عبدالعزير بخات المحامي 

والمدافع عن حقوق الإنسان 

 

كفاية موت هذه ليست عبارة عابرة بل صرخة ضمير في وجه وطن أنهكته الحروب والكذب والتخوين من العيب أن نموت بالكذب وأن نسوق للحروب بالكذب والسودان هو الخسران الأكبر والشعب السوداني هو أكبر ضحية نعترف بلا مواربة بأن دولتنا خاضت حروبا متصلة منذ عام 1955 حتى اليوم حروب استنزفت الأرواح والموارد وقطعت الطريق أمام الاستقرار والسلم الاجتماعي والسؤال المشروع ماذا استفاد السودان من الحرب وماذا استفاد الشعب السوداني من الحرب

 

التاريخ السياسي للسودان يثبت أن الشعب لم يكن يوما طالب حرب بل كان طالب حرية وعدالة وسلام خرج السودانيون في ثلاث ثورات مفصلية عبر أجيال مختلفة الأولى في عام 1964 ضد نظام عسكري والثانية في عام 1985 والثالثة في عام 2019 وكلها رفعت ذات المطالب دولة مدنية ديمقراطية عدالة اجتماعية كرامة إنسانية حكم قانون وتنمية متوازنة إذا كانت المطالب واحدة عبر ستة عقود فالمشكلة ليست في الشعب بل في بنية الحكم وإدارة الدولة وفي غياب عقد اجتماعي يؤسس لمواطنة متساوية

 

من منظور قانوني فإن استمرار الحرب يقوض أركان الدولة الحديثة فالدولة تقوم على احتكار مشروع لاستخدام القوة في إطار القانون لا على تعدد مراكز السلاح ولا على عسكرة السياسة ولا على تسييس الدين والقانون الدولي الإنساني يجرم استهداف المدنيين ويحظر العقاب الجماعي ويؤكد أن حماية الإنسان هي الأصل وأن اللجوء إلى القوة هو الاستثناء المقيد بالضرورة والتناسب ومع ذلك دفع المدنيون في السودان أثمانا باهظة من دمائهم وبيوتهم وأمنهم

 

سياسيا أثبتت التجربة أن الحروب لا تبني شرعية ولا تصنع استقرارا بل تعمق الانقسام وتوسع دوائر الفقر والنزوح وتفتح الباب للتدخلات الخارجية حين تضعف الجبهة الداخلية إن تحويل المسؤولية إلى الخارج لا يعفي الداخل من واجبه فالأزمات الوطنية لا تعالج بالمكابرة ولا بالتخوين ولا بتبادل الاتهامات بل بإرادة سياسية تعترف بالأخطاء وتفتح باب المصالحة والعدالة الانتقالية وتعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع

 

السودان بلد غني بتنوعه الجغرافي والاثني والثقافي وكان يمكن لهذا التنوع أن يكون مصدر قوة ناعمة وثروة اقتصادية وبشرية لو أحسن استثماره في إطار دولة تحترم التعدد وتؤمن بالمواطنة المتساوية لكننا تركنا الأرض بور وتركنا المعادن في باطن الأرض نمشي فوقها ونحن جياع ومشردون نستخرج الذهب ولا نستخرج معه تنمية عادلة ندفن الأرواح في الأرض ثم نستخرج من ذات الأرض ما نجلب به مزيدا من الموت هذا تناقض أخلاقي وسياسي لا يمكن أن يستمر

 

إن بناء دولة قوية لا يتحقق بالسلاح وحده بل بالاقتصاد المنتج وبالعدالة الاجتماعية وبمؤسسات مستقلة وبقضاء نزيه وبخدمة مدنية مهنية وبجيش وطني واحد يحمي الحدود ولا يتدخل في السياسة الدولة القوية هي دولة القانون التي يتساوى فيها الناس أمام القضاء بغض النظر عن قبائلهم أو أقاليمهم أو معتقداتهم وهي دولة تعترف بالتنوع وتحوله إلى رافعة للوحدة لا إلى وقود للفرقة

 

لقد آن الأوان لوقف الحرب وقفا نهائيا لا هدنة مؤقتة ولا تسوية جزئية بل مسار شامل يعالج جذور الأزمة ويستجيب لمطالب الشعب التي عبر عنها مرارا في الشوارع والساحات آن الأوان لنبذ القبلية والجهوية وخطاب الكراهية ولإعلاء قيمة الإنسان السوداني بوصفه مواطنا كامل الحقوق والواجبات آن الأوان لأن نعيش لأجل أولاد اليوم لا أن نورثهم أحقاد الأمس

 

كفاية موت كفاية نفاق كفاية كذب السودان يستحق سلاما دائما وعدالة شاملة وتنمية حقيقية والشعب السوداني يستحق دولة تحميه لا أن تدفعه إلى ساحات القتال إن المستقبل لا يبنى بالرصاص بل بالإرادة الوطنية الصادقة وبعقد اجتماعي جديد يؤسس للحرية والسلام والعدالة ويضع حدا لدائرة الدم إلى الأبد

 

 

 

نواصل

بمشيئة الله

بتاريخ

٢٨/فبراير /2026

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *