اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع فخلفت دمارا واسعا في العاصمة والأقاليم ودفعت ملايين المدنيين إلى النزوح واللجوء وبين ألسنة اللهب وركام المدن برز خطاب سياسي ديني قديم يتجدد يزعم الدفاع عن الكرامة والشعب والدين بينما تكشف الوقائع أن جوهر الصراع يدور حول السلطة ومفاصل الدولة

 

منذ عقود درجت الحركة الإسلامية في السودان على توظيف الشعارات الدينية في سياقات سياسية صرفة رفع شعار الجهاد في حروب سابقة كما رفعت اليوم شعارات الكرامة والدفاع عن الدولة غير أن القراءة القانونية الموضوعية تظهر أن النزاعات المسلحة سواء في الجنوب سابقا أو في دارفور أو في الحرب الراهنة لم تحسم في ساحات العقيدة بل على طاولات تفاوض ناقشت تقاسم السلطة والثروة والترتيبات الأمنية ونسب المشاركة في الحكم لم يكن الدين بندا تفاوضيا بل كانت الوزارات والمناصب والقيادات العسكرية هي محل النزاع

 

القاعدة القانونية المستقرة في القانون الدستوري الحديث أن الشرعية تستمد من الإرادة الشعبية والانتخاب الحر لا من احتكار تفسير الدين أو ادعاء تمثيله كما أن مبادئ القانون الدولي الإنساني وعلى رأسها اتفاقيات جنيف تجرم استهداف المدنيين وتدمير المنشآت الخدمية أيا كان المبرر الأيديولوجي وعليه فإن تدمير الجامعات والمدارس والمستشفيات ومرافق الاتصالات لا يمكن تبريره بخطاب ديني أو سياسي بل يعد انتهاكا صريحا لقواعد حماية الأعيان المدنية

 

لقد كشفت الحرب الراهنة حجم الكارثة الإنسانية ملايين النازحين واللاجئين آلاف القتلى والجرحى وأجيال حرمت من التعليم والعلاج والاستقرار هذه النتائج لا تنسجم مع خطاب حماية الشعب بل تناقضه واقعا ونتيجة فالنتيجة القانونية والسياسية لأي فعل تعد قرينة على حقيقته فإذا كانت الحصيلة انهيار مؤسسات الدولة وتفكيك نسيج المجتمع فإن الادعاء بالدفاع عن الكرامة يصبح موضع مساءلة أخلاقية وقانونية

 

إن تحويل كل صراع سياسي إلى معركة دينية يعد تضليلا للرأي العام لأنه يخلط بين الثابت الروحي والمتغير السياسي الدين بوصفه منظومة قيمية وأخلاقية لا يتحول إلى برنامج حكم تلقائي ولا إلى صك احتكار للسلطة وعندما يستدعى الخطاب الديني لتعبئة الجماهير بينما تدار المفاوضات حول المناصب والتمكين والسيطرة على الموارد فإن ذلك يكشف ازدواجية الخطاب بين العلن والسر وبين التعبئة الشعبية والحسابات السياسية

 

الحقيقة الأساسية التي لا يمكن إنكارها أن جوهر الأزمة السودانية هو أزمة دولة احتكار للسلطة ضعف في المؤسسات غياب للعدالة الانتقالية وتسييس للمؤسسة العسكرية أما الشعارات فهي أدوات تعبئة لا أكثر ومن حق الشعب السوداني قانونا وأخلاقا أن يطالب بدولة مدنية تقوم على سيادة القانون والفصل بين السلطات وخضوع الجميع للمساءلة دون حصانة

 

إن كشف هذا التناقض ليس تشفيا بل خطوة في طريق الوعي العام فالشعوب لا تهزم بالسلاح وحده بل تخدع حين يستغل إيمانها لتبرير صراعات لا تخدم مصالحها وإعادة الاعتبار للحقيقة تعني إعادة الاعتبار للمواطن بوصفه صاحب السيادة ومصدر الشرعية

فإن وقف الحرب وإعادة بناء الدولة يتطلبان اعترافا صريحا بأن الصراع سياسي على السلطة لا ديني على العقيدة ويتطلبان كذلك تفكيك خطاب التضليل وإخضاع كل من تورط في إشعال الحرب أو إدامتها للمساءلة وفق القانون الوطني والدولي عندها فقط يمكن للسودانيين أن يطووا صفحة الدم ويؤسسوا لسلام قائم على العدالة لا على الشعارات

نواصل

بمشيئة الله

عبدالعزير بخات المحامي

والمدافع عن حقوق الإنسان

 

بتاريخ

١٦ /فبراير /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *