الديمقراطية.

 

إن ما حدث في ميونخ فضيحة سياسية داوية، موثَّقة بالصوت والصورة، سقطت معها ورقة التوت عن تلك النخبة “المتحذلقة” التي تحاول تجميل القبح بعبارات “الحفاظ على الدولة”، بينما الحقيقة الصادمة أن السلطة التي تعترف بجرائمها لتبرر بقاءها سلطةٌ فقدت مبرر وجودها الأخلاقي، وحريٌّ بها أن تسقط مرةً واحدةً وإلى الأبد.

 

كامل إدريس لم يمثل السودان في ألمانيا، بل مثّل عجز سلطة بورتسودان عن قراءة المشهد الدولي.

 

لقد ذهب ليبيع الوهم للعالم، فاشترى لنفسه ولنظامه مكانًا دائمًا في سجلات الخزي والعار، مؤكدًا أن الجهل، حين يقترن بالغطرسة، يُنتج كوارث تتجاوز في خطورتها أزيز الرصاص.

 

لقد مثلوا بنا تمثيلًا عظيمًا.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *