الجميل الفاضل

 

الحياة على الكذب، هي حياة بلا قيمة ولا طعم ولا لون ولا رائحة، وبافتقار حياة الناس عموماً للصدق كقيمة، تموت الحياة نفسها، تزهق روحها، تفقد جوهرها.

لقد كان مقلقاً جداً قول القائد حميدتي: “نحن فاقدين إرادة، فاقدين صدق، فاقدين لأن نصدق مع بعضنا”.

هي اعترافات تبدو في ظاهرها وكأنها زلات لسان وقعت بغفلة.. بيد أن القائد دقلو في ظني كان يعني كل كلمة قالها، في لقائه بأفراد الجالية في أوغندا وهو يلح على الحضور، بقوله: “الدايرنو منكم نبقي ناس حق، نبقي وطنيين، وصادقين”.

لكن السؤال: هل يصلح نصح هذا العطار، ما أفسده دهر “الإنقاذ” الطويل، على أهل السودان وفيهم؟

إلى درجة أن البعض منهم ظن أن حميدتي قد قدم باعترافاته المثيرة، في لقاء عنتيبي هدايا مجانية على طبق من ذهب، لأعدائه بالداخل والخارج.

قابلها منهم من قابلها بتشكك ورفض أو بتهكم وسخرية، وتغشاها أيضاً من تعاطاها بخشية وإشفاق، خوفاً وحرصاً على الرجل.

وللحقيقة فالاعتراف بطبعه فضيلة مؤلمة للغاية، مصدر المها بالدرجة الأولى “الشيطان”، الذي أشار إليه تعالى بقوله:

“إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين”.

فالمُخوفُ الذي يجر الناس جراً للهروب من الحقيقة بالكذب، هو الشيطان نفسه لا غيره.

عموماً فقد مثلت اعترافات حميدتي اختباراً صغيراً لمدى حساسية الإخوان المسلمين العالية، من دخول سلاح الصدق والاعتراف إلى ميدان هذه المعركة، التي ظلوا يديرونها منذ يومها الأول بسلاح الإنكار والكذب.

إذ أن الصّدق ظل على الدوام، وفي كل مكان، من أهم مقوّمات البناء لأي مجتمع متطور وناجح؛ لما للصدق من أثر عميق على حياة مثل هذه المجتمعات.

ولأهمية الصدق في كل الأحوال عسراً أو يسراً، قال عمر بن الخطّاب: “لأنْ يضعَني الصّدقُ وقلّ ما يفعل، أحبّ إليّ من أن يرفعَني الكذبُ وقلّ ما يفعل”.

وقال الإمام الأوزاعيّ: “والله لو نادى منادٍ من السّماء أنّ الكذب حلال ما كذبت أبداً”.

ليضعنا تشدد العارفين هذا في رفض الكذب أمام آية دقيقة جداً وخطيرة، يقول فيها عزّ وجل:

“وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا”.

فهل ثمة بالمقابل مخرج كاذب، بمثلما أن هنالك مدخل كاذب، وهل من دخل إلى أمر ما صادقاً، لابد أن يخرج منه كذلك صادقاً، أم أنه يمكن أن يخرج كاذباً، رغم صدق مدخله الأول.

المهم، فالبطولة ليست في دخول الحروب، بل في عدم دخولها من الأصل ما أمكن ذلك، ثم في كيفية الخروج منها حال التورط فيها، بأصدق وأفضل طريقة ممكنة.

فقد قيل أن معاوية بن أبي سفيان كانَ يتحادثُ مع عمرو بن العاص، فقال معاوية: يا عمرو، ما بلغ من دهائك؟ قالَ: واللهِ ما دخلتُ مُدخلاً إلا أحسنتُ الخروجَ منه، قال: يا عمرو، لستَ بداهية.

أمّا أنا واللهِ ما دخلتُ مُدخلاً أحتاجُ أن أخرُجَ منهُ.

فالبرهان رغم ما يقال إنه كاهن يتباهي بمهارته في الحفر بالإبرة، إلا أن الأيام قد أثبتت أنه ليس كاهناً أو داهية كعمرو يعرف كيف يخرج، وليس كمعاوية الذي لا يدخل مدخلاً يضطره لأن يخرج منه أبداً.

أما الآن فقد صرنا في لجة هذه الحرب بعد أن تخطينا عتبة الدخول إليها، بصدق أو بكذب قبل نحو ثلاثة سنوات، ولذا ينبغي أن نفكر في مخرج عاجل وعادل منها، يكون مخرج صدق لا مخرج كذب.

مخرجاً يأتي كما وصفه القائد حميدتي على هذا النحو:

“السلام دا نحن عندنا ليهو برنامج ثابت، هو أن حل مشكلة السودان في دستور السودان الانتقالي لسنة 2025، وميثاق السودان التأسيسي، واي سوداني عندو إضافة خلي يجي يقول لينا واحد واثنين وثلاثة، انا بضيف واحد واثنين وتلاتة، أو بحذف واحد واثنين وتلاتة، لو انتصر علينا بالمنطق يمشي كلامه، شريطة عدم مشاركة أي كوز، لا كرتي ولا أسامة ولا احمد هارون، ولا شيطان رجيم”.

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *